عزيزي

كنتُ قد اعتدتُ أن أكتبَ لك قبل سقوط النظام، وكنتَ تختار الإجابات الأكثر اختزالاً، أعرف أنك تتوق الآن مني للإجابات الأكثر طولاً. لا أستطيع الإجابة على أسئلتك بشكل كامل. تسألني عن وضع البلد بعد تحريره بشهرين، وها أنا أقول لك بأن البلد سعيد، كأنه يتنفّس من جديد. لا داعٍ لأن تعتذر عن كثرة الأسئلة، أحياناً حتى أنا الموجودة هنا لا أملك إجابات وافية عنها. حمص بخير، إلى حدّ كبير بخير، إلى حدّ ما بخير، لكن، وأنا لن أكذب عليك، نحن متعبون، وما زال لدينا بعض الحزن، وتماماً كما أجبتني ما زلنا نلملم جراحنا هنا وهناك.

20/2/2025

* * * * *

عزيزي

لا أستطيع أن أجيبك عن مصير ابن عمنا، لأننا لم نجد له أثراً في سجن صيدنايا الذي أخبرونا بوجوده فيه، لكن والدته ما زالت تحمل أملاً في عودته، بينما عمنا يعرف في صميمه أنه استشهد ويرجو فقط أن يجد رفاته ليصنع له قبراً ليزوره، لكن أخبرني، هل تَحدَّدَ موعد قدومك؟ فنحن بانتظارك. هناك الكثير من القادمين، وبعضهم أعجبهم الوضع هنا لدرجة أنهم قرروا الاستغناء عن حياتهم في الخارج والبقاء. صدّقني أنا مثلك لا أعرف إن كان هذا الخيار صائباً، أم أن عليهم الانتظار قليلاً ريثما تستقر الأمور أكثر. ونعم، هناك أمان إلى حدّ ما.

30/2/2025

* * * * *

عزيزي

نحن بخير ولا داع للقلق علينا. لأصدقكَ القول، الوضع متوتر جداً في المدينة، رأيتُ بالأمس شباناً بأسلحة خفيفة يركبون سيارات بيك آب ويتوجهون للساحل، الأخبار تبدو غائمة وهناك الكثير من الإشاعات والقصص، لا داع لأن تقلق نفسك ولا تعطِ أذنك لكل ما تسمعه. نعم أمي قلقة، وتبكي لأنها خائفة من حرب أهلية ومن دماء للركب. ونعم قد سمعتُ مثلك بأنّ الأمن العام منعوا شباناً غاضبين من اقتحام الأحياء ذات الغالبية العلوية. أرجو أن لا تقلق علينا لأنّ أمورنا حيدة، كنتُ أتوقع حدوث ذلك وأنا خائفة، آسفة على اضطرابي وعلى كلماتي غير المترابطة. لكن اسمع مني وتابع مني، وكما قلت لك لا تعطِ أذنك لكل ما تسمع.

8/3/2025

* * * * *

عزيزي

كل عام وأنت بخير، بانتظار صور حفلة عيد ميلادك. نحن جميعاً بخير ومشتاقون لرؤيتك ورؤية أطفالك. كل شيء يبدو مثالياً في المدينة ولكن الحقيقة ليست كذلك، ما حدثَ في الشهر الماضي تركَ ظلاله علينا، هناك حالات قتل متواترة وهناك احتقان وهناك خوف، الخوف ليس علينا لكن الخوف من انجرار المدينة إلى شيء دموي مقيت. لا أعلمُ إلى أين نمضي، لكني أعلمُ أنّ المدينة ملوثة بالدماء والآهات والأحزان. هي كذلك منذ سنوات، وهي مستمرة بذلك إلى الآن. أَبتسِمُ حين تقول لي إنني «سنية كيوت»، لكن أنت وأنا نعلم ما هي النتيجة في حال حصل حمام دم. سامحني إذا ضايقتك، لكن مصير المدينة ربما أن لا تعيش الفرحة كاملة.

2/4/2025

* * * * *

عزيزي

أنت تُحمِّلني مسؤولية كبيرة حين تسألني إن كان الوضع مناسباً للاستقرار هنا. الوضع الأمني جيد في أحيائنا، لكنه كارثي في الأحياء ذات الغالبية العلوية، هناك عندهم خطفٌ وقتل لكننا هنا نعيش بأمان. الوضع الاقتصادي بعد خمسة شهور من التحرير متذبذب، وهناك انخفاض حقيقي في الأسعار. أنت تعلم كل ذلك، وليتَ بالإمكان أن أقول لك إن بيتك في حيّ جورة الشياح ينتظرك، لأنه كما تعلم أيضاً فإن الحي مدمّر بالكامل. لكن بيوتنا وقلوبنا مفتوحة لكم، الطرقات تغصُّ بالسيارات، بإمكاني القول بأننا نعيش بألطاف الله. أحياناً أفكر كيف نعيش حقاً، وأنا لست متشائمة على العكس، واعذرني إذا جعلتك تشعر هكذا.

