علاء المفرجي… جريدة المدى
لم تعد اللوحة اليوم تقف وحيدة في المشهد التشكيلي كما كانت طوال عقود طويلة، حين كانت تمثل الشكل الأكثر حضوراً وتداولاً في التعبير البصري، وتحتل موقعاً مركزياً في المعارض والمتاحف والغاليريات وذاكرة المتلقي. فقد تغير العالم من حولها بصورة هائلة، وتغيرت معه طرائق إنتاج الصورة وتلقيها، حتى بات الإنسان يعيش وسط سيل متواصل من الصور التي تنتجها الكاميرات والهواتف والشاشات والمنصات الرقمية، إلى جانب الفيديو وفنون الأداء والتركيب وفنون الوسائط المتعددة والفن الرقمي والذكاء الاصطناعي.
لقد فرضت التكنولوجيا، خلال العقود الأخيرة، واقعاً بصرياً جديداً لم يعد فيه الفنان مضطراً إلى التعامل مع القماش واللون والفرشاة بوصفها أدواته الوحيدة. بات بإمكانه أن يصنع عملاً فنياً من الضوء أو الحركة أو الصوت أو الصورة المتحركة، وأن يوظف البرمجيات والواقع الافتراضي والتقنيات التفاعلية في بناء تجربة جمالية تتجاوز الحدود التقليدية للعمل التشكيلي. وفي المقابل، أصبحت الصورة الرقمية أكثر سرعة وانتشاراً وقدرة على الوصول إلى جمهور واسع، فيما أخذت المنصات الإلكترونية تلعب دوراً متزايداً في تعريف الجمهور بالفنان وأعماله.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن اللوحة فقدت مكانتها. فما زالت اللوحة، رغم كل المنافسة التقنية، حاضرة في المعارض الكبرى، وما زال الفنانون يعودون إلى سطحها بحثاً عن علاقة مباشرة وحميمة بين اليد واللون والمادة. وربما تكمن قوة اللوحة في تحديداً في هذا الجانب المادي الذي تفتقده الصورة الرقمية؛ فاللوحة يمكن أن تُرى بوصفها أثراً وحضوراً مادياً، تحمل ملمس اللون وآثار اليد والزمن، وتتيح للمتلقي علاقة مختلفة عن علاقته بالصورة التي تمر أمامه على شاشة ثم تختفي.
ومن هنا يبدو السؤال أكثر تعقيداً من مجرد المفاضلة بين اللوحة والصورة الرقمية. فهل نحن أمام أفول تدريجي للوحة أم أمام تحول في وظيفتها ومكانتها؟ وهل تستطيع اللوحة أن تحتفظ بخصوصيتها الجمالية في عالم أصبحت فيه الصورة متاحة بكثافة غير مسبوقة؟ وهل أدت الوسائط الجديدة إلى تهديد الفن التشكيلي التقليدي، أم أنها وسعت مفهوم الفن وفتحت أمام الفنان إمكانات لم تكن متاحة من قبل؟ ثم ماذا عن المتلقي العراقي تحديداً؟ هل تغيرت ذائقته البصرية أمام هذا الانفتاح التقني الهائل، أم أن اللوحة ما زالت تمتلك حضورها وتأثيرها؟
ولعل الأهم من ذلك كله هو معرفة كيف ينظر الفنانون والنقاد والمهتمون بالفن التشكيلي إلى مستقبل اللوحة: هل ستبقى في مركز التجربة الفنية، أم ستتحول إلى وسيط من بين وسائط عديدة؟ وهل يمكن أن تتعايش اللوحة مع الفيديو والفن الرقمي والوسائط الجديدة، بحيث لا يكون الأمر صراعاً بين القديم والجديد، بل حواراً بين أشكال متعددة من التعبير البصري؟
وفي العراق تحديداً، يطرح هذا التحول أسئلة متعددة حول مستقبل اللوحة ومكانتها. فهل ما زال الفنان الشاب يرى في اللوحة وسيطاً قادراً على التعبير عن أسئلة عصره؟ أم أن الوسائط الجديدة أصبحت أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يعيشها الإنسان العراقي؟ وهل يمثل اللجوء إلى التكنولوجيا تطوراً طبيعياً في لغة الفن، أم أنه قد يؤدي أحياناً إلى إضعاف العلاقة الحميمة بين الفنان والعمل التي ظلت اللوحة توفرها؟ ثم ماذا عن المتلقي نفسه؟ هل تغيرت ذائقته تحت تأثير التدفق الهائل للصور عبر الهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي، بحيث أصبح أكثر ميلاً إلى الصورة السريعة والمتحركة، وأقل استعداداً للتأمل أمام لوحة تحتاج إلى وقت كي تُقرأ؟
في هذا الاستطلاع، نحاول الاقتراب من هذه الأسئلة من خلال آراء عدد من الفنانين والنقاد والمتخصصين، بحثاً عن إجابة لا تتوقف عند ثنائية «اللوحة أم التكنولوجيا»، وإنما تتأمل التحولات العميقة التي يشهدها الفن التشكيلي، وموقع اللوحة في المشهد البصري الراهن، ومستقبلها في زمن أصبحت فيه الصورة جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية.
