ملخص
تتناول المقالة الأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسية للحلف الثلاثي الوليد الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، مؤكدة أن عضوية الأحلاف لم تعد تلغي الشخصية المستقلة للدول، بل توفر مرونة وتوازناً بين عناصر القوة والسيادة. ويستعرض التقرير المقومات الاستثنائية لأطراف الحلف، بدءاً من الثقل الاقتصادي والروحي للسعودية، والموقع الجغرافي والقدرات العسكرية والنفعية لتركيا، وصولاً إلى الردع النووي الباكستاني، مؤكداً أن هذا التكتل الإسلامي المعتدل يحظى بترحيب دولي وإقليمي لأنه قوة ترعى السلام والاستقرار ولا تستهدف أحداً، مما يفتح الباب مستقبلاً لترسيخ التعاون التنموي وحلحلة أزمات المنطقة.
تعتمد الأوضاع الجديدة في الشرق الأوسط وغرب آسيا على ركيزتين كبيرتين هما الأحلاف والسياسات، إذ إن هناك مواقف ثابتة وتوجهات موروثة تتحكم إلى حد كبير في سياسات المنطقة، والكل يدرك أن الأحلاف مفيدة وضارة في الوقت ذاته، مفيدة لأنها تعطي إحساساً بالمساندة والدعم واعتبار الدولة العضو في الحلف ذات عزوة ولديها رصيد إضافي يسمح لها بمرونة الحركة وإيجاد بدائل مختلفة للقرارات الكبرى ذات التأثير في مسار الأحداث، وهي بذلك تعطي إحساساً متزايداً بالثقة وربما الشعور بالأمان أيضاً.
لكن يعيب عضوية حلف معين وجود حدود للمواقف وسقوف للحركة الشاملة لدى الدولة العضو، إذ يمثل الحلف سياجاً قد يضعها أحياناً داخل أسوار السياسات العامة لمصلحة مواقف دول الحلف، وبين الأمرين معاً تكون هناك عناصر القوة ونقاط الضعف وقد يبدو الهامش أحياناً آخذاً في الاتساع تحت مظلة التطورات الجديدة للأحلاف القائمة، فلم يعُد التطابق الكامل في السياسات شرطاً لعضوية حلف معين، كما لم يعُد الالتزام صارماً بمواقف ثابتة تتبناها الدول الأعضاء، بل أصبحنا بصدد تفاعلات جديدة تعطي هامشاً متزايداً للحركة التي تتمتع بها الدولة العضو بما لا يتعارض مع الثوابت الأساسية والمواقف المبدئية لباقي الأطراف.
داخل الـ”ناتو” درجات وألوان من الخصوصية والتميز الذي لا غبار عليه، فضلاً عن الاختلافات التي نشأت تجاه الحرب على عراق صدام، على سبيل المثال، والمواقف المتضاربة التي اختلف حولها الحلفاء خلال تلك الفترة، كما أننا نثمن كثيراً النزعة الاستقلالية التي تنفرد بها فرنسا أحياناً في مواقف أكثر اعتدالاً تجاه القضايا الحدية التي يتبناها الأطلسي في ما لا يخرج عن إطار فلسفة الدولة الغربية ونسقها الأيديولوجي.
ولماذا نذهب بعيداً؟! حتى ألمانيا التي كانت معروفة بولائها التالي للمملكة المتحدة في ما يتصل بالعلاقات مع واشنطن سمحت لنفسها أخيراً بالخروج عن النص، عندما انتقد المستشار الألماني بعض التوجهات الانفعالية للإدارة الأميركية خلال ولاية ترمب الثانية، وهكذا يبدو الأمر جلياً، أما الأحلاف الدولية، فلم تعُد صناديق مغلقة تعتصم بداخلها الدول الصغرى خلف مواقف الدول الأكبر وزناً والأكثر تأثيراً، فالاستقلال النسبي لبعض السياسات الفرنسية يرجع الفضل فيه إلى الزعيم العملاق مظهراً وجوهراً الجنرال شارل ديغول منقذ فرنسا مرتين، الأولى في مواجهة النازي أثناء الحرب العالمية الثانية، والأخرى بإنقاذها أيضاً من مستنقع الدماء الذي تورطت فيه ضد ثوار الجزائر حتى نالت الاستقلال.
أقول ذلك كله لتأكيد أن عضوية حلف ما ليست نهاية الشخصية المستقلة للدولة ولا هي بالضرورة قيد على حركتها إلى الأمام، فما أكثر ما رأيت من دول تتخذ مواقف استقلالية بدوافع من تاريخها وتراثها مثلما هو الأمر بالنسبة إلى تركيا تجاه القضية الفلسطينية وسياسات إسرائيل العدوانية، على رغم أن تركيا كما هو معروف دولة مؤثرة وعضو فاعل في سياسات الـ”ناتو” ولديها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية التي هي بدورها الداعم الأول والحليف الأكبر لإسرائيل، ولا شك في أن انتقادات نتنياهو لسياسة أردوغان هي خير دليل على ما ذهبنا إليه، ويهمني هنا أن أطرح الأمر بالقياس على الحلف الثلاثي الوليد بين الدول الإسلامية الثلاث السعودية وتركيا وباكستان، ونطرح هنا الملاحظات التالية:
أولاً، إن الحلف الثلاثي الوليد الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان هو حلف بين دول ثلاث إسلامية، فالسعودية تضم مهبط الوحي ومنزل الرسالة المحمدية ولها ثقل سياسي واقتصادي بارز لا على مستوى الإقليم وحسب أو بين دول الخليج والدول العربية فقط ولكن على المستوى العالمي أيضاً. أما الجمهورية التركية، فهي وريثة الدولة العثمانية صاحبة آخر خلافة إسلامية، أما باكستان فإن مبرر قيامها كدولة بعد تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 بين دولتي الهند ذات الغالبية الهندوسية وباكستان ذات الغالبية المسلمة تشير إلى الدور الإسلامي لتلك الدولة الآسيوية التي تحتل موقعاً شديد الحساسية في وسط آسيا وعلى الحدود مع الجارتين الكبيرتين الصين والهند، لذلك فإن الخصائص التي تتمتع بها الدول الثلاث تعطي شعوراً بالتجانس العقائدي الذي لا يعرف التعصب الديني ولا يستهدف شعباً بذاته أو أمة بالتحديد، على رغم أن لكل دولة في النهاية أجندة خاصة وأوليات تنفرد بها.
