سامي محمد، الذي رحل مساء الثلاثاء (11 آب/ أغسطس 2026)، عن عمر ناهز الثانية والثمانين عامًا، بعد انتكاسة صحية، ترك وراءه تجربةً راسخةً في تاريخ الفن التشكيلي الكويتي والعربي، وقد امتدت مسيرته منذ ستينيات القرن الماضي، أسهم خلالها في ترسيخ حضور النحت الكويتي، وفي تقديم صورة فنية عن الإنسان العربي وقضاياه وتحولاته.
وقد كان الراحل من جيل الفنانين الذين عاشوا مرحلة تشكّل الحركة التشكيلية الحديثة في الكويت، وشهدوا انتقال الفن من التجارب الفردية الأولى إلى حضور مؤسسي ومعارض محلية وعربية ودولية. غير أن قيمته تتجاوز موقعه التاريخي؛ فقد امتلك حساسيةً خاصةً تجاه الجسد، وصاغ عبره عالمًا من الوجوه المنهكة والأجساد المقيدة والأشكال التي تبدو كأنها خرجت من قلب مأساة إنسانية. لهذا يصعب النظر إلى أعماله باعتبارها مجرد منحوتات، فهي أقرب إلى شهادات صامتة عن زمن مضطرب، وإلى محاولة لحفظ الألم داخل مادة قادرة على مقاومة النسيان.
الطفل الذي اكتشف الطين
وُلد الفنان الراحل في الكويت عام 1943، في حي الصوابر بمنطقة شرق، ونشأ في بيئة شعبية متواضعة كان فيها العمل اليدوي جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية فيها. وكان والده خياطًا متخصصًا في صناعة البشوت وتطريزها، وهو ما جعل العلاقة المبكرة بين الطفل والمادة والحرفة ذات دلالة خاصة في قراءة بداياته.
في طفولته، وجد سامي محمد في الطين مادةً قريبةً من اليد وطيّعةً للتشكيل؛ فكان يصنع منه الطيور والحيوانات والأشكال التي تستدعيها مخيلته، ثم يقدمها إلى أصدقائه. وتبدو هذه الممارسة، في ظاهرها، لعبةً طفوليةً، غير أنها تكشف عن موهبة مُبكّرة أخذت تبحث عن علاقتها بالشكل والحجم والكتلة. ثم جاءت المدرسة لتوسّع مجال هذه الموهبة، حين شارك في تنفيذ مجسمات مرتبطة بأحداث سياسية وإنسانية، فبدأ يكتشف تدريجيًا أن المنحوتة قادرة على حمل موقف، وأن المادة تستطيع أن تتحول إلى وسيلة للتعبير عن حدث وذاكرة وتجربة إنسانية.
وتكتسب هذه البدايات أهميتها من كونها تكشف جذرًا ظل ممتدًا في أعماله اللاحقة: ارتباط اليد بالإنسان، والشكل بالذاكرة، والفن بما يجري خارج المرسم. فقد نشأت علاقته بالنحت من تماس مباشر مع المادة والحياة، ثم أخذت هذه العلاقة تتسع حتى صار الجسد الإنساني مركزًا تتقاطع حوله أسئلته الجمالية والإنسانية.
| في عام 1962 التحق سامي محمد بالمرسم الحر فنانًا متفرغًا |
في عام 1962 التحق سامي محمد بالمرسم الحر فنانًا متفرغًا، وكانت هذه الخطوة إحدى المحطات الحاسمة في مسيرته؛ إذ وفر له المرسم بيئةً فنيةً قائمةً على التجريب والتعلم ومجاورة فنانين آخرين، وأتاح له تحويل الموهبة الأولى إلى مشروع فني يستند إلى المعرفة والممارسة اليومية.
وفي تلك المرحلة تلقى تدريبًا على يد النحات المصري أنور السروجي، ثم حصل عام 1966 على منحة حكومية للدراسة في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. وهكذا انتقل من الخبرة العفوية إلى الدراسة الأكاديمية، ومن التعامل الأولي مع المادة إلى معرفة أعمق بالتشريح والبناء والحركة والنسب. ثم واصل تطوير تجربته في الولايات المتحدة الأميركية بين عامي 1974 و1976، حيث درس في معهد “جونسون أتيليه” التقني للنحت.
شكلت هذه الرحلات التعليمية جزءًا أساسيًا من تكوينه الفني، غير أنه حافظ على استقلال صوته؛ فاستوعب الخبرات التي اكتسبها في القاهرة والولايات المتحدة الأميركية، ثم أعاد صياغتها ضمن حساسيته الخاصة، حتى تشكلت لديه لغة تقوم على الجسد المشحون بالتوتر، وعلى الكتلة التي تحمل إحساسًا داخليًا بالحركة والألم.