جواد الزيدي: اللوحة ليست صناعة خالصة، بل فيها من روح الفنان وعقله الكثير
أعتقد أن الفن الحقيقي المرتبط بقضايا الناس والمجتمع ما يزال بريقه وأثره حاضراً بفعل إقترانه بالوعي والضمير الإنساني، ولذلك مهما تقدمت التقنية وتمظهرت الصورة الرقمية بوصفها بديلاً، فأن المنجز البشري يتقدم عليها خصوصاً في حقل الفنون. ومن خلال حركة أسواق التشكيل واللوحة المرسومة وأسعارها العالية والإقبال على الأعمال الأصلية يمنحنا إنطباعاً بأن أثرها باق حتى هذه اللحظة، إذا ما عرفنا أن البحث عن اللوحات القديمة يزداد كلما تقدم الزمن، فضلاً عن كونها وثيقة تحاكم الحدث وتتهكم أحياناً من المعطيات السياسية والبنى الإجتماعية وسخريتها مما وصل إليه الإنسان. أن أثر التكنولوجياً قد يكون مهماً في الجانب الإيجابي من خلال تعديل بعض السمات التي يحتاجها الفنان، لكن الصياغات الموضوعية والتقنيات والخامات هي إجتراحه الخاص ومكمن الإبداع ولا يمكن التخلي عنها. نعم يرتبط الفن بالتطورات العلمية من خلال الإتجاهات والمدارس الفنية التي يعتمد بعضها على التكنولوجيا ضمن حقب متعاقبة، بيد أن هذا التوجه لا يُلغي أثر الهواجس والتطلعات الذاتية للفنان نفسه في ضوء درجة تعاطيه مع المتغيرات الخارجية (سياسية، واجتماعية، وثقافية) وإمكانية استلهامها في المشروع الفني. اللوحة ليست صناعة خالصة، بل فيها من روح الفنان وعقله الكثير الذي يبثه على السطح التصويري، ولهذا تتباين الأساليب والمدارس والإتجاهات، حتى داخل المدرسة الواحدة، فأن الأساليب تختلف أيضاً بحسب الرؤية الذاتية وضواغط الموضوع الخارجي. أما الرقمنة والوسائط الجديدة ستحجز مكانها داخل الذاكرة الجمعية من دون إزاحة كبيرة ونهائية على صياغة اللوحة التقليدية.
الفنان ستار كاووش: هل يستطيع الكمبيوتر أن يوصل لنا ارتجافة يد فينسنت فان خوخ؟
نعم، أعتقد بأن اللوحة مازالت تحتفظ ببريقها وقوة تأثيرها، بل ربما إزداد ذلك بسبب تردد الناس من متابعة الإستسهال الذي بنيت عليه الكثير من (الفنون) الحديثة. والدليل هو أن متاحفاً جديدة مازالت تفتتح في بلدان ومدن عديدة، وغالبية هذه المتاحف تعنى باللوحات المرسومة بالألوان الزيتية أو الأكريليك وغيرها من أنواع الصباغة التي نعرفها. وفوق هذا هناك الكثير من الناس الذين توقفوا عن الذهاب لمشاهدة ما يحدث اليوم من عروض أعمال تعتمد على وسائط بعيدة بشكل أو آخر عن الفن التشكيلي، وتولد لدى الكثير منهم نوع من العودة الى المتاحف، كي يشاهدوا الأعمال الفنية الحقيقية، يقفون أمامها ويتحسسون طريقة إنجازها والمواد التي أستعملتْ في رسمها، كذلك رؤية أسلوب الفنان وتقنيته ومعالجاته أو حتى الموضوعات التي تناولها في لوحاته. أقول هذا لأني أواظب أسبوعياً على زيارة المتاحف في مدن وبلدان مختلفة من العالم وأرى كيف يتفاعل الناس مع اللوحات الفنية.