ثانياً، إن الأمر اللافت في خضم المواجهة الإيرانية- الأميركية هو أن باكستان الجارة لإيران تملك سلاحاً نووياً لتحقيق الردع وإحداث التوازن أمام دولة الهند، ولذلك فإن الحلف الثلاثي الجديد يضم بين أعضائه دولة تملك القنبلة النووية الإسلامية، في ظل أزمة الشك المعاصر والثقة المفقودة والخوف المتزايد من حيازة بعض الدول لذلك السلاح الفتاك، ما لم تكُن لدى أصحابها ضمانات تؤكد الحرص المشترك والحذر الشديد للتعامل في هذا الإطار، ويهمني هنا أن أشير إلى أن العلاقات السعودية- الباكستانية تذهب بعيداً منذ سنوات ميلاد فكرة دولة إسلامية في شبه القارة الهندية، لذلك اتسمت دائماً العلاقات بين السعودية وباكستان بروح التضامن والدعم المتبادل في كثير من الظروف والمواقف الدولية والإقليمية.
ثالثاً، لا نتحدث عن السعودية بانحياز أو مبالغة ولكننا نزعم أنها أصبحت دولة ذات ثقل كبير على امتداد خريطة العالم المعاصر من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن الثقل الروحي الذي تتمتع به في أنحاء العالم الإسلامي، ولذلك نرى أن المقومات المتميزة لكل دولة على حدة تعطي إحساساً بالثقل النسبي والأهمية الجيوسياسية، كما أن الدول الثلاث تتمتع بعلاقات طيبة مع الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا الغربية فضلاً عن الصين، وربما يكون الاستثناء الوحيد متصلاً بالعلاقات الباكستانية- الهندية والصراع التاريخي بينهما على إقليم كشمير، واضعين في الاعتبار التقارب الشديد حالياً بين نيودلهي وتل أبيب.
رابعاً، إن الجمهورية التركية رقم صعب في غرب آسيا وحوض البحر المتوسط متاخمة للجوار العربي، خصوصاً سوريا والعراق، ولعل ذلك التشابك يعطي التحالف مفهوماً تنموياً فلا يقف عند المزايا السياسية والعسكرية وحدها ولكنه يعطي وزناً للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي، كما أن الجيش التركي يتمتع بخبرات نظامية وتقنية مكتسبة من تاريخ طويل في الصراعات الإقليمية وحروب البلقان والميراث الثقيل للإمبراطورية العثمانية.
خامساً، لقد استقبلت الدول المختلفة اتفاق التعامل الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان بترحيب عام وقبول متوقع، باستثناء إسرائيل التي يصعب إرضاؤها بسبب سياساتها العدوانية التوسعية والعنصرية، وكان ترحيب واشنطن بل طهران أيضاً بمثابة تأكيد على أن الدول الثلاث لا تستهدف بلداً بذاته ولا تسعى إلى المواجهة من دون مبرر، فهي قوة تمضي تحت مظلة السلام والاستقرار والأمن في إطار القانون الدولي والشرعية التي ارتضتها شعوب العالم بأسره في ميثاق الأمم المتحدة الذي يشجع على التعاون الدولي والإخاء بين الأمم.
بقي أن نشير هنا بعد هذا العرض الموجز إلى الاحتمالات المقبلة، إذ يظل الانضمام إلى هذا الحلف ممكناً إذا اتفقت إرادة الدول الثلاث على دعوة أطراف أخرى تؤمن بالمبادئ المشتركة والأفكار المتقاربة للأطراف المشاركين فيه، فضلاً عن الالتزام الكامل بأهداف شعوب المنطقة بل شعوب العالم بأسره، الساعية إلى نبذ الحروب وتسوية النزاعات المسلحة بالطرق السلمية والبعد من التعصب الديني والتطرف الفكري والتصرفات أحادية الجانب. ولقد رحبت الدول العربية بهذا التطور الذي يمكن أن يكون بمثابة بداية عصر جديد للمنطقة ودولها ويسهم إيجاباً في تسوية المشكلات العالقة، بدءاً من مشكلة الشرق الأوسط، مروراً بقضية كشمير ووصولاً إلى إحداث حال مختلفة، ويكفي أن نتذكر بأن إيران رحبت هي الأخرى بهذا التجمع الثلاثي الجديد.
