سندريلا عازار – صحافية لبنانية
في إطار مبادرة “طالب في كل قرية”، جابوا أنحاء البلاد، وساروا بين البلدات، وطرقوا أبواب المنازل، وتحدّثوا مباشرة مع السكّان. وساهمت هذه اللقاءات في تقويض الرواية التي روّجتها وسائل الإعلام الموالية للحكومة، والتي صوّرت المحتجّين على أنهم محرّضون خطرون مدعومون من الخارج.
عندما استقلّ الصحافي ستيفان دويتشينوفيتش الطائرة من برلين إلى بلغراد للإدلاء بصوته في الانتخابات البرلمانية الصربية التي جرت مؤخّراً، كان يعتقد أنها قد تكون زيارته الأخيرة إلى بلاده.
حجز تذكرة لرحلة لا تتجاوز يومين، وترك حاسوبه خشية التعرّض لمشكلات عند الحدود. التقى زملاءه وزار والديه، من دون أن يعرف ما إذا كان سيتمكّن من العودة مجدّداً في حال بقي ألكسندر فوتشيتش في السلطة.
يقول لـ”درج”: “كنت متأكّداً أنها ستكون زيارتي الأخيرة إلى صربيا”.
أمضى دويتشينوفيتش، رئيس تحرير “شبكة التحقيق في الجريمة والفساد في صربيا” (KRIK)، والمحرّر الإقليمي لشؤون البلقان في |مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد” (OCCRP)، سنوات في التحقيق في الروابط بين السلطة السياسية والفساد والجريمة المنظّمة، وخلال مسيرته، تعرّض لحملات تشويه ودعاوى قضائية وضغوط متواصلة.
وكان يخشى أن يؤدّي مشروع قانون بشأن “العملاء الأجانب” إلى مزيد من التضييق على الصحافة المستقلّة، ويشبّه ذلك الخوف بلحظة عبور الشارع، حين تكاد سيّارة تدهسك، قبل أن تنجو منها بأعجوبة في اللحظة الأخيرة.
هكذا يصف مدى اقتراب صربيا، برأيه، من مستقبل مختلف تماماً، قبل أن تأتي نتائج انتخابات لم يكن يتوقّعها.
فبعد نحو عامين من الاحتجاجات، نجحت حركة يقودها طلاب يفتقرون إلى الخبرة السياسية، في هزيمة المنظومة السياسية التي هيمنت على صربيا لأكثر من عقد.
وكتب دويتشينوفيتش بعد الانتخابات: “الطريقة التي فاز بها طلاب صربيا في هذه الانتخابات تستحقّ أن تُدرَّس في الكتب”.
لكنّ قصّة طلاب صربيا لا تُختصَر بإسقاط حكومة. إنها قصّة حركة بلا قيادة تقليدية، ولا أيديولوجيا سياسية موحّدة، ولا ثورة عنيفة، استطاعت تحقيق ما عجزت عنه المعارضة التقليدية طوال سنوات.
ويبقى السؤال: هل يكفي الوصول إلى السلطة لتغيير المنظومة التي لا تزال قائمة؟
زلزال انتخابي في صربيا
في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، حقّقت القائمة الانتخابية المدعومة من الطلاب أغلبية برلمانية في صربيا، متفوّقة على التحالف الذي يقوده “الحزب التقدّمي الصربي” (SNS) بزعامة فوتشيتش.
وبحسب النتائج شبه النهائية التي نُشرت في 28 تشرين الأول/ أكتوبر، حصلت “قائمة الطلاب” على 53.7 في المئة من الأصوات، ما منحها 141 مقعداً من أصل 250 في الجمعية الوطنية، مقابل 39.5 في المئة لتحالف فوتشيتش، الذي حصد 103 مقاعد، وبلغت نسبة المشاركة نحو 70 في المئة، فيما أقرّ فوتشيتش بهزيمته.
شكّلت هذه النتيجة تحوّلاً كبيراً في بلد يحكمه “الحزب التقدّمي الصربي” منذ العام 2012، وهيمن فوتشيتش على حياته السياسية، أولاً رئيساً للوزراء، ثم رئيساً للجمهورية.
وصربيا، الدولة الواقعة في منطقة البلقان، التي يبلغ عدد سكّانها نحو ستّة ملايين نسمة، مرشّحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وحافظت على علاقاتها مع الحكومات الغربية وروسيا والصين. وخلال حكم فوتشيتش، أثار منتقدون ومراقبون دوليون مراراً مخاوف بشأن استقلالية الإعلام ونزاهة العمليّة الانتخابية والفساد وتركّز السلطة السياسية.
