تحل في الأيام الحالية ذكرى مؤلمة لدى الأكراد السوريين، وهي تجريد أكثر من 120 ألفا منهم من الجنسية السورية مطلع ستينيات القرن الماضي، وهو ما كانت له تبعات اجتماعية وسياسية جمّة، فقد حُرموا من حقوق المواطنة التي عادت لعدد كبير منهم مع بداية الثورة السورية عام 2011، حين حاول النظام تحييد الشارع الكردي من خلال منحهم هذا الحق. ولم يغب عن الذاكرة الكردية السورية الإحصاء الذي أجرته الحكومة السورية في أكتوبر/تشرين الأول 1962، الذي استند إلى مرسوم تشريعي حمل رقم 93، وصدر في العام نفسه، وقضى بإجراء إحصاء عام لسكان محافظة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي من البلاد. وأفضى الإحصاء إلى تجريد نحو 120 ألفاً من الجنسية واعتبارهم “أجانب” تحت ذريعة قدومهم إلى سورية بـ”هجرة غير شرعية” من تركيا. وأكدت شبكة “ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة”، وهي “مبادرة مستقلة توفّر إطاراً جامعاً للتنسيق والتضامن والدفاع عن الحقّ في الجنسية والاعتراف بالشخصية القانونية”، أن “إحصاء 1962، وما تَبِعه من سياسات إقصائية، خلّف واقعاً مأساوياً جُرّد بموجبه مئات الآلاف، وغالبيتهم من الأكراد، من حقّ المواطنة، وانقسم المتضررون إلى “أجانب الحسكة”، الذين سُجّلوا في دفاتر خاصة وحملوا بطاقات حمراء داخل وطنهم، وإلى “مكتومي القيد”، الذين تُركوا بلا أي سجلٍّ مدني أو وثائق قانونية. وأشارت الشبكة إلى أن “آلاف الأسر، توارثت آثار الحرمان عبر الأجيال، فكبر أطفالٌ بلا أوراق وهوية قانونية، وحُرموا من الشخصية القانونية وما يتفرّع عنها من حقوق أساسية: التعليم، والصحة، والعمل، والملكية، والقدرة على التنقّل والتمثيل والمشاركة العامة”.
أزمة الأكراد في سورية
في السياق، بيّن الباحث التاريخي فارس عثمان في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن الهدف الرئيسي كان “تجريد الأكراد من الجنسية السورية تمهيداً لتهجيرهم من المنطقة، وليس إحصاء السكان”. وأوضح أن الإحصاء “أجري بيوم واحد في محافظة مساحتها 32334 كيلومتراً مربعاً، فيها عشرات المدن والبلدات وآلاف القرى ذات طرق غير معبدة (ترابية)، تفتقر إلى وسائط النقل والمواصلات”، مضيفاً: “تألف كادر الإحصاء من 300 معلم كان أغلبهم من مدينة حلب تم تدريبهم وتوجيههم وتعبئتهم ضد الأكراد، بذريعة أنهم ليسوا من سكان البلاد وقد تسللوا إلى سورية بطرق غير قانونية”. وأشار إلى أن الحكومة التي أجرت الإحصاء والحكومات المتعاقبة “لم تفصح عن العدد الحقيقي للمجردين من الجنسية ولا عدد المكتومين”، مضيفاً: “تجاهلت النداءات والمطالبات الوطنية والدولية بوضع حد لمعاناة المجردين من الجنسية والكشف عن سجلاتهم الأصلية وإعادة الجنسية الوطنية إليهم”.
فارس عثمان: تجريد الأكراد من الجنسية السورية كان لتهجيرهم
بدوره، أوضح الحقوقي زكي حجي، وهو أحد ضحايا انعدام الجنسية في حديث مع “العربي الجديد”، أن الحكومة في عام 1962 أطلقت على الذين جردتهم من الجنسية تسمية “أجانب تركيا”، مشيرا إلى أن أنقرة اعترضت على التسمية فجرى تعديلها إلى “أجانب محافظة الحسكة”. وعانى الأكراد السوريون سواء الذين يملكون الجنسية أو المحرومون منها، من الإقصاء والتهميش منذ انقلاب حزب البعث عام 1963 وحتى عام 2011 حين اندلعت الثورة ضد نظام بشار الأسد، الذي حاول استمالة الأكراد وتحييد شارعهم عن الحراك الثوري من خلال إصدار مرسوم في إبريل/نيسان 2011، نصّ على “منح المسجلين في سجلات أجانب الحسكة الجنسية السورية”، في إشارة إلى الأكراد في شمال شرق سورية، على أن يكونوا داخل البلاد ويقدموا وثائق تثبت وجودهم في سورية قبل عام 1945. وبحسب تقرير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” (منظمة حقوقية غير حكومية)، ونقلاً عن مصادر من مديرية الأحوال المدنية بالحسكة: بلغ عدد الأجانب في قيود مديرية الأحوال المدنية “دائرة النفوس” لغاية السابع من إبريل 2011، 346242 شخصاً، بينما بلغ عدد مكتومي القيد، 171258 شخصاً.
