
منشأة لمعالجة واستخراج العناصر النادرة في غانتشو بالصين، نوفمبر عام 2025 (أ ف ب/ غيتي)
ملخص
لم تنجم هيمنة الصين على المعادن النادرة عن خطة محكمة لإخضاع العالم، بل عن عقود من المنافسة المحلية والتوسع الصناعي والتلوث، قبل أن تتحول هذه الموارد إلى ورقة ضغط جيوسياسية. ومع تصاعد القيود التجارية المتبادلة مع واشنطن، باتت سلاسل الإمداد سلاحاً يهدد الاقتصاد العالمي، لكن الاعتماد المتبادل يفرض حدوداً على قدرة الطرفين على الإكراه، ويجعل تنويع الإمدادات وخفض التصعيد ضرورة لتجنب مواجهة اقتصادية أكثر كلفة.
“الشرق الأوسط يملك النفط، والصين تملك العناصر النادرة”، هكذا أعلن الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ في أوائل تسعينيات القرن الماضي. وقد تكرر تداول هذه العبارة كثيراً في الآونة الأخيرة، بعدما استخدمت بكين احتكارها شبه الكامل لهذا القطاع للرد بفاعلية على الحرب التجارية الأخيرة التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وغالباً ما يشار إلى العبارة كدليل على أن تصريح دنغ تضمن تهديداً ضمنياً باستخدام هذه الموارد أداة للإكراه: فمثلما سخرت الدول العربية المصدرة للنفط صادراتها سلاحاً عام 1973، وقطعت الإمدادات عن الغرب لمعاقبته على دعم إسرائيل في حرب أكتوبر (تشرين الأول)، ستفعل الصين يوماً الأمر نفسه بالعناصر النادرة.
لم تفعل أحداث العام الماضي سوى ترسيخ هذه القناعة. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبعد إعلان الصين نظاماً لترخيص صادرات العناصر النادرة، قالت اللجنة الخاصة المعنية بالصين في مجلس النواب الأميركي، التي تضم أعضاء من الحزبين، إن الزعيم الصيني شي جينبينغ “يحقق رؤية دنغ”. وكتب ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي أن ما يجري “من الواضح أنه خطة وضعتها [الصين] قبل سنوات”. وكتب مايلز يو، الذي شغل منصب كبير مستشاري وزير الخارجية مايك بومبيو لشؤون السياسة تجاه الصين خلال إدارة ترمب الأولى، أن “احتكار بكين للعناصر النادرة ليس مصادفة جيولوجية، بل نتيجة إستراتيجية متعمدة امتدت عقوداً للسيطرة على استخراج العناصر التي يقوم عليها العالم الحديث وتكريرها”.
لا شك في أن سيطرة الصين على العناصر النادرة تمثل اليوم سلاحاً قوياً أثار قلقاً عالمياً وأطلق سباقاً لتأمين مصادر بديلة. فالصين لا تملك أكبر احتياطات معروفة من هذه العناصر فحسب، بل تهيمن أيضاً على نحو 85 في المئة من عمليات معالجتها عالمياً. وعلى رغم صغر حجم هذا القطاع، فإن العناصر النادرة تؤدي دوراً بالغ الأهمية في التكنولوجيا الحديثة. وهذه العناصر الـ17، ولا سيما العناصر الثقيلة الأقل وفرة، ضرورية لصناعة أشباه الموصلات والتقنيات الدفاعية والسيارات والطاقة النظيفة، لذلك تمنح هيمنة الصين على سلسلة إمدادها بكين سيطرة على نقطة اختناق مهمة في الاقتصاد العالمي.
لكن هيمنة الصين لم تكن، على رغم سعيها إلى استثمار موقعها، ثمرة خطة كبرى بعيدة النظر لإبقاء العالم رهينة لديها، بل نتجت من مزيج متغير وغير مألوف من المصالح المحلية، في ظل تحولات اقتصادية وتكنولوجية عالمية أوسع. فعندما أدلى دنغ بتصريحه، كانت الولايات المتحدة قد أنهت للتو حرب الخليج الأولى. ومن منظور بكين، شكلت الحملة التي قادتها واشنطن تذكيراً صارخاً بمواطن ضعف الصين في خوض الحروب الحديثة، وبالدور الذي قد تؤديه الموارد الأساسية في إشعال النزاعات. وقال دنغ في الفترة نفسها تقريباً: “لم نُولِ اهتماماً كافياً لكيفية استخدام هذا الكنز. علينا حماية موارد العناصر ا النادرة”.