ولم تنجح التظاهرات السابقة المناهضة للحكومة في إزاحة الحزب الحاكم، حتى الاحتجاجات الحاشدة التي أعقبت انتخابات العام 2023، والتي شابتها اتهامات بالتزوير، لم تؤدِّ إلى تغيير السلطة.
لكنّ التحدّي هذه المرّة جاء من خارج الأطر الحزبية التقليدية.
فلم تُرشّح “قائمة الطلاب” أياً من الطلاب لخوض الانتخابات البرلمانية، بل اختارت أساتذة جامعيين وأطبّاء وأصحاب اختصاصات مهنية أخرى، من بينهم طبيب القلب إيليا سردانوفيتش، والحاكم السابق للمصرف المركزي ديان شوشكيتش.
وركّزت حملتها الانتخابية على مكافحة الفساد واستعادة سيادة القانون، مع تجنّب الخوض إلى حدّ كبير في قضايا السياسة الخارجية الخلافية.
نجح الطلاب في انتزاع الأغلبية البرلمانية، لكنّ الفوز بالانتخابات لا يعني بالضرورة تفكيك منظومة السلطة التي حكمت البلاد لأكثر من عقد.
كيف تحوّلت كارثة في محطّة قطارات إلى حركة سياسية؟
بدأت الحركة في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، عندما انهارت مظلّة خرسانية في محطّة القطارات التي خضعت لأعمال تجديد في مدينة نوفي ساد، ثاني أكبر مدن صربيا، ما أسفر عن مقتل 16 شخصاً.
أثارت الكارثة اتهامات بالفساد والإهمال المرتبطين بأعمال تجديد المحطّة، وخرج محتجّون للمطالبة بالكشف عن وثائق المشروع ومحاسبة المسؤولين عن الكارثة.
لم يكن الطلاب في طليعة الاحتجاجات منذ البداية. فبحسب دويتشينوفيتش، كانت التظاهرات الأولى متفرّقة، وشارك فيها مواطنون وناشطون ومجموعات معارضة، لكنّ نقطة التحوّل جاءت عندما تعرّض الطلاب للاعتداء.
ففي 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، تعرّض طلاب وأساتذة من كلية الفنون الدرامية في بلغراد لاعتداء خلال وقفة لإحياء ذكرى ضحايا كارثة محطّة نوفي ساد. وبعد أربعة أيّام، بدأ الطلاب اعتصاماً داخل الكلية احتجاجاً على الاعتداء والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنه، قبل أن تمتدّ الاعتصامات إلى كليات وجامعات أخرى في أنحاء صربيا.
يستذكر دويتشينوفيتش: “اعتدت مجموعة من أنصار الحزب الحاكم عليهم جسدياً، وكان ذلك خطأً واضحاً.”
لكن بدلاً من ترهيب الطلاب ودفعهم إلى الصمت، أدّت الاعتداءات إلى انضمام المزيد منهم إلى الحركة، وبدأ الطلاب اعتصامات داخل الكليات، وتوقّفت الدراسة، وتشكّلت مجالس طلابية لتنظيم التحرّكات، وانضمّ إليهم أساتذة جامعيون وطلاب مدارس ثانوية ومواطنون من مختلف فئات المجتمع.
وهكذا، تحوّلت الحركة من المطالبة بالمحاسبة على كارثة واحدة إلى تحدٍّ للمنظومة السياسية برمّتها.
لكنّ هذا التحوّل لم يحدث بين ليلة وضحاها، ولم يكن حتمياً. فعلى مدى أشهر، واجه الطلاب خيارات صعبة: هل يواصلون التظاهر، أم يدخلون في مواجهة مباشرة مع السلطات، أم يخوضون المعركة عبر صناديق الاقتراع؟
ويرى دويتشينوفيتش أنّ قرار خوض الانتخابات، مع الحفاظ على الطابع السلمي للحراك، كان العامل الحاسم في نجاح الحركة.
الاستراتيجية التي نجحت: الذهاب إلى حيث لم تصل المعارضة
رغم الاهتمام الكبير بدور الجيل زد (Gen Z) والتنظيم عبر المنصّات الرقمية، يرى دويتشينوفيتش أن الاستراتيجية الأكثر فاعلية التي اعتمدها الطلاب كانت، على نحو مفاجئ، تقليدية للغاية: الذهاب إلى القرى.