من جانبها، قدّرت شبكة “ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة” عدد المحرومين من الجنسية حتى عام 2011 بأكثر من 517 ألف شخص، موضحة أنه “رغم أن المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 2011 أعاد الجنسية لغالبية فئة الأجانب، إلا أنه ظلّ أكثر من 150 ألف شخص، ومعظمهم من مكتومي القيد، خارج إطار الجنسية”. واستعاد عدد كبير من الأكراد الجنسية بعد صدور المرسوم، ما خلا البعض ممّن لم يستطع الحصول على الهوية السورية بسبب الإجراءات البيروقراطية التي كانت في عهد النظام البائد، وفق مصادر حقوقية في الحسكة، أشارت إلى أسباب أخرى، ومنها الهجرة إلى بلدان أخرى سواء قبل انطلاق الثورة عام 2011 أو بعدها. وأوضح الصحافي عبد الحليم سليمان، وهو من منطقة رأس العين، شمال غربي الحسكة، وهو من المجردين من الجنسية، في حديث مع “العربي الجديد”، أن جميع من تم تجريدهم من الجنسية: “لم يرتكبوا اي جرم سياسي أو جنائي”. وأشار إلى أن “الحركة السياسية الكردية حملت هذا الملف في جميع محطاتها، وناضلت من أجله بالوسائل الممكنة داخل سورية وخارجها طيلة عقود”.
الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان
ورأى السياسي الكردي، رديف مصطفى، في حديث مع “العربي الجديد”، أن قرار تجريد الأكراد من الجنسية كان “انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان”. وأوضح أنّ من بين الذين جُرّدوا من الجنسية رئيس الأركان في الجيش السوري في حينه اللواء توفيق نظام الدين (1911- 1998)، مشيراً إلى أن “الكثير من المواطنين السوريين تحولوا إلى مجردين من جنسيتهم لأسباب سياسية عنصرية”. وقال: عانوا لزمن طويل من الآثار الكارثية لهذا الانتهاك الخطير على الصعد كافة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وينتشر الأكراد في سورية في العديد من المدن والبلدات، بما فيها دمشق، إلا أن وجودهم التاريخي يتمركز في منطقتي عفرين، وعين العرب (كوباني) في ريف حلب، وفي محافظة الحسكة خصوصاً، في منطقة القامشلي على طول الشريط الحدودي بين سورية وتركيا. وللأكراد اليوم حضور عسكري كبير في المشهد السوري من خلال “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تسيطر على الثلث الأغنى بالثروات في البلاد، وتبحث عن اتفاق مع دمشق يبقيها الجهة المسيطرة على ما بات يُعرف بـ”شرق الفرات”، فضلاً عن مكاسب سياسية وثقافية كردية واسعة.
واعتمدت الحكومة السورية الحالية ما بُني على مرسوم عام 2011، وأفصحت اللجنة العليا للانتخابات لـ”العربي الجديد”، في أغسطس/آب الماضي، أن الأكراد الذين حصلوا على الجنسية السورية بدءاً من إبريل 2011 “مواطنون سوريون يحق لهم المشاركة في العملية الانتخابية البرلمانية انتخاباً وترشيحاً”. كما أوضح رئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني الكردي، رضوان سيدو، لـ”العربي الجديد”، أن “المرسوم الصادر عام 2011 يتيح لكل من شمله، حق الترشح والانتخاب”، مشيراً إلى أن من لم تُستكمل معاملاته يُعد مواطناً أيضاً “وهذه الصفة تمنحه الحق ذاته في الترشح والانتخاب”.
المصدر العربي الجديد