كان تنفيذ ذلك أسهل من قوله. فقد بدأت الجهود الرامية إلى تعزيز موقع الصين في السوق بمحاولة كبح المنافسة المحلية المنفلتة التي أبقت الأسعار منخفضة وهددت باستنزاف الموارد. ولم تكن هذه الجهود جزءاً من خطة إستراتيجية لتحويل سلاسل الإمداد إلى سلاح في صراع جيوسياسي، بل ظل قطاع العناصر النادرة في الصين مشتتاً وتديره ترتيبات متفرقة وغير منسقة، إلى حد أنه ليس واضحاً ما إذا كانت بكين قد أحكمت قبضتها عليه بعد 20 عاماً، خلال الحادثة الشهيرة التي وقعت عام 2010 حول الجزر المعروفة في الصين باسم دياويو وفي اليابان باسم سينكاكو. وبعد احتكاك بين البلدين في شأن الجزر المتنازع عليها، فرضت بالفعل قيود موقتة على صادرات هذه العناصر إلى اليابان، ما أعاد عبارة دنغ إلى الواجهة على نطاق واسع للمرة الأولى، لكن الأبحاث تشير إلى أن القيود ربما لم تكن خطة مدروسة لمعاقبة اليابان. وكما هي الحال في كثير من السياسات الصينية، غالباً ما تفصل هوة واسعة بين الأقوال والأفعال، ويكشف تاريخ هذا القطاع عن أولويات متنافسة أسهمت في تشكيل السياسة الصينية.
لم تبدأ بكين النظر إلى العناصر الأرضية النادرة بوصفها سلاحاً جيو-اقتصادياً إلا بعد عام 2010، وتعلمت في أثناء ذلك كيفية استخدام هذه الأداة من العقوبات الأميركية وضوابط التصدير التي فرضتها واشنطن. ولا شك في أن المواجهة الراهنة في شأن هذه العناصر، واستمرار تسليح سلاسل الإمداد، يشكلان تهديداً خطراً للاستقرار والازدهار العالميين، لكن ما يجري ليس تنفيذ خطة صينية محكمة بقدر ما هو نتيجة دوامة من الفعل ورد الفعل بين قوتين لم تسع أي منهما إلى إشعالها، ولا تملك أي منهما السيطرة عليها بالكامل.
تكتسب مراجعة هذه الرواية وفهم الكيفية التي هيمنت بها الصين على السوق أهمية لأنهما يوضحان المعضلة الأمنية الراهنة بين بكين وواشنطن: فعندما تتخذ دولة إجراءات لتعزيز أمنها، تشعر الدولة الأخرى بالتهديد، فترد بإجراءات تزيد دوامة التصعيد، لكن الأخطار، في ظل تسابق الصين والولايات المتحدة إلى اكتساب أوراق ضغط مستقبلية إحداهما على الأخرى، لا تقتصر على الحرب الاقتصادية. فقد أسهم الخوف من تسليح العلاقات الاقتصادية وسلاسل الإمداد في زيادة التباعد بين البلدين، وغذى عداءً أوسع يعزز نفوذ الأصوات الأكثر تشدداً على جانبي المحيط الهادئ. ولن يكون احتواء هذه الدوامة سهلاً، لكنه سيساعد البلدين والعالم على تجنب عواقب أسوأ.
رخيصة وملوثة
شكَّل منجم بايان أوبو في مقاطعة منغوليا الداخلية ركيزة قطاع العناصر الأرضية النادرة في الصين منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، ولا يزال يضم أكبر مكمن معروف لهذه العناصر في العالم. وفي الستينيات، اكتشفت مكامن أخرى في مقاطعتي جيانغشي وغوانغدونغ جنوبي الصين، اللتين أصبحتا لاحقاً مركزاً رئيساً لتعدين العناصر الأرضية النادرة الثقيلة ومعالجتها، لكن الصين لم تتمكن من إنتاج كميات كبيرة وعالية الجودة إلا في أوائل الثمانينيات، بعدما طور الكيميائي شو غوانغشيان طريقة جديدة أقل كلفة لفصل هذه العناصر بعضها عن بعض. وتزامن هذا التطور مع النمو السريع لصناعة أشباه الموصلات عالمياً، فارتفع الطلب المحلي والخارجي على العناصر الأرضية النادرة ارتفاعاً حاداً.
بدأ القادة الصينيون ينظرون إلى هذه العناصر باعتبارها مورداً طبيعياً لا تستطيع البلاد التفريط فيه. ففي عام 1982، وجه دنغ ونائب رئيس الوزراء فانغ يي إلى “زيادة إنتاج المعادن الأرضية النادرة والمعادن النادرة”، لكن الأولوية الأولى للحكومة المركزية طوال الثمانينيات كانت زيادة احتياطات النقد الأجنبي، ولذلك تساهلت في فرض الضوابط على القطاع لتشجيع الصادرات. وأصبح التعدين منخفض الكلفة وشديد التلوث السمة الغالبة للعمليات الصغيرة المدمرة، فيما ذهبت معظم الصادرات إلى اليابان والولايات المتحدة وأوروبا. وبحلول عام 1986، تجاوز إنتاج الصين عشرة أمثال مستواه عام 1978، ثم تخطت الولايات المتحدة في أوائل التسعينيات لتصبح أكبر منتج للعناصر الأرضية النادرة في العالم.