فطوال سنوات، بحسب دويتشينوفيتش، ركّزت المعارضة الصربية التقليدية جهودها في بلغراد والمدن الكبرى، واكتفت إلى حدّ كبير بمخاطبة جمهور مؤيّد لها أصلاً، ويقول: “كانوا يخوضون معاركهم على وسائل التواصل الاجتماعي”.
في المقابل، كان حزب فوتشيتش قد بنى شبكات نفوذ امتدّت إلى عمق المجتمعات الريفية. أدرك الطلاب أن هزيمة هذه المنظومة تتطلّب أكثر من تظاهرات حاشدة وحملات إلكترونية.
وفي إطار مبادرة “طالب في كل قرية”، جابوا أنحاء البلاد، وساروا بين البلدات، وطرقوا أبواب المنازل، وتحدّثوا مباشرة مع السكّان. وساهمت هذه اللقاءات في تقويض الرواية التي روّجتها وسائل الإعلام الموالية للحكومة، والتي صوّرت المحتجّين على أنهم محرّضون خطرون مدعومون من الخارج.
يوضح دويتشينوفيتش: “عندما بدأ سكّان القرى يلتقون الطلاب، اكتشفوا أنهم مجرّد شبّان وشابات عاديين”.
ساعد هذا التواصل المباشر الحركة على الوصول إلى الأجيال الأكبر سنّاً والمجتمعات التي تجاهلتها أحزاب المعارضة التقليدية، كما أسهم في بناء شبكة تنظيمية استعداداً ليوم الانتخابات.
وسعى الطلاب إلى تلقّي تدريبات من منظّمات المجتمع المدني التي تمتلك خبرة في مراقبة الانتخابات، وجنّدوا مراقبين لتغطية مراكز الاقتراع، بما فيها تلك الموجودة في المناطق الصغيرة والنائية، وكان استعدادهم للتعلّم سمة أخرى ميّزت حركتهم.
يقول دويتشينوفيتش: “أدركوا أن معرفتهم محدودة، فبدأوا يتعلّمون بجدّية عن كل شيء”.
وبدلاً من الاعتماد على جيلهم وحده، استعانوا بمحامين وصحافيين وأساتذة جامعيين وخبراء في الشؤون الانتخابية. قاد الشباب الحركة، لكنّ نجاحها اعتمد على التعاون بين الأجيال.
بلا قائد، بلا حزب، بلا تصنيف أيديولوجي
رفض الطلاب أيضاً أنماط القيادة السياسية التقليدية، واعتمدوا في اتخاذ قراراتهم على مجالس طلابية مفتوحة، تُناقش فيها المقترحات ويُصوَّت عليها.
يوضح دويتشينوفيتش: “كل شيء يُحسم بالتصويت والنقاش المفتوح”، ويرى أن غياب قائد معروف عزّز ثقة الناس بالحركة. فبعد سنوات من هيمنة الشخصيّات السياسية على المشهد العامّ، بات كثير من الصرب يتوجّسون من أيّ حركة تتمحور حول شخص واحد يتمتّع بنفوذ واسع، كما جعل غياب القيادة الفردية من الصعب تشويه سمعة الحركة عبر حملات تستهدف أشخاصاً.
لكنّ قرار الطلاب الأكثر إثارة للجدل ربما كان رفضهم التعاون مع أحزاب المعارضة التقليدية، فقد أدركوا أن الاستياء الشعبي لم يكن موجّهاً ضد فوتشيتش وحده، بل شمل أيضاً سياسيين أمضوا سنوات في معارضته، من دون أن يقدّموا بديلاً مقنعاً.
لذلك، أبعدوا الأعلام الحزبية وقيادات المعارضة التقليدية عن حركتهم، وتجنّبوا تصنيف أنفسهم ضمن اليسار أو اليمين.
يقول دويتشينوفيتش: “أدركوا أنّ الحركة يجب ألّا تكون مؤطّرة بأيديولوجيا”. وتمحورت مطالبهم الأساسية حول المحاسبة على الفساد واستعادة المؤسّسات الديمقراطية.
أتاح هذا التوجّه لأشخاص من خلفيات وتوجّهات سياسية مختلفة الانخراط في الحركة، من دون الحاجة إلى الاتفاق مسبقاً على قضايا خلافية، مثل كوسوفو وروسيا والاتحاد الأوروبي والسياسات الاقتصادية.
لكنّ غياب برنامج أيديولوجي مفصّل، الذي شكّل نقطة قوّة خلال الحملة الانتخابية، قد يتحوّل إلى تحدٍّ عندما تجد الحركة نفسها أمام مسؤولية اتخاذ القرارات في الحكم.
