يعود أقدم أثر موثّق لمدينة حلب، الواقعة في قلب الشمال السوري، بعيدًا عن العاصمة دمشق بنحو 310 كيلومترات، إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وقد تعاقبت على المدينة كثير من الممالك والحضارات منذ العصور القديمة، بدءًا من الحضارة الحثية، وصولًا إلى الحضارة الإسلامية بمختلف حقبها، مرورًا بالحضارات الآرامية، والآشورية، والفارسية، والهلينية، والرومانية، والبيزنطية. ووفقًا لمنظمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، فإنّ عمر حلب يتجاوز 12200 عام، أي أنّها أقدم من مدينتي دمشق وأنطاكية، الأمر الذي أهلها لكي تكون شاهدة على تحوّلات الشرق من الممالك الكنعانية قبل الميلاد إلى معركة “ردع العدوان”، التي توّجت بانتصار الثورة السورية وسقوط نظام بشار الأسد الاستبدادي في يوم 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024م.
عُرفَ عن مدينة حلب قديمًا أنّها كانت مفترق طرق التجارة القديمة لربطها بين قوافل التجارة في الشرق الأدنى وبلاد الشام على طريق الحرير، ما جعل منها مركزًا تجاريًا هامًّا يعج بالحياة، وفيه مجموعة من الأديرة والكنائس والأسواق القديمة والجوامع، وأقدمها وأشهرها جامع حلب الكبير، أو الجامع الأموي في حلب، أو جامع بني أمية الكبير في حلب، الذي يقع في حيّ “الجلوم” بالقرب من سوق المدينة القديمة في وسط حلب، والتي أدرجت على قائمة مواقع التراث العالمي عام 1986م، ليصبح جامعها الكبير جزءًا من التراث العالمي، وهو يشبه إلى حدٍّ كبير في مخطّطه وطرازه الجامع الأموي الكبير بدمشق. وقد ذهب المؤرّخ والفقيه الحنفي ابن الشحنة الحلبي (1348 ـ 1412م)، إلى أنّ “جامع حلب ينافس جامع دمشق في الزخرفة والرسم والفسيفساء”.
ويطلق أهالي حلب على الجامع الأموي الكبير اسم “جامع سيدنا زكريا” أيضًا، بسبب روايات غير ثابتة تزعم أنّ فيه قبرًا يحتوي على قطعة من جسد النبي زكريا عليه السلام.
أمّا عن تسمية المدينة باسمها الحالي “حلب”، فيذكر صاحب “موسوعة حلب المقارنة”، اللغوي والمؤرّخ الموسوعي الحلبي خير الدين الأسدي (1900 ـ 1971م)، أنّ أصل كلمة حلب يعود إلى كلمتي “حل” و”لب”، ومعنى الكلمة الأولى “حل” هو “المحلّ”، والكلمة الثانية “لب” معناها “التجمع”، فيصبح معنى كلمة حلب هو “موضع التجمع” فيما يرى بعض اللغويين العرب أنّ الكلمة هي تعريب لكلمة “حلبا” السريانية، التي تعني “البيضاء”.
ومنذ القدم، وإلى يومنا هذا، يطلق على حلب إلى جانب اسمها الحقيقي “الشهباء”، وبحسب المرويات التاريخية، فإنّ تفسير ذلك يعود للشهب، وهو البياض الذي يتخلّله السواد، وقد لقبت بهذا اللقب لبياض تربتها وحجارتها، فيما تقول أسطورة شعبية إنّ أصل كلمة “الشهباء” يعود إلى “بقرة شهباء” كان النبي إبراهيم عليه السلام يحلبها، فقيل “حلب الشهباء”، ولكنّ هذه الأسطورة لم تردّ في أي نصوص دينية.
في هذه المقالة، نلقي الضوء على أسواق المدينة القديمة في حلب الشهباء، وعلى جامعها الأموي الكبير، الشاهد على ما شهدته المدينة من كوارث مدمّرة، سواء طبيعية كالزلازل، أو بفعل الإنسان كالحرائق والغزوات والحروب.