6/5/2025

* * * * *

عزيزي

المعذرة لأني تأخرت بالرد عليك لكن الانترنت انقطع لساعات. أمورنا بخير والكلُّ يرسل سلامه لك. لست َالوحيد الذي لم ينزل إلى سوريا بعد، فهناك كثيرون ينتظرون. أتفهَّمُ حماسك تماماً، نحن أيضا متحمسون لقدومك. نعم هناك كثيرون عادوا للمدينة واستقروا بها ممّن كانوا مُهجّرين إلى الشمال، الماضي برمته يعود، والماضي هنا أقصد به الناس الذي حسبنا أننا لن نلتقي بهم أبداً، وهذا أيضا يفتح بعض الجروح، لكن دعك من الجروح ولتطمئن فلم يَعُد يوجد خوف الآن، ولم يَعُد يوجد اعتقال ولا قذائف ولا صواريخ ولا إطلاق رصاص اللّهم إلا عند المناسبات السعيدة، مثل العراضات الحمصية التي تقام لكل مُهجَّر عائد. ولتطمئن أيضاً، لأننا نُعِدّ لك عراضة حمصية حينما تأتي إلينا.

7/7/2025

* * * * *

عزيزي

بالنسبة لسؤالك الأخير، فهو يبدو صعباً. إذا كنت تقصد أنك تبحث عن مشروع تفيد به البلد وتعتاش منه، فالأفضل أن تشتغل بشهادتك كطبيب، الأطباء هنا قليلون جداً، لكنك أَعلَمُ مني بذلك. المنظمات والجمعيات الآن في حالة تخبُّط، وأصحاب المشاريع ينتظرون ما سيحصل بخصوص سعر الليرة. كثير من الأمور مازالت غائمة هنا، ورغم أن الكل يعاني فإنّ التفاؤل هو الغالب.

26/9/2025

* * * * *

عزيزي

حين أمشي في شوارع المدينة أرى المُنقَّبة والتي ترتدي إسدالاً وأرى غير المُحجَّبة، هذا هو التنوع الذي لازمَ المدينة منذ وعيتُ عليها، لا أعلم لماذا يريدنا البعض أن نكون نسخة واحدة، وإياك أن تهزأ بي وتقول لي مجدداً بأني «سنية كيوت». هناك الكثير من الفعاليات التي تحدث في المدينة، مثل السينما والمحاضرات المتنوعة وغيرها. أعلمُ أنك تذكر المسرحية التي حضرناها لكفاح الخوص قبل سنوات طويلة في المركز الثقافي، أَعدُكَ حين تأتي سأجعلك تحضر شيئاً جميلاً مثلها. ونعم حالنا على حاله، الوضع الاقتصادي سيء وهناك أمانٌ في أحيائنا وخطف وقتل في الأحياء ذات الغالبية العلوية، لكن حالات القتل تمتد أحياناً أيضاً إلى وسط المدينة، ويكونون من السُنَّة. تسألُ عن التفاصيل، فيقولون لك إنه كان من رجالات النظام السابق. ولا لن أسمح لك بشراء سلاح حينما تأتي، ولا أريد أن تتركه عندنا! حمايتنا تكون بغير ذلك، بصراحة لا أعرف كيف تكون، نحن بحمى الله وألطافه.

7/11/2025

* * * * *

عزيزي

مضى بعض الوقت من دون أسمع منك، نحن متلهفون لرؤيتك، وإن كنتَ تسألُ عن أحوالنا فنحن جميعاً بخير، لكن بما أننا لم نرك منذ 13 عاماً، قد تتفاجأ قليلاً بأشكالنا التي تغيرت. أُصدِّقُكَ حين تقول إن أشكالنا حينما تتحدث معنا تبدو أنها ذاتها، لكن الحديث عبر الفيديو لا ينقل الصورة الكاملة كما هي. ربما سترانا وقد تَشعَّثنا قليلاً، أو كبرنا قليلاً، لكننا كبرنا وهذه حقيقةٌ لن نهرب منها. واعذرني حين أقول بأن ما مررنا به تحت سلطة النظام جعلنا نتغير، لذا سترى بعض الشيب وبعض التجاعيد وبعض الوزن الزائد أو الناقص، وإن كان كل ذلك لم يُغيِّر من جوهرنا شيء.