من “الجوع” إلى “صبرا وشاتيلا”
تُعدّ منحوتة “الجوع”، من أبرز الأعمال التي تكشف مبكرًا عن طبيعة مشروع الفنان الراحل، وتعود إلى عام 1970، حيثُ تتجه مباشرةً نحو الإنسان المحروم من أبسط شروط الحياة، وتُقدّم الجسد في حالة من الهزال والانكشاف.
يحضر الجوع هنا كحالة جسدية تختزن دلالةً اجتماعيةً وإنسانيةً عميقةً؛ فعندما ينكمش الجسد تحت وطأة الحرمان، تتحول العظام والملامح إلى خطاب بصري، ويغدو الجسد شاهدًا على غياب العدالة، فيما تقف المنحوتة أمام المتلقي بوصفها وثيقةً صامتةً تختزن أثر المعاناة.
وقد كان اختيار سامي محمد للجسد في هذه الحالة شديد الدلالة؛ فهو يصوغ الجوع من خلال أثره المباشر في الإنسان، فيواجه المشاهد نتائج الحرمان مجسدةً في هيئة جسد أنهكه الألم، وهكذا يصبح الإنسان شاهدًا على ما أصابه، وتتحول الكتلة النحتية إلى أثر حيّ للمعاناة.
ومن هنا تتضح ملامح مبكرة لأسلوبه، القائم على تقليص المسافة بين الفن والحياة، وربط الجمال بالتجربة الإنسانية، وتحويل المادة الجامدة إلى جسد نابض بالإحساس، يحمل في صمته حكاية الإنسان ووجعه.
إذا كشفت منحوتة “الجوع” عن اهتمام الراحل بالإنسان المقهور، فإن منحوتة “صبرا وشاتيلا” توسّع هذا الاهتمام ليأخذ أفقًا أكثر شمولًا، فقد أنجزها سامي محمد في أعقاب مجزرة صبرا وشاتيلا، حيثُ غدت إحدى العلامات البارزة في تجربته، وارتبط اسمه بها على نطاق واسع.
في هذا العمل يتجاوز الجسد حدود الفرد، ليغدو ممثلًا لجماعة كاملة وحاملًا لذاكرة جمعية مثقلة بالألم. فالهيئة المصابة تختزن آثار المأساة، والقيود المحيطة بها تختصر إحساسًا بالقهر يتجاوز اللحظة التاريخية التي خرج منها العمل، ويحوّلها إلى صورة ممتدة للإنسان الواقع تحت وطأة العنف.
| (سامي محمد) |
وتنبع قوّة “صبرا وشاتيلا”، التي أنجزها سنة 1982، من قدرتها على اختزال المأساة في بناء بصري شديد التركيز؛ فالجسد وحده يحمل ثقل المشهد، والكتلة تستحضر الألم، والوضعية تجسد العجز، فيما يضاعف الفراغ المحيط بالشخصية إحساس العزلة والوحدة، وهكذا تتكلم المنحوتة عبر هيئة الجسد وصمته، وتترك للمتلقي مساحةً واسعةً لاستشعار حجم الفاجعة.
وهنا تتبلور إحدى أهم خصائص فن سامي محمد، ألا وهي تحويل الجسد الفردي إلى مساحة للذاكرة الجماعية؛ فالإنسان الواحد يستطيع حمل وجع مدينة، والكتلة الواحدة تستطيع استعادة مأساة شعب، وتتحول المنحوتة إلى شاهد بصري يحتفظ بذاكرة الألم ويعيد تقديمها في صورة إنسانية مكثفة.
تجاوز حدود المحلية
تجاوزت تجربة سامي محمد حدود البيئة الكويتية، وانفتحت على فضاءات عربية ودولية عبر مشاركات عديدة في المعارض والمحافل الفنية، وصولًا إلى مشاركته في “بينالي البندقية” الخامس والخمسين عام 2013، في محطة بارزة ضمن مسيرة الفن الكويتي الحديث. كما اقتنى متحف الفن الحديث في الدوحة عددًا من أعماله ضمن مجموعته، بما يعكس حضور تجربته في مؤسسات فنية خارج الكويت.