أسواق حلب القديمة: متحف عمراني مفتوح
| أسواق حلب القديمة تُعدّ حلب من أكثر مدن العالم الإسلامي حول البحر الأبيض المتوسط فرادة في عمرانها وتصميمها، ونهضة أسواقها، وغنى تراثها، وأزقتها الضيقة المتعرّجة النابضة بالحياة، بنسيجها الموسوم بالتعدّدية الدينية والعرقية، الذي أحيا حرفها التقليدية العريقة. |
وتحتلّ مدينة حلب أهمية حيوية خاصّة في سورية تاريخيًا وراهنًا، فهي العاصمة الاقتصادية للبلاد، ومتحف مفتوح بشواهدها العمرانية الأثرية والتاريخية المتنوّعة، وقد اضطلعت بدور حضاري بارز منذ القدم في المجالين العسكري والتجاري، وتفوقت بهما في العصور والحضارات كافة، التي قامت في شمال بلاد الشام، وما وراء النهرين، منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد.
غير أنّ الحرب التي شنّها نظام الأسد ضدّ شعبه الثائر على حكمه في السنوات الـ 14 الأخيرة تسبّبت في دمار واسع للمدينة القديمة، حيث تعرّضت معظم مواقعها ومعالمها التاريخية وأسواقها إلى القصف والتخريب والنهب، وتدهورت حال بعضها الآخر نتيجة الإهمال وغياب عمليات الصيانة، وهو ما جعل المدينة تُدرج ضمن قائمة مواقع التراث العالمي المهدّدة بالخطر منذ عام 2013م، وتسعى الجهات المختصّة محلّيًا ودوليًا إلى تنفيذ خطط عاجلة لإعادة إعمار الأحياء المتضرّرة، وإعادة تأهيل المباني الأثرية والتاريخية باستخدام المواد التقليدية.
تضمّ المدينة القديمة معالم معمارية متنوّعة، مثل القلاع والقصور والخانات والحمامات والمدارس والمساجد التاريخية والأسواق، التي أخذت شكلها المعماري الحالي في مطلع الحكم العثماني، والتي تُعدّ من أطول الأسواق المسقوفة في العالم، حيث يقدر طولها بسبعة كيلومترات، وتحتفظ بطابعها الشرقي الأصيل منذ القرن الثالث عشر وحتّى الآن، كما تغطي منطقتها الواسعة مساحة 16 هكتارًا، ويمتدّ أهم محور فيها من القلعة شرقًا إلى باب إنطاكية غربًا، وهي تشتمل في الوقت نفسه على أسواق موازية للمحور، أو متعامدة معه، وتمتاز أسواق المدينة بلمسات عمرانية فريدة يعانق بريقها غطاء السوق المكوّن من أسقف حجرية تتموضع على شكل عقد بديع التكوين، لتظلّل أرضية حجرية مرصوفة بإتقان تعكس البرودة صيفًا، والحر شتاءً.
| أسواق حلب القديمة |
وكغيرها من معالم المدينة القديمة، التي ظلّت لقرون شاهدًا على تاريخ المنطقة، تعرّضت الأسواق لأضرار جسيمة خلال سنوات الحرب الماضية. لكنّ إرادة أبناء حلب دفعتهم إلى إعادة إعمار أسواق مدينتهم بحرفية عالية، مستخدمين في كثير من الأحيان المواد الأصلية ذاتها، حفاظًا على إرثها الحضاري وتراثها المعماري والحرفي الفريد.
يبلغ تعداد الأسواق في المدينة القديمة بحلب 37 سوقًا، ويذكر صاحب كتاب “نهر الذهب في تاريخ حلب”، المؤرّخ والشاعر الحلبي كامل الغزي (1853 ـ 1933م)، أنّها “كانت تضمّ 15 ألف دكان، يتميّز كلّ منها بتخصّص مستقلّ بنوع من المنتجات، أو القطع الحرفية، كالأقمشة الحريرية منها والمطرزة، والعباءات والسجاد اليدوي، والزجاجيات على اختلاف أنواعها، والصابون الطبيعي والمعطر، والقطع المعدنية الذهبية والفضية والنحاسية، والجواهر والعطور، وغيرها”.
