الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021

 المصدر: النهار العربي
الخرطوم – وائل محمد الحسن
من تظاهرات السودان ضد العسكر. أ ف ب
مع ازدياد المشهد السياسي السوداني تعقيداً، تتجه الأنظار إلى الصيغة التي ستخرج بها القوى المؤثرة لمنع الانهيار الشامل في ظل غليان الشارع والانقسام السياسي. ولعلّ أبرز ما يدور في الأروقة الداخلية والخارجية يتعلق بمصير عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الذي أطاح به الانقلاب، في ظل مطالبات مدنية بعودته كمفتاح رئيسي لحلّ الأزمة.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر لـ”النهار العربي” أن ثمة خلافاً داخل المكوّن العسكري حول فرضية عودة حمدوك من جديد لقيادة المشهد السياسي. فهناك جناح يرى أهمية عودة رئيس الوزراء، ويقود هذا الرأي قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، فيما يرى جناح آخر أن حمدوك أصبح من الماضي وأنه يجب اختيار رئيس وزراء جديد.
يُعتبر حمدوك لدى قطاع عريض في الشارع السوداني أيقونة المدنية والتحول الديموقراطي وأهمية عودته تكمن في نزع فتيل الأزمة، فهل هناك إمكان لعودته في ظل تصاعد الأوضاع وسقوط هذا العدد الكبير من القتلى؟
القيادي في حركة “العدل والمساواة” الدكتور محمد زكريا، وهو كذلك قيادي في “قوى الحرية والتغيير”، جناح الميثاق الوطني، يرى أن “عودة الدكتور حمدوك تعتمد على توافق واصطفاف المكوّنات السياسية، وفق الشرط الذي أعلنه هو في موقفه الأخير. الكرة الآن في ملعب “قوى الحرية والتغيير” بجناحيها إضافة إلى القوى الشبابية الحيّة للثورة على خريطة طريق يعود حمدوك بموجبها”.
وأشار زكريا الى أن “الانتقال المدني الديموقراطي هو إجراءات وليس أشخاصاً، فإن تعذرت عودة حمدوك يجب ألا يكون ذلك سبباً لانتكاسة في التحول الديموقراطي، بل على القوى السياسية البحث عن خيارات يمكن أن يتحقق الإجماع حولها ويمكن أن تدير دفة الفترة الانتقالية مع ضرورة أن يعطى الدكتور عبدالله حمدوك الأولوية”.
ويرى المحلل السياسي يوسف سراج الدين أن “ما يحدث الآن هو شراء للوقت من دون أن يكون هناك أي تقدم، وقد يكون الحوار مخرجاً للمساءلة حول الأحداث الأخيرة رغم بروز صوت قوي جداً في الشارع الآن يرفض التفاوض أو العودة للشراكة مع العسكر الذين يتعاملون بردود الأفعال”.
وعن المخرج من الاحتقان السياسي الراهن، يرى زكريا انه “يجب أن يكون هناك حوار شفاف بين القوى السياسية لا يستثني أياً من المكونات التي انتجت الثورة ويجب ألا يُستثنى المكون العسكري، حيث يهدف الحوار لتطوير الشراكة بين المكونات والعودة إلى الوثيقة الدستورية”.
وكان المشهد السياسي المتوتر في السودان ازداد تعقيداً، عقب الأحداث التي صاحبت التظاهرات الاحتجاجية التي دعت إليها القوى السياسية وتجمع المهنيين ولجان المقاومة أخيراً، حيث تعرض المتظاهرون لقمع شديد من الأجهزة الأمنية سقط على إثره عدد من الضحايا بلغ بحسب لجنة الأطباء المركزية 15 قتيلاً إضافة إلى عشرات الجرحى الذين أصيبوا بالرصاص الحي، في يوم يعتبر الأكثر دموية منذ قرارات 25 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. وطالب المتظاهرون بالعودة إلى الحكم المدني والديموقراطي، وإنهاء حالة الطوارئ بعدما أقال البرهان مجلسي السيادة والوزراء وألغى مهماتهما.
مواجهات دموية
وتنصلت الشرطة السودانية في مؤتمر صحافي عقدته أمس الخميس من قتل المتظاهرين، وقالت إن قواتها لم تكن مسلحة سوى بالهراوات والغاز المسيل للدموع و”تعاملت بمنتهى ضبط النفس مع المحتجين”، مشيرة إلى وجود قوات أمنية أخرى كانت تتصرف “بحسب ما يفرضه قانون الطوارئ”.