تُرى هل يستطيع الكمبيوتر أن يوصل لنا ارتجافة يد فينسنت فان خوخ وهو يرسم لوحاته بخطوطها القلقة المرتجفة؟ وهل تستطيع الوسائط (الجديدة) ان تُحسسنا بعزلة أعمال إدوارد هوبر؟ وهل يمكن للصور الرقمية أن تجعلنا نضيع في الخواء الذي يعتري عيون النساء في لوحات موديلياني؟ أو أن نشعر بضنك الحياة في لوحات الفترة الزرقاء لبيكاسو؟
أرى أن الصور الرقمية مثلاً والفيديو والوسائط المستحدثة الأخرى ما هي الا نوع آخر من (الفنون) ليس له علاقة وطيدة بفن الرسم الذي نعرفه وتعرفه المتاحف العريقة، لذلك تضمها مؤسسات ومتاحف محدودة هنا وهناك. الصور الرقمية وغيرها لها جمهورها ومتابعيها طبعاً ويمكن أن تشغل مساحة ما، لكنها لا يمكن أن تؤثر على أهمية اللوحات ولا تأخذ مكانها، لأننا نتحدث هنا عن نمط ونوع مختلف من الإنجاز. لذا أرى أن اللوحات الفنية (الحقيقية) هي أساس الفن وستحتفظ بمكانتها، وهي التي يدفع الناس مبالغ كبيرة أو صغيرة لإقتناءها ووضعها في منازلهم أو علـى جدران المتاحف.
الشاعر والناقد حسن عبد الحميد: اللوحة «هي نتاج عقل روح وفكر ووعي الفنان
الجواب؛ في ظني نعم ستبقى -ولو إلى حين-، ولعل جوهر رهاني هذا يقع في دائرة التأكيد من أن ميول الإنسان بطبيعتها وتلقائيتها يهوى الاشياء والحاجات على طبيعتها واللوحة لمن يعرف ويهوى ويقتني الاعمال الفنية هي بالتالي « اي اللوحة «هي نتاج عقل روح وفكر ووعي الفنان بالمقابل المعني و المقتني سيعاملها عبر منافذ هذه الجوانب، اما اللوحة الرقمية فهي «تصعد ،تنزل» نتاج عمليات حسابية «خوارزميات» معدّة من خلال تقنيات، ولا يمكن لها- في جميع الاحوال-أن تصل إلى أصل الاشياء، أجد أن أقارن هذه الحالة ما بين النباتات- الضليّة منها، والعادية التي تعيش خارج الاماكن المفتوحة، فثمة فروق جوهرية تكمن بما هو طبيعي «أصلي» وبين ما هو «مُصنّع» ، يبدو الامر -هنا- وبما يشابهها من أشياء وحالات- كالقُبلّة التي تأتي من وراء الزجاج، حرّي بي كناقد تشكيلي أدّعي بان العمل الفني، ومن خواص عمليات الاهتمام ودواعي الاقتناء من لدن المهتمين والمقتنين، صدق وحقيقة أن العمل منفذ بأيدي الفنّان نفسه، لا نسخ «طبع» ولعدة نسخ وطبعات عن طريق «الكَرافيك» أو الطبع، كما وأن السعر يختلف جدا ما بين العمل الاصلي والعمل المنسوخ، لم أبتعد كثيراً عن محور هذا الاستطلاع، لان موضوعة اللوحة بمكانتها الإبداعيّة المحفوظة والمعروفة، فضلا عن كل ما ورد، يقع في جوانب ذوقيّة وحسيّة وحضارية، فما تبقى الصورة الرقمية تبقى بعيدة كل البعد عن جوهر وقيمة الإبداع المتمثل بمعاني قيمة وحقيقة الاص
الناقد صلاح عباس: السمة المميزة للفنون التشكيلية، في كل الأزمنة تكمن في كونها صناعة يدوية
_ عجلة الزمن تدرج للأمام دائما، ولا مجال للتراجع، وعلى مدى تاريخ الفنون، وجدنا سلاسل من التطور البشري وانعكس ذلك على الفنون والآداب وكل افرع الثقافة، وفي حقبنا الزمنية الراهنة، برزت الى حيز الوجود أنواعا من الوسائط ووسائل التعبير العصرية، ومن شأنها الاسهام في عمليات إنماء الذائقة الفنية وتسهيل سبل تلقي الفنون على نحو مواكب للمعطيات العلمية والتطورات الحاصلة في الحياة اليومية، وينبغي علينا تلقيها النظر اليها بعيون حيادية لأنها تحصيل حاصل للثورة العلمية التي نعيش غمرتها.