2/1/2026

* * * * *

عزيزي

نحن نتراسل بكثافة منذ بداية سقوط النظام، والآن بعد مضي ما يقارب سنة ونصف، اسمح لي أن أقول لك بأن المدينة متعبة وملوثة بالدماء كما ذكرت لك سابقاً، هناك قسم منها يحلم بمغادرتها اليوم قبل الغد، وهناك قسم آخر يحلم بالاستقرار بها للأبد، وهناك أمثالنا الذين نقضي فيها كل يوم بيوم ونحن خائفون من الغد. نعم كما قلتَ، الشوارع ملأى بالناس والزائرين. لا نريد أي شيء منك، فقط أحضر نفسك وعائلتك هنا، وقد أَمونُ عليك وأسألك ألّا تقول إن الناس هنا سعداء أكثر منكم، لكُلٍّ حزنه وسعادته. عندما تزورنا سنسافر جميعاً إلى مشتى الحلو وإلى البحر، لم يرَ والداك البحر منذ أكثر من 15 عشر عاماً. لا تجلب لنا شيئاً، دعنا فقط نستأنس بوجودكم إلى جانبنا.

2/4/2026

* * * * *

عزيزي

أنا لستُ على ما يرام هذه الفترة، والضغوط أحياناً تكون فوق طاقتي، لا ترسل لي مالاً، ليست هذه مشكلتي، ثم إنك لم تُقصِّر معنا طيلة السنوات الماضية. أعلمُ كم أنّ هذا كان عبئاً عليك، وأنكَ كنتَ تقتسم من لقمة أطفالك كي ترسل لنا، تكفي لهفتك تلك. من الرائع أنّ أصدقائك القدامى يتواصلون معك ويعَدونكَ بمنصب جيد في وزارة الصحة إن عُدت، لكن هل تفكر حقاً بترك مكانك والاستقرار هنا؟ أنا لا أعلم الكثير عن الأحوال الجديدة في وظائف الدولة، ومبتهجة لأنك سعيد بالمنصب الذي عرضوه عليك، وأشكرك لأنك تسعى لي بوظيفة حكومية من خلال أصدقائك، يبدو الأمر مربكاً، لكني شاكرة لك.

6/5/2026

* * * * *

عزيزي

ستزورنا بعد يومين إذن، لا أعلم ما هو شعورك لكني أَعُدُّ الوقت بالساعات. الوظيفة التي ساعدتَ في تأمينها لي جيدة، رغم أنها ليست وظيفة الأحلام، ورغم أنها ليستَ في صميم اختصاصي، لكن أخبرني لِمَ أَشعرُ بغصّة هائلة في صدري. لم أتوقع أن أشتغل بالتزكية في يوم من الأيام، ولستُ أدّعي المثالية كما تقول، لكني ربما سرقتُ شيئاً ليس لي كما قلت. نعم أعلم أنك لا توافقني بالرأي، لكني أشعر أني سرقت شيئاً ليس لي.

11/6/2026

* * * * *

عزيزي

ها أنت قدمتَ أنت وأسرتك أخيراً. أكاد أبكي حين أرى الفرحة في عيونك، لكن لا أعلم لو أني سأكون قاسية إن أخبرتك أنّ هذه السعادة يمكن ألّا تدوم. لم أخبركَ بعد أني تركتُ الوظيفة، أعلم أنه ليس مكاني.. عزيزي أعلم أنك ثملٌ بالسعادة بيننا، وصدقني نحن كذلك، تبدون جميعاً بصحة جيدة، ونبدو نحن رثّين إلى جانبكم، واعذُر حساسيتي هذه. أَعلمُ أنك ستحزن حين تقرأ هذه الكلمات، لكني صدقني حين أقول لك بأني سعيدة بمجيئكم. غير أن حلمي الآن باتَ أن أغادر حمص وسوريا، ولا تسألني عن السبب، لكن تلك أمنيتي، لا أريد أن أُحبِطَك، لكن دعني أخبرك، وأعلم أنك ستقرأ رسالتي متأخراً، بأني أُجهِّزُ للسفر إلى الخليج. أعلمُ أنك تعلمُ أني كنتُ من أشد المعارضين للسفر، لكني بحاجة للابتعاد عن هذا المكان، فهو باتَ مليئاً بالألم والذكريات، وقلبي لم يعد يتّسعُ له. شكراً لكل ما َقدَّمته لنا. لا تأخذك البهجة سريعاً، وتمهَّلْ قبل أن تأخذ أي قرار، لأن كل شيء ليس دائماً كما يبدو عليه.

14/6/2026

المخلصة لك دائماً

منى