رحبت الولايات المتحدة وأوروبا بهذا التطور. فالعناصر الأرضية النادرة ليست نادرة في الواقع، إذ تعود هذه التسمية التاريخية المضللة إلى محدودية المعرفة بها وقت اكتشافها، لكن العثور عليها بتركيزات تجعل تعدينها مجدياً أمر غير شائع نسبياً، إضافة إلى أن معالجتها تتطلب تقنيات متقدمة وتسبب تلوثاً هائلاً. فمعالجة الخام، مثلاً، قد تؤدي إلى تصريف مياه ملوثة بمواد مشعة، بما يسبب مشكلات صحية للعاملين والسكان المحليين. ومن المنظور الغربي، أتاح نقل عمليات استخراج هذه العناصر ومعالجتها إلى الصين خفض الأسعار وإبعاد التلوث في آن واحد.
وهكذا، عد قطاع العناصر الأرضية النادرة الناشئ في الصين خلال التسعينيات مكسباً للتنمية. وبعد أن صنفت الصين هذه العناصر عام 1990 “معادن إستراتيجية محمية”، بدأت تقييد الاستثمار الأجنبي في استكشافها ومعالجتها. ولبى القطاع رغبة بكين في تحقيق نمو تقوده الصادرات، فيما سارعت الحكومات المحلية إلى توسيعه لتلبية متطلبات التنمية وزيادة الإيرادات الضريبية، لكن ضعف الرقابة وإنفاذ القوانين جعلا القطاع، بحلول مطلع القرن، أشبه بساحة منفلتة، إذ أدى فائض الإنتاج إلى حروب أسعار محلية وخفض أسعار التصدير. وخلف ذلك أيضاً أضراراً بيئية وصحية. فتحول حوض مخلفات باوغانغ، الواقع شمال النهر الأصفر مباشرة، إلى “أكبر بحيرة لمخلفات العناصر االنادرة في العالم”، تضم 200 مليون طن من الملوثات. وفي غانتشو، بمقاطعة جيانغشي، حيث يكثر تعدين العناصر النادرة الثقيلة، تجاوز معدل هطول الأمطار الحمضية 90 في المئة.
يرى محللون كثيرون اليوم أن الصين تعمدت خفض أسعار العناصر النادرة لإقصاء المنافسين الأجانب، لكن المسؤولين الصينيين كانوا يعدون خفض الأسعار مشكلة ينبغي حلها. فقد شاع في الصين القول إن هذه العناصر تباع “بسعر الملفوف أو التراب”، وهو ما عد علامة ضعف. ووفق هذه الرواية، كانت الدول المتقدمة تستغل الموارد الخام الصينية الرخيصة، فيما تحتفظ بمواردها لنفسها.
بحلول عام 2002، قررت بكين كبح المنافسة غير المنضبطة. فشددت الحكومة المركزية حملتها على التعدين غير المرخص والممارسات الملوثة، ما عزز قدرتها على التفاوض في شأن الأسعار في السوق العالمية، ثم ألغت عام 2005 الإعفاءات الضريبية على صادرات العناصر النادرة، وفرضت عام 2007 رسوماً تصديرية بنسبة 10 في المئة على خاماتها وأكاسيدها ومركباتها.
عكست هذه الإجراءات تحول بكين من السعي إلى زيادة الإنتاج إلى أقصى حد والتركيز على التصدير، إلى محاولة معالجة فائض الطاقة الإنتاجية وتعزيز القدرة على التحمل. فالعناصر النادرة، في نهاية المطاف، موارد غير متجددة يمكن أن تنفد. وأخذت بكين تدرك على نحو متزايد دورها في دعم الصناعات المحلية، وخشيت أن يؤدي استنزافها إلى اضطرار الصين مستقبلاً إلى الاعتماد على الواردات، كما هي الحال مع النفط والغاز. وإلى جانب حصص التصدير التي أقرتها عام 1999، فرضت السلطات حصصاً للإنتاج عام 2006 لخفض كميات العناصر المرسلة إلى الخارج. وبحلول منتصف عام 2010، أي قبل الأزمة مع اليابان، كانت الصادرات الصينية المعلنة قد انخفضت بأكثر من 50 في المئة مقارنة بعام 2005.
أزمة وارتباك
لكن الحكومات المحلية الصينية قاومت مبادرات الحكومة المركزية طوال هذه العملية، لأنها كانت غالباً ما تقلص الإيرادات الضريبية. وحتى عام 2010، تجاوز الإنتاج الفعلي الحصص المحددة بأكثر من 35 في المئة، فيما كانت العمليات غير القانونية المنتشرة في جنوب الصين توفر نصف الاستهلاك العالمي من العناصر النادرة الثقيلة. ودفعت هذه المقاومة الممتدة لعقود والتنفيذ الانتقائي للقرارات تقريراً غربياً إلى استنتاج أن المنافسين الحقيقيين الوحيدين للصين هم “عصابات الجريمة داخل حدودها”.