من أشهر الأسواق الحلبية القديمة، سوق السقطية، وتكمن أهميته في كونه عقدة وصل بين سوق باب انطاكية وسوق العطارين، إذ يقع إلى الجنوب من الجامع الأموي الكبير، وإلى الغرب من سوق العطارين، على مقربة من اثنتين من أعرق خانات حلب، “خان الحرير”، و”خان البنادقة”، وهو عبارة عن ثلاث قباب مدبّبة من الداخل ومرتفعة ترتكز على قطع معمارية ركنية. وسوق الصابون الذي كان يعرف بسوق البلاط، وسوق الزرب الذي يسمّى نسبة إلى الزرابي، وهي نوع من المنسوجات اليدوية، وسوق العبي، أو النشابين، وإلى الشمال من سوق العبي يقع سوق الدهشة الذي سمي هكذا بسبب عرضه وارتفاعه. وسوق البالستان، والاسم محرّف عن كلمة “برستان”، وهي كلمة فارسية تعني بيع البضائع السيئة، أو الرديئة، واصطلاحًا تطلق على سوق الألبسة المستعملة، وتسمّى أيضًا الباذستان، أو البازرجية، وهو يصل بين سوق الحراج وسوق إسطنبول الجديدة الذي ينتهي عند سوق العطارين، وفيه تباع التوابل وتوابعها، إضافة إلى سوق الحدادين، وسوق الحور الذي يقع بين سوق السقطية وسوق الجنفاص، ويباع فيه الحور وهو نوع من الجلود، وسوق الشام الملاصق لخان النحاسين، وفيه تباع بضائع الشام، وسوق إسطنبول، وهو سوق قديم داخلي من باب الجامع الكبير حتّى القنطرة، وخارجي مطلّ على الجامع، وكانت تباع فيه بضائع إسطنبول قديمًا، وسوق الطرابيشية، أو الصايات، وكان مخصّصًا لبيع الطرابيش، وحلّت محلّها تجارة الأقمشة، وسوق الحراج المتخصّص ببيع الحطب والفحم، وسوق الصياغ، وفي حلب أسواق عدّة للصاغة.
الجامع الأموي الكبير
| دمار مئذنة المسجد الأموي في حلب |
بعد سنواتٍ من إغلاقه، أُعيدَ افتتاح الجامع الأموي في حلب للمصلّين في 12 مارس/ آذار 2025م، عقب انتهاء المرحلة الأولى من عملية ترميمه وإعادة تأهيله، جرّاء الدمار والأضرار المتنوّعة، كالحرائق، والقذائف، والشظايا المتطايرة، التي تعرّض لها الجامع وأسواق المدينة القديمة المحيطة به، بسبب تصاعد المعارك بين قوّات نظام الأسد البائد ومقاتلي المعارضة عام 2013م، والتي حوّلت المدينة إلى منطقة معارك عسكرية، وكثّفت قوّات النظام قصفها المدفعي والجوّي وإلقاء البراميل المتفجرة على مدينة حلب القديمة. لكن ورغم الأضرار الجسيمة لم تتأثّر وقتئذ أجزاء كبيرة من الجامع الأموي. ولاحقًا ـ ومع استمرار قصف قوّات النظام ـ تعرّض مصلى النساء لعملية حرق كاملة، فيما لم يتعرّض مقام النبي زكريا عليه السلام في تلك الفترة للتدمير.
ووفقًا لمصادر رسمية في حلب، فإنّ هنالك بعض الأجزاء من الجامع أصابها دمار كامل بنسبة 100%، وهنالك أجزاء أقلّ ضررًا، ما استدعى الفريق المسؤول عن الترميم إلى استغراق وقت طويل في إنجاز العمل، لأنّ الجامع معلَم ديني له خصوصيته الأثرية والحضارية.
وهذه ليست المرّة الأولى التي يتعرّض فيها الجامع الأموي في حلب للدمار والتخريب، فقد عاصر أحداثًا ووقائع وحروبًا عاشتها بلاد الشام، لكنّه ظلّ صامدًا ورمّمه سلاطين وأمراء، وتعرّض لحرائق وعمليات تخريب ونهب، وكانت أوّل كارثة حلّت بالجامع، وفقًا لصاحب كتاب “تاريخ حلب”، المؤرّخ الحلبي أبو عبد الله العظيمي (توفي عام 1161م)، في عام 962م بسبب الإمبراطور البيزنطي نيسفوروس، الذي قام بعد احتلال المدينة بحرقه بشكلٍ كامل.
وفي عام 973م، تمّ نهب المدينة، وحرق جامعها الأموي، عندما استولى الفاطميون على حلب بعد القضاء على الدولة الحمدانية، ولكن الأمير نور الدين زنكي الذي استعاد المدينة عام 1158م في عهد الدولة الزنكية، قام بتجديده مجدّدًا.
وفي عام 1259م، استولى المغول بقيادة هولاكو خان على حلب فأحرقوا الجامع، ودمّروا المدينة، وذلك مباشرة بعدما خربوا بغداد ودمّروها، وهي التي كانت مركز الحضارة الإسلامية حينها.
