ملخص
النازية اعتمدت كثيراً على الأبعاد السيكولوجية، والسيكولوجيا الجماعية، في معرض هيمنتها على العقول والأفئدة، وهو ما أدركته الفنون، ولا سيما السينمائية منها، بالبديهة ولا سيما في إيطاليا حيث يمكننا أن نستذكر عدداً لا بأس به من أفلام جعلت من العلاقة الباتولوجية بين النازية وسياساتها، موضوعها الأساسي
في عام 2012 أصدرت منشورات جامعة أكسفورد كتاباً عنوانه “العقل النازي” من تأليف أستاذ التاريخ في كلية بيركبيك الإنجليزية دانيال بيرك، يلقي نوعاً من أضواء جديدة على موضوع بدأ يشغل الأوساط الجامعية الغربية منذ بدايات العقد الثالث من القرن العشرين: موضوع التحليل النفسي للعقلية النازية، وليس فقط على صعيد الأفراد من قادة ومسؤولين، بل حتى على صعيد السيكولوجية الجماهيرية التي جعلت انتصار النازية طوال ما يقرب من عقدين ممكناً، ثم ممكناً أيضاً وجود بقايا لها طوال مراحل ما بعد النازية وحتى الآن.
ونعرف على أية حال أن البحوث في هذا المجال قد أنتجت كميات هائلة من الدراسات بحيث أن القارئ قد يتساءل عما يمكنه أن يكون جديداً في ذلك كله؟
والحال أنه سؤال في غاية الصعوبة، غير أن الكتاب الجديد يتميز، في الأحوال كافة، بحسن توليف حتى للمعلومات المعروفة مسبقاً. ولكن، إضافة إلى ذلك، بمعلومات جديدة يوردها من حول تلك المؤسسة التي أقامتها السلطات الأميركية منذ وقت مبكر عاهدة إليها بصورة خاصة بمهمة دراسة حالة… أدولف هتلر نفسه، لتحري دوافعه وعلاقة أفعاله بأقواله ومن ثم علاقة ذلك كله بطفولته.
ويمكن القول إن تلك المؤسسة، “مكتب الدراسات الاستراتيجية”، إن لم تكن قد أتت بجديد في سياق المهمة الموكولة إليها، فإنها على الأقل اشتغلت بصورة بالغة الجدية في تحليل وربط ما توافر لديها من معلومات وتحليلات. ولقد كان ذلك بصورة خاصة حين وضع المكتب تحت إشراف عالم عرف باسم “وايلد بيلي” دونوفان لا يزال الأميركيون يدينون له بالكثير حتى اليوم في مجال ذلك النوع من الدراسات السيكولوجية.
عقل متفتح
إذاً في كتابه المذكور يؤكد دانيال بيك أن وايلد بيلي عرف بتفتحه الذهني وانتقائيته الإيجابية، إلى درجة أنه جعل من ذلك “المكتب” مختبراً حقيقياً لدراسة حتى أصغر المؤشرات والظواهر الممكنة والمستحيلة، بغية دراسة كل ما له علاقة بألمانيا، وصولاً إلى دراسة الأخطار التي تشكلها، حينها أي خلال مرحلة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية.
ولقد كان من أولى الخطوات التي اتخذها ذلك العالم المؤسس، التعاقد مع عالم التحليل النفسي الفرويدي المعروف والتر لانغر مكلفاً إياه بالانكباب اليومي على تحليل شخصية هتلر.
والحقيقة أن الأشغال التي قام بها لانغر، بحسب الكتاب، تمحورت من حول الوسائل التي يتوجب اللجوء إليها وصولاً إلى قضية اجتثاث النازية حتى من بعد زوال نفوذها السياسي واستعادة ألمانيا إلى المعسكر الديمقراطي، وذلك تحديداً عبر فهم العلاقة الراهنة بين الشعب الألماني وزعيمه النازي.
ولقد كان على لانغر أن يتكل على كميات المعلومات الهائلة التي تجمعت للمكتب بغية تحليل التطور الذي طرأ على هتلر وأوصله إلى الهيمنة على العقل الألماني السائد لدى المواطنين. فيخبرنا الكتاب أن لانغر واصل العمل على ملفاته حتى عام 1943 حيث قدم تقريره الذي لن يصدر مطبوعاً إلا بعد ذلك بثلاثة عقود تحت عنوان “عقل أدولف هتلر”. فكيف صور التقرير الذي استغرق العمل عليه، كل تلك السنوات، ذلك الشخص الذي طلع من العدم ليستحوذ على عقول الألمان استحواذاً مدهشاً بالنظر إلى أنها يجب أن تعتبر عقولاً مطبوعة بأعلى مستويات الفلسفة الإنسانية التنويرية؟
طفل مهووس أرعن
يقدم التقرير هتلر منذ طفولته بكونه شخصية تشعر أنها مطاردة تعيش رهاباً دائماً، وبكونه فتى أرعن مازوخياً منحرفاً يخشى كل ما لا يعرفه ويعيش هاجس أن الأقليات، ولا سيما الأقليات اليهودية، تريد القضاء عليه – ربما لأنه كان يشعر أنه خانها وهو المنتمي أصلاً إليها!- وهي المخاوف التي ساورته منذ الطفولة وجعلته عرضة لاضطراب دائم سرعان ما تحول لديه من كراهية لكل ما هو مختلف ومغاير، إلى كراهية للذات.