تحقيقات استقصائية وجدت أخيراً من يصغي إليها
بالنسبة إلى دويتشينوفيتش، غيّرت الانتخابات أيضاً نظرته إلى عمله الصحافي. فعلى مدى سنوات، نشرت شبكة «KRIK» وغيرها من المؤسّسات الصحافية الاستقصائية المستقلّة تحقيقات كشفت شبهات فساد وإساءة استخدام السلطة وروابط بين سياسيين وشبكات الجريمة المنظّمة. كانت هذه التحقيقات تجذب القرّاء، لكنّها نادراً ما كانت تؤدّي إلى محاسبة فعلية، ويقول: “كنّا ننشر التحقيقات، لكنّني كنت أشعر أحياناً أن الناس لا يكترثون بما يكفي”.
ويتذكّر مراحل شعر خلالها بإحباط شديد، فيما كانت مؤسّسته تواجه ضغوطاً قضائية وحملات تشويه وهجمات شخصية، ويضيف: “مررت بفترة كنت فيها محبطاً للغاية، كنت في حالة نفسية سيّئة جداً”.
لكنّ كارثة نوفي ساد غيّرت الطريقة التي ينظر بها كثيرون إلى الفساد. فلم يعد الأمر يقتصر على سياسيين يراكمون الثروات أو أموال عامّة تختفي، بل بات مرتبطاً بموت 16 شخصاً تحت مظلّة محطّة قطارات.
ويرى دويتشينوفيتش أنّ المأساة جعلت عواقب الفساد ملموسة بالنسبة إلى الناس، ويقول: “كان من الممكن أن تكون أنت أو طفلك واقفاً هناك في تلك اللحظة”.
ويعتقد أن الصحافة الاستقصائية أسهمت، قبل وقوع الكارثة بسنوات، في ترسيخ الوعي العامّ بحجم الفساد، قبل أن ينجح الطلاب في تحويل هذا الوعي إلى حراك سياسي.
وبعد الانتخابات، بحسب دويتشينوفيتش، بدأ محامون وخبراء بإعادة مراجعة تحقيقات سابقة نشرتها «KRIK»، للنظر في إمكان الاستناد إليها لتقديم شكاوى جزائية، ويقول: “أخيراً، أصبح لكل ما فعلناه معنى، لأن تحقيقاتنا باتت تُحدث فرقاً فعلياً”.
إن احتمال تحقيق المحاسبة بحدّ ذاته تطوّر مهم، لكنّ الحصول على أغلبية برلمانية جديدة لا يمكن أن يكون بديلاً عن التحقيقات المستقلّة والقضاء المستقلّ.
خطر إسقاط الحاكم والإبقاء على منظومته
رغم تفاؤله، يحذّر دويتشينوفيتش من تحدّيات المرحلة المقبلة، ويقول: “رحل فوتشيتش، لكنّه ترك المنظومة بكاملها وراءه”.
ويرى أن النفوذ السياسي الذي تراكم خلال حكم “الحزب التقدّمي الصربي” يمتدّ إلى الإدارة العامّة والمؤسّسات الأمنية والشبكات الاقتصادية، وبالتالي، فإنّ تغيير الحكومة لن يؤدّي تلقائياً إلى تفكيك هذه العلاقات وشبكات النفوذ.
وسبق أن واجهت صربيا هذا الخطر، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2000، خسر سلوبودان ميلوشيفيتش السلطة عقب انتخابات رئاسية متنازع على نتائجها وتظاهرات شعبية حاشدة، اقتحم خلالها المحتجّون مبنى البرلمان ومقرّ التلفزيون الرسمي في بلغراد.
لكنّ الإطاحة بميلوشيفيتش لم تُنهِ الشبكات التي نشأت خلال حكمه. ففي آذار/ مارس 2003، اغتيل رئيس الوزراء الإصلاحي زوران جينجيتش، وأُدين لاحقاً أفراد من مجموعة للجريمة المنظّمة وشخصيّات مرتبطة بالأجهزة الأمنية الصربية، لدورهم في اغتياله.
يرى دويتشينوفيتش في هذه التجربة التاريخية تحذيراً ممّا قد يحدث عندما تنجو شبكات النفوذ المتجذّرة من التحوّلات السياسية.
ويخشى أيضاً أن ترث القيادة الجديدة مشكلات اقتصادية تراكمت خلال حكم فوتشيتش، من بينها الدين العامّ واتفاقيات استثمارية مثيرة للجدل. وإذا بدأت تداعيات هذه المشكلات تظهر بصورة أوضح خلال السنوات المقبلة، فقد يحمّل الناخبون الحكومة الجديدة مسؤوليتها، يقول: “الناس في صربيا يعتقدون الآن أن الطلاب سيحوّلون بلادهم إلى سويسرا خلال أسبوع”.