أمّا في العصر الحديث، وتحديدًا في شهر أبريل/ نيسان 2013م، فتعرّض الجامع الأموي في حلب إلى كارثة محقّقة على يد قوّات النظام البائد بعد اندلاع الثورة السورية، حيث أسقطت القذائف مئذنته التاريخية، وحوّلتها إلى ركام، كما أحرقت جنبات الجامع، وتضرّرت قاعات الصلاة فيه. وكانت المئذنة فريدة من نوعها على مستوى المعمار، وقد وصف عالم الآثار الألماني إرنست هرتسفلد (1879 ـ 1948م) النمط المعماري للمئذنة بأنّه “نتاج حضارة البحر المتوسط”.
وتشير المصادر التاريخية، إلى أنّ ارتفاع المئذنة وصل إلى 54 مترًا، ورمّمت وأدخلت عليها تحسينات أكثر من مرّة، وعُدَّت نموذجًا لتطوّر الهندسة في العهدين الأيوبي والمملوكي تحديدًا.
وتذكر المصادر أنّ المماليك منحوا اهتمامًا ملموسًا للجامع الأموي في حلب، خاصّة الملك الظاهر بيبرس، وقلاوون، وابنه الناصر محمد، الذين رمّموا الجامع وزينوه بالنقوش والزخارف الإسلامية، كما بنوا محرابًا يشير إلى اتّجاه القبلة، وفي أيام بيبرس كان المحراب الأصفر للحنابلة، والمحراب الكبير للشافعية، والمحراب الغربي للحنفية، أمّا الشرقي فكان للمالكية.
وفي عام 1285م، أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون بتشييد المنبر الجديد، أو ما يطلق عليه “منبر الواعظ”.
| أسواق حلب القديمة.. متاحف شرقية في الهواء الطلق |
وكان صاحب كتاب “رحلةُ ابن جُبَير”، الجغرافي والرّحالة الشاعر ابن جُبَير الأندلسي (1145 ـ 1217م)، زار الجامع الأموي الأشهر والأكبر بحلب، وأحد التحف المعمارية في العالم الإسلامي، خلال رحلته إلى المدينة عام 1183م، وقال في وصفه: “وهذا الجامع من أحسن الجوامع وأجملها، قد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متّسع، مفتح كلّه أبوابًا قصرية الحسن إلى الصحن عددها ينيف عن الخمسين بابًا، فيستوقّف الأبصار حسن منظرها. وفي صحنه بئران معينتان، والبلاط القبلي لا مقصورة فيه، فجاء ظاهر الاتّساع رائق الانشراح، وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره، فما أرى في بلد من البلاد منبرًا على شكله وغرابة صنعه، واتّصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب، فتجلّلت صفحاته كلّها حسنًا على تلك الصفة الغريبة، وارتفع كالتاج العظيم على المحراب، وعلا حتّى اتّصل بسمك السقف، وقد قوس أعلاه وشرف بالشرف الخشبية القرنصية، وهو مرصع كلّه بالعاج والأبنوس، واتّصال الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلية دون أن يتبين بينهما انفصال فتجتلي العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا. وحسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف”.
ترميم المنبر وإعادته إلى مكانه بعد التحرير
أمر ببناء “أموي حلب” الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، بين عامي 716 و718م، ليضاهي به “أموي دمشق” الذي بناه شقيقه الخليفة الوليد بن عبد الملك. بينما تشير مصادر تاريخية أخرى إلى أنّ الوليد هو الذي أمر ببنائه.
يعود الشكل الحالي للجامع إلى القرن الحادي عشر الميلادي حتّى القرن الرابع عشر الميلادي، وتعرّضت مئذنة الجامع التي بنيت عام 1090م لأضرار بالغة خلال سنوات الثورة السورية الأولى، وتحديدًا في أبريل/ نيسان 2013م. ويتمّ الآن ترميم الجامع بدقّة لإحيائه مع الحفاظ على نسيجه التاريخي.
يقوم الجامع اليوم على مساحة يبلغ طولها 105 أمتار من الشرق إلى الغرب، ويبلغ عرضها نحو 77.75 متر من الجنوب إلى الشمال. وللجامع أربعة أبواب، شمالي قرب مكان المئذنة، وغربي يطلّ على شارع المساميرية، وشرقي ينفذ إلى سوق المناديل، وجنوبي قرب سوق النحاسين، وكان له صحن واسع محاط بأروقة ثلاثة.