ويكشف هذا الانتقال من المرسم المحلي إلى الساحة الدولية عن قدرة أعماله على مخاطبة جمهور واسع؛ فالإنسان الذي يصوره سامي محمد يحمل ملامح بيئته وثقافته العربية، بينما تتجاوز مشاعره وأوجاعه حدود الجغرافيا، لتصل إلى التجربة الإنسانية في بعدها الأشمل. وقد أسهم حضوره في المحافل الدولية في وضع الفن الكويتي ضمن سياق تشكيلي أوسع، وإظهار قدرة التجربة الخليجية على إنتاج خطاب فني يتصل بقضايا الإنسان الكبرى، مع احتفاظه بجذوره الثقافية وخصوصيته البصرية.
وفي السنوات الأخيرة، برز اهتمام متجدد بإعادة قراءة أعمال سامي محمد وتقديمها إلى أجيال جديدة؛ فأقامت منصة الفن المعاصر في الكويت معرضًا استعاديًا لأعماله عام 2015، ثم جاء معرض “وجوه مختلفة” عام 2017، ومعرض “الرحيل” عام 2019. وتكتسب هذه المعارض أهميتها من كونها أعادت تقديم تجربته باعتبارها مشروعًا فنيًا متكاملًا، يتكشف عبر مراحله الزمنية عن تحولات الرؤية وتطور اللغة، إلى جانب ثوابت ظلت راسخةً في تجربته.
ويكتسب عنوان “الرحيل” دلالةً إضافيةً عند النظر إليه في ضوء المسار الكامل لتجربة الفنان؛ فقد ظل الرحيل حاضرًا في قاموسه البصري قبل أن يتحول إلى عنوان يستعيد سيرته الأخيرة. وتسللت موضوعات الموت والفقد والغياب إلى أعماله عبر الجسد والفراغ والوجوه، فأصبحت هذه العناصر حاملةً لآثار الغياب، ومجالات تتجسد فيها هشاشة الإنسان وقلقه أمام المصير.
حصل سامي محمد خلال مسيرته على جوائز وتكريمات عديدة، من بينها جائزة الدولة التشجيعية عام 1999، وجائزة الإبداع الفني من مؤسسة الفكر العربي عام 2010، ثم جائزة الدولة التقديرية عام 2015. وتمثل هذه الجوائز جانبًا من الاعتراف الرسمي والثقافي بمكانته، فيما ظل جوهر قيمته الفنية كامنًا في أعماله ذاتها؛ فالمنحوتة تظل الوثيقة الأعمق في مسيرة النحات، ومنها يتحدد موقعه في ذاكرة الفن.
“دار مريم”: أن يترك الفنان بيتًا لأعماله
في عام 2024 أسس سامي محمد “دار مريم” في الكويت، لتكون مكانًا لحفظ جانب من أعماله وعرضها، في خطوة تبدو امتدادًا طبيعيًا لرغبته في صون تجربته وإبقائها قريبةً من الجمهور والأجيال القادمة. فالفنان الذي أمضى حياته في تشكيل المادة أدرك في سنواته الأخيرة أهمية حماية الذاكرة الفنية نفسها، فالعمل يحتاج إلى فضاء يحتضنه، والذاكرة تحتاج إلى مكان تحتفظ فيه آثارها. ومن هنا تكتسب “دار مريم” قيمةً خاصةً في سيرته، فهي أشبه بفصل أخير صاغه الفنان بيده، وترك فيه جزءًا من عالمه داخل مكان يستطيع الزائر أن يدخله، ويتعرف إلى مسيرته من خلال أعماله.
يختصر الفنان الراحل، في إحدى العبارات المنسوبة إليه، رؤيته بقوله إنه يهب نفسه لقضية الإنسان، ذلك الكائن الصغير في حجمه والكبير في قدرته على الاحتمال والإبداع. وتضيء هذه الرؤية كثيرًا من أعماله، وتفسر حضور الإنسان فيها بوصفه مركزًا دائمًا؛ فالإنسان عنده يظهر بطلًا واقعيًا، يحمل آثار التجربة على جسده، ويواجه العالم بما يجتمع فيه من ضعف وقوة. ومن هنا اكتسبت أعماله صدقها؛ صدق الفنان الذي يقترب من الجرح من دون أن يحوله إلى مشهد استعراضي، ويقترب من المأساة مع احتفاظه بحس جمالي رفيع.
كان سامي محمد يدرك قدرة الفن على التعبير المكثف، وقدرته على اختزال المعاني الكبرى في هيئة واحدة، كما كان يرى في الجسد مساحةً قادرةً على حمل تاريخ كامل، واستعادة وجع الإنسان وذاكرته عبر لغة بصرية تتجاوز حدود اللحظة.