وأثارت المواجهة مع اليابان في وقت لاحق من ذلك العام مزيداً من الشكوك في مدى سيطرة بكين على القطاع. فبعد اصطدام سفينة صيد صينية بدورية لخفر السواحل الياباني قرب جزر دياويو/ سينكاكو المتنازع عليها، احتجزت اليابان القبطان ووجهت إليه اتهامات قضائية. وأثار ذلك غضب بكين، التي سمحت بموجة من الاحتجاجات المناهضة لليابان أملاً في توظيف المشاعر القومية. وفي الفترة نفسها تقريباً، تحدثت تقارير على نطاق واسع عن منع تصدير العناصر النادرة إلى اليابان عقاباً لها. وسرعان ما شعرت قطاعات الإلكترونيات اليابانية بأثر القيود، وقدمت اليابان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شكوى مشتركة إلى منظمة التجارة العالمية. وفي مؤتمر صحافي مع نظيرتها اليابانية، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون القيود الصينية بأنها “ناقوس خطر” للعالم، وقالت: “نظراً إلى أهمية هذه المعادن، أعتقد أن الوزير وأنا ندرك أن بلدينا ودولاً أخرى ستضطر إلى البحث عن مصادر إضافية للإمدادات”.
مع ذلك، لا تزال ملابسات قرار تقييد الصادرات غير واضحة. فلم تعلن بكين الحظر رسمياً قط، وتشير أبحاث عالمة الجغرافيا جولي كلينغر إلى أنه ربما لم يصدر بتوجيه من الحكومة المركزية. ووفقاً للمقابلات التي أجرتها، رأى عسكريون وعاملون في الموانئ ومسؤولو جمارك محليون غاضبون في مدينة ساحلية شمال نانجينغ أنهم يواجهون “شكلاً معاصراً من العدوان الياباني”، فقرروا من تلقاء أنفسهم وقف شحنات العناصر النادرة. وبحسب هذه الرواية، لم تدرك سلطات بكين ما يجري إلا بعدما استفسرت الجمارك اليابانية عن الأمر. وخلال تلك الفترة، نفت بكين وقوع الحظر.
بصرف النظر عن دور بكين في البداية، دفعت الأزمة الحكومة المركزية إلى التفكير في هذه الأداة الجديدة للضغط واتخاذ خطوات أكثر حزماً للسيطرة على القطاع، بما في ذلك الحد من الأنشطة الصناعية غير القانونية. فقد أظهرت السوق العالمية أن اضطراباً محدوداً في صادرات العناصر الأرضية النادرة قد تكون له آثار كبيرة، إذ ارتفع سعر النيوديميوم، الضروري لصناعة كثير من المغناطيسات القوية، بنحو ستة أضعاف بحلول منتصف عام 2011.
بدأت الدعوات إلى فرض ضوابط على صادرات العناصر الأرضية النادرة تتردد في الإعلام الصيني. وبينما ركز بعضهم على الإمكانات الجيوسياسية لهذه الموارد، شددت أصوات أكثر شعبوية على الاعتبارات الحمائية. وحث مقال واسع التداول الصين على “الدفاع” عن مواردها عبر “حظر الصادرات فوراً، والإبقاء على مستوى الإنتاج اللازم للاستهلاك المحلي والبحث والتطوير فحسب، أو الاكتفاء بالشراء من الخارج”.
مع ذلك، ظلت بكين حذرة. فقد حذر هونغ فنغ، المدير السابق لأحد أقسام مكتب العناصر الأرضية النادرة التابع للجنة تخطيط الدولة، من استخدامها “أوراقاً للمساومة السياسية”. وأظهر لجوء روسيا المتكرر إلى سلاح الغاز الطبيعي أن الإكراه يدفع الدول المستهدفة إلى تنويع مصادرها على المدى الطويل، وأن الصين نفسها تعتمد بشدة على واردات النفط والحديد والنحاس، وهي موارد يمكن استخدامها للرد عليها. وشدد هونغ على أن “الأهمية الإستراتيجية للعناصر الأرضية النادرة تكمن في تطبيقاتها، وهو ما يتطلب تعاوناً عالمياً في البحث والتطوير”. وبعبارة أخرى، فإن توقف الصين عن بيع هذه العناصر للعالم قد يستفز رداً يعرقل حصولها على الموارد الأجنبية.
ظل قطاع العناصر الأرضية النادرة في الصين يفتقر إلى بنية موحدة تتيح تنفيذ مثل هذه الخطوات بفاعلية. ولم تبدأ بكين فرض رقابة مركزية إلا عام 2012، فأنشأت، مثلاً، مخزوناً إستراتيجياً من هذه العناصر لتأمين تلبية الحاجات المحلية. وفي عام 2014، بدأت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات إعادة تنظيم القطاع بنجاح في ست مجموعات تسيطر عليها الدولة، تمهيداً لدمجها لاحقاً، عام 2025، في مجموعتين وطنيتين كبيرتين. وفي عام 2015، امتثلت الصين لحكم منظمة التجارة العالمية ضد قيودها على صادرات هذه العناصر وألغت نظام حصص التصدير. وبدلاً من ذلك، اعتمدت متطلبات تتبع المواد واستثمرت في مشاريع تعدين خارج البلاد لمواكبة نمو الطلب المحلي وتنويع مصادر الإمداد عالمياً.
