“هيومن رايتس ووتش” قالت إن الحكومة السورية لم تكن شفافة بشأن التحقيقات بأحداث الساحل
دمشق
قال تقرير مشترك صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدولية، و”سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” و “الأرشيف السوري”، إن “الجرائم التي وقعت في الساحل السوري هي في إطار عملية عسكرية منسقة مركزياً بإشراف وزارة الدفاع”.
وأضاف التقرير الصادر اليوم الثلاثاء، أن “الحكومة السورية الانتقالية لم تقدم سوى قدر ضئيل من الشفافية، بشأن ما إذا كان تحقيقها بأحداث الساحل، قد تناول دور كبار القادة العسكريين أو المدنيين، وما هي الخطوات التي ستتخذها لمحاسبة الموجودين بالسلطة”.
وأشار التقرير الذي حمل عنوان: “أنت علوي، الاستهداف القائم على الهوية خلال المرحلة الانتقالية في سوريا”، إلى “انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات الحكومة الانتقالية، والجماعات المسلحة الموالية لها، والمتطوعون المسلحون، بما يشمل الإعدامات التعسفية والتدمير المتعمد للممتلكات، وإساءة معاملة المحتجزين”.
التقرير الذي استند إلى أكثر من 100 مقابلة مع ضحايا وشهود ومقاتلين وصحفيين، بالإضافة إلى مواد سمعية-بصرية وصور أقمار صناعية تم التحقق منها، وثّق انتهاكات واسعة النطاق في أكثر من 24 بلدة وقرية وحي بين 6 و 10 آذار/ مارس، شملت هذه الانتهاكات الإعدامات التعسفية، ومداهمة المنازل، والنهب، والحرق، والانتهاكات على أساس الهوية.
رغم أن المنظمات الثلاث لم تجد أوامر مباشرة بارتكاب الفظائع، إلا أنها أكدت أن وزارة الدفاع في الحكومة الجديدة لعبت دورا مركزيا في حشد الوحدات وتنسيق انتشارها. حشدت السلطات عشرات آلاف المقاتلين من مختلف أنحاء البلاد، وخصصت لهم مناطق عمليات مشتركة. قال مقاتلون إنهم تلقوا أوامر عبر قنوات مرتبطة بالوزارة بتأدية مهام شملت تسليم المسؤولية عن المناطق التي أصبحت “آمنة” إلى قوات الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية.
قالت هبة زيادين، باحثة أولى في شؤون سوريا في هيومن رايتس ووتش: “اعتراف الحكومة بالفظائع هو خطوة إلى الأمام، لكنه لا يرقى إلى تحقيق العدالة حيال المسؤولين رفيعي المستوى الذين مكّنوا هذه الجرائم أو لم يوقفوها. عدم محاسبة القادة والمسؤولين الذين نشروا القوات المنتهِكة أو وجّهوها يفتح الباب أمام المزيد من الأعمال الانتقامية والفظائع في سوريا”.
وأفاد مقاتلون لـ”هيومن رايتس ووتش”، أن “القيادة العسكرية واصلت تنسيق القوات ونشرها حتى بعد أن علمت السلطات، أو كان ينبغي أن تعلم، بوقوع القتل والفظائع”.
وذكر بسّام الأحمد، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لـ “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”: “ليس من الضروري وجود أمر يحمل توقيعاً لمحاسبة كبار المسؤولين وقادة الفصائل. كان لدى مسؤولي وزارة الدفاع القدرة على حشد عشرات آلاف المقاتلين، وتحديد مناطق الانتشار الجغرافي وتوزيعها، وإبقاء العمليات مستمرة في عشرات البلدات لأيام”.
واعتبر الأحمد، أن “السؤال لا يتمحور فقط حول من أصدر الأوامر، أو ما إذا كان قد أصدرها، بل لماذا لم يتمكن أي شخص مسؤول من وقف القتل والنهب الواسع النطاق. هذا تقصير في القيادة وضعف في الإرادة”.