أمّا الجدران المحيطة بالجامع فهي سميكة جدًا، وتبلغ سماكتها نحو مترين، وارتفاعها قرابة 9 أمتار. بينما غرفة الصلاة قائمة على 80 عضادة موزعة على أربعة صفوف متوازية لجدار القبلة، في كلّ صفّ منها 20 عضادة.
ووفقًا لما يذكره متخصّصون بالآثار الإسلامية في العالم، فإنّ الأرض التي بُني عليها الجامع كانت ساحة دائرية تقام عليها النشاطات الرياضية والسياسية والروحية في العهد الهلنستي قبل الميلاد، ومن ثمّ أصبحت حديقة لكاتدرائية القديسة “هيلانة” أم الإمبراطور قسطنطين العظيم، خلال الحكم الروماني لسورية.
ولمنبر الجامع الأموي الكبير في حلب حكاية يذكرها الباحث الحلبي المهندس الدكتور نور الدين التنبي، مفادها أنّه “كان بحلب نجار يعرف بـ”الأختريني” من قرية “أخترين” ليس له قرين في براعته وصنعته، فأمره نور الدين الزنكي بعمل منبر للمسجد الأقصى قبل فتح بيت المقدس على أمل أن يفتحه، وقال له: “اجتهد أن تأتي به على النعت المهندم والنحت المهندس”، فجمع النجار الأختريني الصنّاع وأحسن الإبداع، وأتمّه في سنين واستحقّ بحقّ إحسانه التحسين. وحدث حريق في جامع حلب الأموي الكبير أيام نور الدين الزنكي، واحترق منبره، فاحتيج إلى منبر فنصبَ ذلك المنبر وكان حسن المنظر، فقام النجار الأختريني بعمل محراب آخر مشابه تمامًا للمحراب الأوّل لا فرق بينهما ومن شاهدهما لا يرى أي اختلاف بينهما، بل هما توأمان في الشكل وحسن الصنعة. وفي (رجب 583 هـ/ أيلول 1187م) فتح السلطان صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس، وكان الصليبيون قد اغتصبوه سنة (492 هـ/ 1098م)، وبقي في أيديهم 91 سنة، وصلى صلاح الدين الأيوبي فيه صلاة الجمعة والمسلمون معه في قبة الصخرة، وكان الخطيب والإمام (محيي الدين محمد بن أبي الحسن بن الزكي قاضي دمشق)، ثمّ عَينَ فيه صلاح الدين الأيوبي خطيبًا وإمامًا للصلوات الخمس، وأمر بصنع منبر له، فقيل له إنّ نور الدين الزنكي صنع بحلب منبرًا وأمر الصنّاع بالمبالغة في تحسينه وإتقانه، وقال: هذا قد عملناه لينصب بالبيت المقدس فعمله النجارون في عدّة سنين لم يعمل في الإسلام مثله، فأمر بإحضاره فحُمل من حلب ونُصبَ بالقدس إلى جانب محراب المسجد الأقصى، وكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على 20 سنة. وقيل: إنّ صانعه الأختريني مات قبل تركيبه وعجز الناس عن تركيبه، فرآه ولده في النوم فقال له: عجزتم عن تركيبه؟ قال: نعم، فأراهم كيفية التركيب فأصبح ولده وركّبه”.
ونظرًا لما يمثّله هذا المنبر من قيمة دينية وتاريخية، بادر شبابٌ من خريجي كلّية العمارة وقسم الآثار في جامعة حلب، في الأشهر الأخيرة من عام 2013م، وإثر احتدام المعارك بين مقاتلي المعارضة وقوّات نظام الأسد، إلى تأسيس “الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث” للحفاظ على التراث الأثري الحضاري والمعماري والعمراني، ميراث مدينتهم حلب؛ إحدى أقدم مدن العالم المأهولة. وقد هبّ هؤلاء الشباب إلى تفكيك منبر الجامع الأموي وقاموا بنقله مع المكتبة الوقفية ـ بما فيها من مخطوطات نادرة ـ بسرّيةٍ تامّةٍ إلى مكان غير معروف. وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأوّل الماضي، احتفى الحلبيون في الأشهر الأولى من العام الحالي بإعادة المنبر إلى الجامع الأموي، بعد غياب أحد عشر عامًا، تنقّل فيها بين مواقع مختلفةٍ بسرّيةٍ تامّةٍ وحُفظ في أماكن متعدّدةٍ، حتّى إعادته إلى مكانه.