وفق تقرير حديث لمؤسسة “راند”، تمثل الهدف العام لبكين خلال العقد الثاني من القرن الحالي في “تعزيز القدرة على الصمود قبل اللجوء إلى تسليح [السلعة]”. وفي الوثائق الحكومية الصينية والنقاشات العامة، عبر مسؤولون كثيرون عن مخاوف من نقص هذه الموارد مستقبلاً. وعلى رغم أن تلك المخاوف ربما كانت مبالغاً فيها، ساد اعتقاد بأن الصين قد تهدر فرصتها إن لم تتوخ الحذر. وحذرت يانغ دانهوي، الأستاذة في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ومستشارة وزارة التجارة، في كتاب صدر عام 2015 من أن استمرار الاستخراج بالمعدل المسجل عام 2008 سيؤدي إلى “نفاد منجم بايان أوبو في باوتو خلال 25 عاماً (وإذا حدث ذلك، فستضطر الصين إلى استيراد العناصر الأرضية النادرة من الخارج بأسعار مرتفعة جداً)”.
عودة بقوة
كانت حادثة جزر دياويو/ سينكاكو نقطة تحول للعالم أيضاً، إذ كشفت للمرة الأولى عن تنامي قدرة الصين على توظيف نفوذها الاقتصادي لتحقيق أهداف جيوسياسية. وقبل عقد من شيوع مصطلحات مثل “فك الارتباط” و”تقليل الأخطار”، سارعت اليابان إلى بناء مصادر بديلة، فهي تستورد اليوم 60 في المئة من حاجاتها من العناصر الأرضية النادرة من الصين، بعدما كانت النسبة 90 في المئة عام 2010. وإلى جانب اللجوء إلى آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية، بدأت واشنطن إعادة النظر في أخطار الاعتماد المفرط على واردات هذه العناصر، لكن الاستثمارات المحلية، بما فيها الاستثمار في منجم ماونتن باس في كاليفورنيا، ظلت متعثرة بسبب ضعف الأرباح وتقلب الأسعار والتحديات التكنولوجية. وبلغت القيمة السنوية لتجارة العناصر الأرضية النادرة 4.2 مليار دولار عام 2011، وهي أقل من قيمة متوسط يوم واحد من التجارة العالمية للنفط. وبحلول عام 2014، هبطت القيمة العالمية لهذه التجارة إلى 1.2 مليار دولار، ما زاد صعوبة تنويع المصادر بقيادة القطاع الخاص.
تراجعت قضية العناصر الأرضية النادرة بعد ذلك إلى خلفية العلاقات الأميركية – الصينية، ولم تعد إلى الواجهة إلا في نهاية العقد، حين بدأت واشنطن ممارسة ضغوط اقتصادية كبيرة على الصين. وأدى إحكام بكين قبضتها على القطاع الخاص وتزايد لجوئها إلى الإكراه في النزاعات الدولية إلى تعميق الشكوك الأميركية في نياتها. ففي عام 2019، أطلقت إدارة ترمب حملة ضد “هواوي”، إحدى أكبر شركات الاتصالات الصينية، بإدراجها على قائمة سوداء للصادرات، ما منع الشركات الأميركية عملياً من التعامل معها، وضغطت الإدارة على حلفائها لاستبعاد “هواوي” من شبكات الجيل الخامس، بحجة أن معداتها قد تتيح لبكين منفذاً خلفياً إلى البنية التحتية الحيوية للاتصالات.
عدت القيود المفروضة على “هواوي” تصعيداً كبيراً، وشكلت ناقوس خطر لبكين. وألمحت وسائل الإعلام الرسمية الصينية إلى إمكان استخدام العناصر الأرضية النادرة للرد، لكن بكين أحجمت عن ذلك. واختارت بدلاً منه فرض رسوم على صادرات مختارة بعناية، مثل فول الصويا والطاقة، من مناطق انتخابية تؤيد الجمهوريين. وكشفت قضية “هواوي” عن نقطة ضعف في المنظومة الصناعية الصينية: حاجتها إلى أشباه الموصلات المتقدمة. وبدا أن بكين أدركت أن استخدام ورقة العناصر الأرضية النادرة قبل أوانها قد يرتد عليها. وقال تشانغ آن ون، نائب الأمين العام للجمعية الصينية للعناصر الأرضية النادرة، في يونيو (حزيران) عام 2019: “لا يمكننا تقليل اعتمادنا [على المنتجات الأجنبية عالية القيمة] وتوظيف العناصر الأرضية النادرة بأقصى فاعلية إلا بتطوير التكنولوجيا المتقدمة وتوطين إنتاج المنتجات المتطورة من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية تدريجاً”.