الكاتب الصحافي بشير اربجي رأى في حديث لـ”النهار العربي” عن الحوادث الأخيرة، أن “ما ارتكبه الانقلابيون بعد إغلاقهم كل المرافق ووقف الاتصالات السلكية واللاسلكية هو جريمة”. وأشار الى أن “ممارسات نظام عمر البشير المخلوع عادت هي نفسها، من منع سيارات الإسعاف من نقل المصابين ومطاردتهم داخل المستشفيات، ما يؤكد أن الميليشيا وقوات الانقلابيين هي نفسها وهي من كانت تفعل ذلك سابقاً”.
ورأى أن “هذه التصرفات الغبية والرعناء ستزيد من الغبن والغضب فى نفوس أبناء الشعب السوداني وثواره ولن تخيفهم أو تجعلهم يتراجعون ويقبلون بحكومة الأمر الواقع التي يحاول فرضها قائد الانقلاب ومجموعته، وستجعل الشعب أكثر تمسكاً بحكومة رئيس الوزراء الشرعي عبدالله حمدوك من أجل سلامة أرواحه وموارده، وستعمل جماهير الشعب على إعادتها لإكمال الطريق الى الحكم المدني الانتقالي”.
من جهته، يرى سراج الدين “أن المجموعة الانقلابية بقيادة البرهان ليست لديها رؤية واضحة لسيناريو محدد للمضي به إلى النهاية والدليل على ذلك التأخر حتى الآن في تشكيل الحكومة، كذلك يبدو أنهم لم يكونوا متحسبين لردة الفعل القوية للمجتمع الدولي على الانقلاب العسكري. أما التعامل الذي تم مع مليونية 13 تشرين الثاني (نوفمبر)، فهو محاولة لإسكات الشارع ومن ثم التعاطي مع الخارج، ولكن يبدو أن النتيجة السياسية ارتدت عليهم سلباً ووضعوا في خانة التبرير”.
وأكد سراج أن “الانقلابيين سيعيدون لا محالة ترتيب وضعهم حول شكل التعاطي مع الشارع، والذي يبدو أنه عمّق الهوة في وضع متأزم أساساً، وبالتالي هذا التخبط والارتباك يعني أن كل شيء متوقع في ظل عدم وجود ضمانات ومساءلة، وسيستمر الهروب إلى الأمام ويزداد الوضع سوءاً، وخصوصاً أن الأحزاب السياسية الداعمة للانقلاب لن تستطيع الاستمرار في تغطية القمع الوحشي للمتظاهرين”.
ويتوقع سراج أن تمارس الأوساط السياسية المتحالفة مع العسكر ضغوطاً للحد من هذه الأوضاع “لأن تكلفة ما يحدث مرتفعة سياسياً، كما تابعنا من خلال تصريحات مالك عقار وقيادات الجبهة الثورية التي تحاول أن تضغط من الداخل، وليس مستبعداً أن تحصل تحركات مضادة من داخل المؤسسة العسكرية على رغم سيطرة قيادات الأجهزة الأمنية على مؤسساتهم بيد من حديد، ولكن مع استمرار القمع والقتل قد يحدث تمرد أو مخالفات للأوامر كما حدث إبان ثورة كانون الأول (ديسمبر) وقبيل سقوط الإنقاذ”.
 
عودة الإنترنت
انعزل المجتمع السوداني عن العالم منذ 25 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي عقب قرارات الفريق البرهان بقطع الإنترنت عن شبكات الهاتف المحمول مع قطع للاتصال لفترات متقطعة، وذهب مراقبون الى أن هدف قطع الإنترنت هو التعتيم على الانتهاكات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ضد المحتجين الذين خرجوا مناهضين للانقلاب ووجهوا بقمع شديد، حيث كانت مواقع التواصل الاجتماعي أحد أهم أسلحة المنتفضين لتوثيق انتهاكات الآلة الأمنية القمعية للنظام السابق.
تحركت منظمات عدة للمجتمع المدني للضغط من أجل إعادة الإنترنت، وعلى رأسها منظمة حماية المستهلك التي رفعت دعوى قضائية ضد شركات الاتصالات قضت فيها المحكمة بالعودة الفورية للإنترنت، رغم الاستئناف وإلقاء القبض على المديرين التنفيذيين للاتصالات.
قرار عودة الإنترنت في اليوم التالي لقمع التظاهرات الاحتجاجية كان مفاجئاً للشارع السوداني من دون أن يجد إجابة عن السؤال المحوري حول أسباب هذا التوقيت.
مصادر كشفت لـ”النهار العربي” أن عودة الإنترنت لم تأتِ استجابة لقرار المحكمة وإنما نتيجة قرار من الهيئة القومية للاتصالات، وهي الجهة المشرفة على قطاع الاتصالات في السودان، وأنه من الممكن أن تأتي الأوامر بقطعه من جديد في أي وقت.