ونعرف طبعاً أن لانغر استخلص من عدد كبير من المعطيات التي دعمت تحليله، الصورة الأكثر تكاملاً لهتلر التي عرف المؤرخون كيف يقدمون الزعيم النازي من خلالها. في مقدمتها صورة الفتى الملتصق على الدوام بأمه، مقابل كراهيته المعلنة لأبيه الذي لم يكن ليتصوره سوى عنيفاً طاغية ومرعباً. غير أن الأهم من ذلك، في نظر لانغر إنما كان تلك العلاقة المركبة التي اكتشف وجودها بين أدولف الصبي وابنة أخته جيني روبال التي يخبرنا لانغر أنها كانت الأنثى الأولى في حياة هتلر وأنه مارس معها علاقة محرمة كانت السبب في انتحار الفتاة الذي أسفر عن نفور الصبي من الجنس النسائي بصورة عامة.
ويقول مؤلف الكتاب إنه لئن كانت هذه الواقعة تبدو غريبة في الزمن الذي حدثت فيه وفضّل الألمان غض النظر عنها، فإنها اليوم تبدو حقيقة تاريخية لا مراء فيها. أما في الزمن الذي قدمها لانغر فيه فإنها بدت شديدة الإثارة وبالكاد تصدق.
وفي المجال السياسي كان من الواضح أن لانغر إذ ركز على هذه الحكاية منذ عام 1943، استنتج أن هتلر يبقى مغموراً بالدوافع السيكولوجية التي تجعله صاحب نزعة تدمير ذاتي لا يمكن تخليصه منها إلا عبر تدميره هو نفسه تالياً لتدمير الأمة التي يتحكم بها، وبكلمات أوضح: تدمير ألمانيا النازية التي خلقها الزعيم على مثاله وصار هو وهي واحداً إما يعيشون معاً ويدمران العالم، وإما يدمران معاً!
من الخاص إلى العام
وإذا كان لانغر قد وصل إلى هذا الاستنتاج في العام 1943، فإن بداية أعماله في مستهل العقد الفائت كانت قد تركزت على الباتولوجيا الألمانية الجماعية نفسها. وهو ما سيعود المناضلون الألمان ضد ولادة النازية الجديدة في سنوات الستين، إلى الاشتغال عليه لاحقاً في معرض مقاومتهم لتلك الظواهر التي أدركوا خطورة ارتباطها بالنازية وخطورة المظاهر السيكولوجية التي تكمن في خلفية ذلك الارتباط.
ونعرف على أية حال، حتى من قبل أن نتبحر في صفحات كتاب بيك، أن النازية اعتمدت كثيراً على الأبعاد السيكولوجية، والسيكولوجيا الجماعية، في معرض هيمنتها على العقول والأفئدة، وهو ما أدركته الفنون، ولا سيما السينمائية منها، بالبديهة ولا سيما في إيطاليا حيث يمكننا أن نستذكر عدداً لا بأس به من أفلام جعلت من العلاقة الباتولوجية بين النازية وسياساتها، موضوعها الأساسي.
ونذكر هنا بالتحديد أفلاماً من الستينيات والسبعينيات مثل “الممتثل” لبرتولوتشي، و”بواب الليل” للينا فيرتمولر، و”سالو” لبيار باولو بادوليني… وغيرها. وكلها أفلام، لئن كانت ركزت على الفاشية الإيطالية، فإنها لم تكن بعيدة في جوهرها الفكري عن تلك التحليلات التي ستطاول لاحقاً النازية الألمانية والسيكولوجية الهتلرية، إنما في أفلام سوف يشتغل عليها السينمائيون الألمان أنفسهم، وتركز جميعها على خلفيات فكرية وتحليلية لا يمكنها أن تكون بعيدة من الأشغال التي انكب عليها لانغر، وها هو كتاب “العقل النازي” كما صاغه دانيال بيك، يقدم نوعاً من التوليف المركز لها، توليفاً يكشف جوانب من النازية ظلت مسكوتاً عنها في أبعادها التحليلية إنما متداولة في الفن والأدب عقوداً طويلة من السنين.