استعدت بكين على مختلف الجبهات. ففي مايو (أيار) عام 2020، أطلقت إستراتيجية “التداول المزدوج” لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية عبر تطوير صناعاتها المحلية، بدءاً بأشباه الموصلات. وفي أواخر العام نفسه، أقرت قانوناً للرقابة على الصادرات يوفر أساساً قانونياً محلياً لتقييد المبيعات إلى الخارج. وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2021، وجهت إلى إنشاء “مجموعة الصين للعناصر الأرضية النادرة”، لتتولى الدولة، عبر مجلسها، الإشراف على القطاع.
لكن بكين لم تلجأ إلى الرد بالمعادن الحيوية إلا بعدما كشفت واشنطن عن مجموعة من ضوابط التصدير ذات الأثر خارج الحدود، من شأنها أن تحرم الصين للمرة الأولى من الوصول إلى الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها. فبعدما طرحت إدارة بايدن، أواخر يونيو عام 2023، توسيع ضوابط أكتوبر عام 2022 لتشمل رقائق “إيه 800” من “إنفيديا”، أعلنت الصين في يوليو (تموز) أن على مصدري الغاليوم والجرمانيوم، وهما معدنان أساسان في صناعة الرقائق، الحصول على تراخيص والإفصاح عن الاستخدام النهائي. ولم يكن الإجراء حظراً شاملاً، لكنه أثار قلق السوق، ولسبب وجيه، إذ قد يؤدي حظر صيني كامل لهذين المعدنين، وفق تقدير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، إلى خفض الناتج المحلي الإجمال الأميركي بمقدار 3.4 مليار دولار.
وبعد ستة أشهر، أصدرت اللجنة الخاصة المعنية بالصين في مجلس النواب الأميركي تقريراً دعا إلى تقديم حوافز ضريبية لإعادة بناء القدرة المحلية على تصنيع المغناطيسات المصنوعة من العناصر الأرضية النادرة. وبعد أسبوع واحد فحسب، في الـ21 من ديسمبر عام 2023، أعلنت الصين حظر تصدير التكنولوجيا المستخدمة في معالجة هذه العناصر، ما من شأنه إبطاء جهود تنويع سلاسل الإمداد العالمية وتقليل أخطارها. وبعد عام، أصدرت الصين أول قاعدة تسمي الولايات المتحدة صراحة هدفاً لحظر التصدير، وأصبح على المصدرين الصينيين الراغبين في بيع الغاليوم إلى مستخدمين نهائيين أميركيين افتراض أن طلبات الترخيص سترفض.
تصاعدت سياسة الرد بالمثل بشدة خلال إدارة ترمب الثانية. فبعد إعلان رسوم “يوم التحرير” في الثاني من أبريل (نيسان) عام 2025، ردت بكين بعد يومين بإضافة سبعة عناصر أرضية نادرة، إلى جانب المغناطيسات الدائمة المصنوعة منها، إلى قائمة ضوابط تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج، أي المستخدمة في القطاعين العسكري والتجاري. وعندما تدفقت عشرات الآلاف من طلبات الترخيص، لم يكن مكتب الرقابة على الصادرات الصيني يضم سوى 30 موظفاً. وأدى تراكم الطلبات إلى تأخيرات كبيرة في الموافقة عليها، فتراجعت صادرات الصين من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة بنسبة 74 في المئة في مايو مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. ورداً على ذلك، فرضت واشنطن قيوداً جديدة على محركات الطائرات النفاثة وبرمجيات تصميم أشباه الموصلات. ولم توافق الصين على استئناف تصدير العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات إلا بعدما تراجعت الولايات المتحدة عن تلك الإجراءات ووافقت على استئناف المحادثات في يونيو.
ثم وسعت إدارة ترمب، في الـ29 من سبتمبر (أيلول)، قائمة الشركات الصينية “التابعة” الخاضعة لضوابط التصدير الأميركية. وبموجب القرار، أصبحت أي جهة تملك شركة أجنبية مدرجة على قائمة الجهات الأميركية المحظورة 50 في المئة في الأقل عرضة للإدراج على القائمة السوداء. وبعد 10 أيام فحسب، ردت الصين بنظام خاص بها للرقابة على الصادرات يمتد أثره إلى خارج حدودها. وللمرة الأولى، أعلنت بكين حقها في إخضاع أي منتج مصنوع خارج الصين للترخيص، أينما كان في العالم، إذا احتوى ولو على كمية ضئيلة من العناصر الأرضية النادرة الصينية الخاضعة للرقابة أو صنع باستخدام تكنولوجيا المعالجة الصينية. وكان من شأن هذه القواعد، بصيغتها المعلنة، التأثير في قطاعات واسعة تعتمد على هذه المواد والتكنولوجيا، منها الدفاع والطيران والفضاء وأشباه الموصلات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وقدرت الوكالة الدولية للطاقة أن التطبيق الكامل للقيود الجديدة سيكبد الصناعات خارج الصين خسائر قدرها 6.5 تريليون دولار.