لذلك، سيكون على الحركة ضبط توقّعات الناس، بالتوازي مع المضيّ في إصلاحات مؤسسية صعبة، كما سيتعيّن عليها تحديد كيفية ممارسة المجالس الطلابية دوراً رقابياً على النوّاب والوزراء المنتخبين، من دون المساس باستقلالية المؤسّسات التي تسعى إلى إعادة بنائها.
درس الانتصار السلمي
بالنسبة إلى دويتشينوفيتش، قد يكون الإنجاز الأهم للحركة الطلابية هو دحض الاعتقاد بأن إسقاط حاكم متجذّر في السلطة لا يمكن أن يتحقّق إلّا بالعنف. فبدلاً من اللجوء إلى المواجهة العنيفة، أصرّ الطلاب على الحراك السلمي، قبل أن يختاروا في نهاية المطاف خوض الانتخابات.
ويستشهد دويتشينوفيتش بحملة المهاتما غاندي السلمية ضد الاستعمار البريطاني في الهند، مثالاً على قدرة المقاومة المدنية المستمرّة على تحدّي منظومات سياسية قوية، وتستند وجهة نظره إلى اعتبارات عملية وأخلاقية في آن واحد. فالاحتجاج السلمي يتيح للحركة التوسّع، لأنه يشجّع المزيد من الناس على المشاركة، فيما قد يؤدّي العنف إلى نفور المؤيّدين وتضييق قاعدة الحراك.
ويقرّ دويتشينوفيتش بأنّ كثيرين كانوا يعتقدون أن إزاحة فوتشيتش من السلطة لن تكون ممكنة إلّا بالقوّة، ويقول: “أكثر ما يسعدني هو أن الطلاب أثبتوا العكس. لقد أثبتوا أنّه يمكن في النهاية الانتصار عليهم بالوسائل السلمية تماماً”.
لم تخلُ الاحتجاجات الصربية من العنف، فقد تعرّض الطلاب لاعتداءات وتدخّلات أمنية واشتباكات خلال الحراك الذي استمرّ نحو عامين، لكنّ قيادة الحركة لم تتبنَّ المواجهة العنيفة استراتيجية أساسية لها.
ويقارن دويتشينوفيتش نهج الطلاب الصرب بأحداث العنف التي شهدتها احتجاجات في أماكن أخرى، من بينها نيبال وباريس.
لكنّ استعادة تاريخ صربيا، كما يرويه دويتشينوفيتش نفسه، تجعل الاحتفاء بهذا الانتصار أكثر تعقيداً.
فالانتصار الانتخابي السلمي لا يضمن أن تتخلّى شبكات النفوذ السياسي والجريمة المنظّمة المتجذّرة عن سلطتها ونفوذها بالوسائل السلمية أيضاً، وتواجه الحركة اليوم تحدّي إعادة بناء المؤسّسات، من دون تكرار إخفاقات المراحل الانتقالية السابقة.
رغم هذه المخاوف، لا يفقد دويتشينوفيتش ثقته بالطلاب، فما يمنحه الأمل ليس فوزهم في الانتخابات فحسب، بل قدرتهم على اتخاذ قرارات مدروسة، والتعلّم من تجارب الآخرين، والحفاظ على استقلاليتهم عن الأحزاب التقليدية.
لكنّ الوصول إلى السلطة يضعهم أمام اختبار مختلف تماماً، لا يمكن التنبؤ بنتائجه، يقول: “السلطة تبقى سلطة، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي الأمور”.
بالنسبة إلى دويتشينوفيتش، الذي عاد إلى صربيا معتقداً أن زيارته قد تكون الأخيرة، جاءت النتيجة على عكس كلّ توقّعاته.
نجح الطلاب في إثبات أن التغيير السياسي لا يستدعي بالضرورة اللجوء إلى العنف، وأن مواجهة سلطة مترسّخة يمكن أن تنجح عبر التنظيم الشعبي والعمل السلمي.
لكنّ التحدّي الحقيقي يبدأ بعد الفوز. فإزاحة من هم في السلطة لا تعني تفكيك شبكات النفوذ التي بنوها على مدى سنوات، ولا تضمن ألّا تُعيد هذه الشبكات إنتاج نفسها.
وهنا يكمن الاختبار الأصعب للحركة الطلابية: ليس فقط في قدرتها على الوصول إلى السلطة، بل في قدرتها على تغيير طريقة ممارستها.