وقالت إحدى سكان قرية “برابشبو” في جنوب اللاذقية، “إنها وزوجها بقيا في المنزل مع أطفالهما الثلاثة في 8 مارس بعد أن طمأنهم مسؤولون محليون وقوات الأمن العام بأن المدنيين الذين يبقون في منازلهم لن يتعرضوا للأذى، قبل أن يدخل مسلحون منزلهم ويسألونهم إذا ما كانوا علويين، وعندما علموا أنهم كذلك، أخذوا زوجها إلى الخارج وأطلقوا النار عليه عند عتبة الباب”. قالت: “لم يسألوه عن عمله أو أي شيء، فقط أطلقوا النار عليه”.
واعترف بعض المقاتلين المرتبطين بالوزارة بأن الأشخاص أُعدِموا فقط بسبب هويتهم المتصوَّرة، وقال عضو في فصيل سابق في “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، إنه خلال المداهمات من منزل إلى منزل، “قُتل الناس فقط لأنهم علويون”.
وجد التحقيق المشترك للمنظمات أن أنماط الاحتجاز التعسفي، ومداهمات المنازل، والاستهداف على أساس الهوية في المجتمعات العلوية كانت قد بدأت قبل أسابيع في حمص وريف حماة، واستمرت الانتهاكات مستمرة منذ ذلك الحين.
وفي 22 تموز/ يوليو الماضي، قدمت “اللجنة الوطنية السورية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل” ملخصا لتقريرها النهائي في مؤتمر صحفي في دمشق، صرّحت فيه أن 1,426 شخصاً قُتلوا، وأن السلطات أحالت 298 مشتبها بهم إلى القضاء.
ولفت التقرير، أن “نتائج تحقيق اللجنة الحكومية، تؤكد وقوع فظائع جماعية ضد المدنيين، ما يمثل تحولاً عن أجواء الإنكار والإفلات من العقاب الذي سادت في ظل حكومة بشار الأسد، لكن التحقيق لم يتطرق إلى أوجه التقاعس المؤسسية الأعمق، بما في ذلك دور كبار المسؤولين في تمكين الانتهاكات الواسعة أو عدم منعها”.
وقالت المنظمات إن تواصل اللجنة مع المجتمع المدني والجهات الدولية، بالإضافة إلى التزامها المعلن بتحقيق العدالة، يشكّل تطورا إيجابيا. توصياتها بشأن الإصلاحات المؤسسية وتدابير العدالة الانتقالية والتعويضات ودمج الجماعات المسلحة في هياكل شفافة وخاضعة للمساءلة هي مقترحات بنّاءة تتطلب متابعة عاجلة.
وشددت المنظمات الثلاث، على أن على الحكومة السورية الانتقالية نشر تقريرها الكامل عن التحقيق، وحماية هويات الشهود، وضمان الإجراءات القانونية الواجبة للمتهمين، وضمان أن الإجراءات القضائية لا تقتصر على الجرائم الفردية، بل تشمل أيضا المسؤولية المؤسسية.
وأكدت، على “السماح بوصول آليات المساءلة الدولية، بما فيها تلك التابعة للأمم المتحدة، وتنفيذ إصلاحات أمنية تشمل التحقق من خلفيات المقاتلين، وطرد المقاتلين المتورطين في الانتهاكات، وتطبيق هياكل قيادة ومدونات سلوك واضحة”.
وقالت جلنار أحمد، مديرة برنامج “الأرشيف السوري”، إن “الأمر لا يتعلق بما حصل بأسبوع واحد في مارس الماضي، بل هو مؤشر على نمط أوسع يحتاج إلى معالجة هيكلية وشفافة.
يشار، إلى أن مناطق الساحل السوري، شهدت في الفترة بين السادس والعاشر من مارس الماضي، عمليات عسكرية وأعمال عنف، أعقبت هجمات لـ”فلول النظام” على مواقع عسكرية وحكومية أسفرت عن مقتل أكثر من 200 عنصر من الأمن العام، وسط تأكيدات على ارتكاب انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة العلوية من سكان تلك المناطق.
المصدر موقع963