عند هذه المرحلة، بلغت الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين ذروتها. وفضل الطرفان التراجع المتبادل على الدمار الذي كان سيترتب على استمرار التصعيد. وفي قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في بوسان، في وقت لاحق من الشهر نفسه، وافقت بكين على تعليق ضوابط التصدير ذات الأثر خارج الحدود لمدة عام، مقابل تعليق واشنطن قاعدة الشركات التابعة للمدة نفسها.
حدود النفوذ
بعد أن اقتربت بكين وواشنطن من الهاوية عام 2025، تراجعتا، في الأقل في الوقت الراهن، لكن المتشددين في الجانبين يصورون هذه الهدنة فرصة لشحذ الأدوات استعداداً للمواجهة المقبلة. وكتب ويس ميتشل في هذه المجلة: “إذا ركزت الولايات المتحدة على توحيد قدراتها في مجال المعادن الحيوية وإعادة توطين سلاسل الإمداد، فستتاح لها فرصة تاريخية لاستعادة مكانتها قوة عظمى والتفوق في منافسة طويلة الأمد مع الصين، أقوى خصم في تاريخ الولايات المتحدة”. وفي الصين، دعا قوميون اقتصاديون بارزون، مثل دي دونغشنغ من جامعة رنمين، الحكومة إلى “انتزاع زمام المبادرة” وتسريع تخليص سلاسل الإمداد الصينية من الاعتماد على الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، وسعت الحكومتان استثماراتهما المحلية والعالمية في العناصر الأرضية النادرة لتحصين اقتصاديهما من الإكراه مستقبلاً.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن تنويع سلاسل إمداد المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة ضرورة. فالاستثمارات الدفاعية التي بدأت في عهد إدارة بايدن واستمرت خلال إدارة ترمب الثانية مهمة لتعزيز القدرة على الصمود. وإذا نجحت هذه الجهود، فستقلص مواطن الضعف الحادة وحوافز الصين لاستغلال نقاط الاختناق، لكنها لن تنهي الاعتماد المتبادل، ولا ينبغي لها أن تفعل ذلك. فالتنويع المحدود قد يحقق أثراً كبيراً، إضافة إلى أن وجود بديل موثوق يمكن أن يحد من قدرة الصين على ممارسة نفوذ سوقي أو جيوسياسي. ويرى بعض المحللين المرتبطين بالحكومة الأميركية أن الحصول على ثلث الإمدادات الأميركية من العناصر الأرضية النادرة من مصادر خارج الصين قد يكون كافياً لتخفيف ضغط بكين.
مع ذلك، لا يمكن تقليل الأخطار المرتبطة بكل عنصر من العناصر الأرضية النادرة. فقد وصف بعض المحللين الإيتريوم، وهو مادة أساسية لصناعة الرقائق ومحركات الطائرات النفاثة والتوربينات، بأنه “نقطة الاختناق القاتلة”، لأن تنويع مصادره قد يستغرق سنوات، لكن هيمنة الصين تنطوي على قيد مهم ينبغي للولايات المتحدة مراعاته في تخطيطها للمستقبل: فما زالت الصين متأخرة عن اليابان والولايات المتحدة في بعض حلقات سلسلة القيمة لهذه العناصر، ومنها تقنيات إعادة التدوير. وحتى الصين تدرك أن نفوذها ليس بلا حدود.
ومن هذه الناحية، تشبه سوق العناصر الأرضية النادرة نقاط اختناق أخرى، مثل النظام المالي القائم على الدولار الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وسوق المكونات الدوائية التي تهيمن عليها الصين. فعلى رغم أن هذه المواقع تبدو مصدراً للنفوذ، يصعب تحويلها إلى أسلحة مستدامة. ولا تستطيع الولايات المتحدة إقصاء دولة بحجم الصين الاقتصادي من النظام المالي العالمي من دون إلحاق أضرار جسيمة باقتصادها. وبالمثل، لا تستطيع الصين قطع وصول الولايات المتحدة بسهولة إلى المكونات الدوائية التي تهيمن على إنتاجها من دون تعريض قطاع التكنولوجيا الحيوية لديها لأخطار كبيرة، نظراً إلى اعتماده على التكنولوجيا والأسواق الأميركية.
إن استمرار الاعتماد المتبادل هو ما يرجح بقاء الظروف المواتية للاستقرار. ففي البلدين، بدأ المحللون يدركون محدودية فاعلية ضوابط التصدير. قد تسبب هذه الضوابط أضراراً على المدى القصير، لكنها لا تدوم طويلاً، ولا سيما أنها تحفز الجهود الرامية إلى الالتفاف عليها، وتواجه محاولات بناء سلاسل إمداد بديلة حقيقة صعبة: فكثير من البلدان التي تملك مناجم مجدية للعناصر الأرضية النادرة لا تريد الاختيار بين الصين والولايات المتحدة. لذلك، من المرجح أن يظل الاعتماد المتبادل وتداخل سلاسل الإمداد هما القاعدة، بدلاً من منافسة صفرية بين كتلتين.