ولو أننا تصفحنا سفر الفنون عبر تاريخه العام، فسنجد هناك الكثير من الخروقات التي اسهمت بصناعة التاريخ البشري، ان تاريخ الفن حافل بالانعطافات ومفعم بالمتغيرات وفي البداية كان فنان الكهوف يضع بصمته على الجدران، لا ليرسم أثرا او ملمحا تزويقيا، بل كان يجسد مخاوفه، ثم تعاقبت القرون وتباينت سبل التفكر، وكان في حقب لاحقة، يمجد معتقداته ويحفظ ذاكرته للأجيال، وهكذا ترسخت المفاهيم وتناسلت الافكار، وأدت الى انتاج متغيرات شتى في الحلول الفنية والتوصل الفكري، حتى تمكن الفنان من تحرير قدراته الادائية والاعلان عن (أنا) مترفعة عن الاحتياجات.
ان الفنون المعاصرة او الحديثة، سمحت للفنان بإعادة ابتكار ذاته بشتى الوسائل والسبل وتحرير قدراته الفنية الكامنة بغية المشاركة المبدعة في تصور العالم والوجود وما تتضمن الحياة من انواع مختلفة من الصراع والتحدي، وفي يومنا الراهن نجد ان المساحات الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي تتسع لحظة إثر لحظة، ونرى زخم المشاركات الهائلة والمثيرة للأسئلة، ولقد رأينا افكارا ورؤى افتراضية مثيرة للدهشة والإعجاب، وكل ذلك يسهم حتما في تفعيل الذائقة الفنية ويزيد من فسحات: التأمل والتخيل وصولا للابتكار، والفنون في مغزاها الأبعد، تثير في الذات الباحثة اسئلة الجدوى، فهل الفن علم أم عمل أم معتقد ام إصلاح أم ماذا؟
والاجابات عن هذه الاسئلة تتباين تبعا لدرجة وعي التلقي وسبل التكييف مع المستحدثات في الفنون، بيد ان السمة المميزة للفنون التشكيلية، في كل الأزمنة والأمكنة تكمن في كونها صناعة يدوية، وبطولة فردية وبالمحصلة فإنها تعبير ذاتي محض عن حالة أو حالات انسانية مختلفة.
الفنان فائق العبودي: لا تلغي الصورة الرقمية أو فنون الوسائط الجديدة مكانة اللوحة
نعم، ما تزال اللوحة تحتفظ بمكانتها في زمن الصورة الرقمية، والفيديو، وفنون الوسائط الجديدة، لأن قيمتها لا تكمن فقط في الصورة التي تقدمها، بل في حضورها المادي والإنساني المباشر. فاللوحة الأصلية تحمل أثر الفنان من خلال حركة الفرشاة، وطبقات الصباغة، وسمك اللون، وملمس السطح، وهي عناصر تكشف شيئًا من انفعالاته وطريقة تفاعله مع العمل أثناء إنجازه.
فحتى إذا التقطنا للوحة صورة رقمية عالية الدقة، فإننا نحصل على تمثيل دقيق لألوانها وتفاصيلها، لكننا لا نحصل بالضرورة على التجربة الحسية نفسها أمام العمل الأصلي. وحتى لو استخدمنا تقنيات حديثة قادرة على إعادة إنتاج ملمس اللوحة وسماكة الصباغة، فإنها تظل نسخة تعيد بناء بعض خصائص الأصل، ولا تعوّض بالكامل حضوره المادي والتاريخي.
وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته بـ«روحية العمل». فاللوحة الأصلية تحمل أثر اللحظة التي أبدع فيها الفنان، وأثر يده وحركته وقراراته وتردده وانفعاله. لذلك لا يقتصر استقبال المتلقي على رؤية صورة جميلة، بل يمكن أن يشعر بأنه يقف أمام أثر مباشر لفعل إنساني وإبداعي حدث بالفعل.
ومن الأمثلة القوية على ذلك لوحات فان غوخ، حيث تبدو ضربات الفرشاة وطبقات اللون جزءًا أساسيًا من التعبير عن الانفعال. فحركة الفرشاة في «ليلة النجوم» مثلًا ليست مجرد وسيلة لرسم المشهد، بل أصبحت جزءًا من اللغة العاطفية للعمل.
لذلك، لا تلغي الصورة الرقمية أو الفيديو أو فنون الوسائط الجديدة مكانة اللوحة، بل توسّع مفهوم الفن وطرق التعبير. وتبقى خصوصية اللوحة في اجتماع الصورة والملمس والمادة وأثر اليد وحضور الأصل، وهي أمور يمكن للتكنولوجيا أن تحاكيها بدرجات عالية، لكنها لا تجعل النسخة مساوية تمامًا للتجربة التي يمنحها العمل الأصلي.
فنان وأكاديمي فلاح حسن الخطاط : أنه انزياح جمالي عميق في بنية التلقي ومفهوم الأثر الفني.
لا يمكن للعين النقدية الفاحصة أن تمرّ على تجربة «الفن الرقمي» دون ان تقف عنده ، فهو ليس مجرد تقنية طارئة فرضتها ثورة الحواسيب منذ سبعينيات القرن الماضي تحت مسمى «فن الوسائط المتعددة»، بل هو انزياح جمالي عميق في بنية التلقي ومفهوم الأثر الفني. لقد أتاح هذا الفن الجديد للفنان المعاصر أفقاً تعبيرياً انفلتت فيه اللوحة التقليدية من حدودها الضيقة، لتغدو الفأرة أو القلم الضوئي أمتداداً حيويا لليد ، إذ إمتزجت الخوارزميات مع الخيال الخصب، وكسر القوالب الجاهزة لصالح الابتكار الفردي والمغامرة البصرية المفتوحة على غير المتوقع.
غير أن هذا المدّ التقني الكاسح يحمل في طياته تحديات وجودية في الفن التشكيلي. ففي الوقت الذي أجهزت فيه الحروف الطباعية الرقمية على ألق «الخط العربي» التلقائي على لافتات الشوارع ووجوه المتاجر، محولةً اللوحة الخطية إلى لوحة متحفية تُستدعى للذاكرة والتأمل، نجد اللوحة التشكيلية الزيتية والمائية لا تزال صامدة تتحدى الفناء. إن الملمس الحسي للون، وتقنيات المادة على القماش اللوحة، والبصمة المباشرة لروح الفنان، تظل مكامن عصية على الشفرات الثنائية ومحاكاة الشاشات. وتظل اللوحة الأصلية طقساً إنسانياً ينحاز للحقيقة الجمالية في مواجهة التزييف الآلي، لتفصح اللوحة عن أن الروح الإنسانية في الفن قد تتطور بتطور أدواتها، لكنها لا تُستبدل مطلقًا.
الناقد والفنان خالد خضير: إن اهم التغيرات مجالات التواصل هي (دمقرطة) كل شيء
إن اهم التغيرات التي حدثت في مجالات التواصل الاجتماعي هي (دمقرطة) كل شيء من الصورة الفوتوغرافية الدجتل الى الكتابة التي لم تعد خاضعة لا لمصحح ولا لمحرر، وهي حالة وان كانت صحية في بعض جوانبها، إلا أنها أدت الى تسلل أعداد غفيرة من منتجي هذه الحقول من الذين لا يمتلكون الحد الأدنى من المؤهلات الضرورية، فتم استسهال الأمر، ودُق المسمارُ الأخير في جسد الثقافة عبر الاستخدام الأسوأ في ثقافتنا عبر الذكاء الاصطناعي الذي عوض أن يستخدم أداةً مساعدة صار هو الفاعل الأساس وتراجع الإنسان الى الخطوط الخلفية؛ فصار ممكنا الآن الحصول على بطاقة الانتماء الى جمعيات واتحادات ثقافية عريقة عبر أعمال أنتجت عبر الذكاء الاصطناعي كليا أو جزئيا، وصارت هنالك دكاكين ثقافية تنتج مقالات، وكتبا ورسائل واطاريح أكاديمية.. وهو أسوأ ما انتج الاستخدام المتخلف لأرقى النتاجات التكنولوجية في حقل الثقافة..