خطأ بكلفة 13 تريليون دولار
لكن الاعتراف، على مضض، بمحدودية فاعلية هذه الأدوات الاقتصادية لا يكفي. ولإبطاء دوامة تسليح الاعتماد المتبادل، ينبغي للولايات المتحدة الجمع بين خفض التصعيد المتبادل والردع والاستثمار في مستقبل يحقق مكاسب للطرفين. ولردع الصين عن التصعيد، يجب أن تكون واشنطن مستعدة للرد، لكن لكبح الغرور الصيني، عليها أيضاً الاستثمار في تنافسية الاقتصاد الأميركي وابتكاره وقدرته على الصمود، وفي القوى العاملة ومنظومة العلوم والتكنولوجيا.
ويجب أن تقترن جهود الحد من الاعتماد على المصادر الحيوية بخطوات تشجع التجارة والاستثمار الثنائيين مع الصين. فالشركات الصينية رائدة في تكنولوجيات أساس، مثل البطاريات، ولذلك تعد المشاريع المشتركة وتراخيص التكنولوجيا ضرورية لتمكين الشركات الأميركية من المنافسة عالمياً، بما في ذلك العمل إلى جانب الصين لا في مواجهتها فقط. وينبغي موازنة المعاملة بالمثل السلبية، المتمثلة في توسيع قوائم الكيانات الخاضعة للعقوبات، بمعاملة بالمثل إيجابية. وإذا أدير الاعتماد المتبادل، بعد تنويعه وتعزيز قدرته على الصمود، بحكمة، فسيصبح مصدراً لضبط النفس المتبادل والمصلحة في الاستقرار بدلاً من أن يكون نقطة ضعف.
أما البديل فخطر ومكلف. فاستبعاد الصين بالكامل من سلاسل إمداد التكنولوجيا والتصنيع الأميركية سيكلف 13 تريليون دولار خلال السنوات الـ25 المقبلة، وفق تحليل اقتصادي نشرته صحيفة “فاينانشيال تايمز”. وحتى إذا حدت هذه الكلفة من مساعي فك الارتباط، فإن الاعتقاد بضرورة القيام به يقوض نفوذ واشنطن، بما في ذلك قدرتها على ردع أي عدوان صيني على تايوان. وكما أشار عالم السياسة توماس كريستنسن، “ستفقد الولايات المتحدة نفوذها الدبلوماسي القسري إذا تعزز في الصين الاعتقاد بأن الأسواق الأميركية ومدخلات الإنتاج قد تحجب عنها بلا شروط”. لذلك، يتعين على الولايات المتحدة الموازنة بعناية بين الحاجة إلى تقليل الأخطار والحاجة إلى ردع العدوان.
لن يكون تحقيق هذا التوازن سهلاً، لكن أفضل سبيل إلى تعزيز الاستقرار هو زيادة المنافع التي تحققها الروابط بين هذين العملاقين الاقتصاديين، لا الاكتفاء بالحد من أضرارها. فمحاولة بناء أمن اقتصادي بلا منافع مشتركة قد تفضي إلى سلام بارد يعجز فيه المجتمعان عن الازدهار أو مواجهة التحديات المشتركة بنجاح. وبدلاً من ذلك، ينبغي للطرفين الإقرار بأن قدراً من تعزيز القدرة على الصمود وتنويع مصادر الإمداد ضروري لاستمرار التجارة والاستثمار بينهما. وإلا فإنهما يخاطران بالدخول في سباق لتكديس أوراق الضغط واستخدامها لخنق الطرف الآخر، بما يضر بالمواطنين العاديين ويزيد احتمال اندلاع مواجهة عسكرية. وتتمثل الخطوة الأولى لتجنب هذه الدوامة الكارثية في تذكر بكين وواشنطن أن هذه الأدوات الاقتصادية لم تصمم لتكون أسلحة. ومن ثم، فإن أمام البلدين فرصة، بل يقع عليهما واجب، لضمان ألا تستخدم لهذا الغرض أبداً.
غلوريا شيونغ أستاذة مساعدة في العلوم السياسية في كلية كولبي.
جيسيكا تشين وايس أستاذة كرسي ديفيد أم لامبتون لدراسات الصين في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، وزميلة بارزة غير مقيمة في مركز تحليل الصين التابع لمعهد سياسات جمعية آسيا. وشغلت منصب مستشارة أولى في فريق تخطيط السياسات التابع لوزير الخارجية الأميركي من أغسطس (آب) 2021 إلى يوليو عام 2022.
ترجمة عن “فورين أفيرز”، 18 أغسطس (آب) 2026