فدوى العبود
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كتب عبد الرحمن الكواكبي “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، وللمؤرخ الأميركي تيموثي سنايدر في هذا المجال “عشرون درسًا في مقاومة الطغيان”، وكتبَ جمال بدوي “الطغاة والبغاة” إذ بيّن “أنه إذا دخل الاستبداد من الباب، هربت الحرية والكرامة والأمن وحقوق الإنسان من النافذة”، حينها لا ينشد الإنسان سوى العيش في أدنى مقوّماته بل إن الحياة التي يتركها الطغيان “أشبه بحياة القطيع ليس فيها من النشاط الإنساني سوى إشباع الغرائز” فلا يعتبر مجرد استبداد سياسي بل حالة وجودية وقدر محتوم، ودور الفن والأدب أن يشرّح هذا المرض وعوامل وجوده.
وهذا ما يتابعه الروائي والكاتب السوري نبيل سليمان في كتابه “طغيانياذا” (*)، وهو حفريات وحكايات عن تغلغل الأخير في الحياة والفن عبر أحداث واقعية وقصص تراثية وأعمال روائية منها: “حفلة التيس” للروائي ماريو بارغاس يوسا، وأعمال واسيني الأعرج وسالم بن حميش وغيرهما.
ينقّب الكتاب في جذوره التاريخية الغابرة والراهنة، متنقلًا بين اللغة والثقافة والأغنية ويشكّل بفصوله الأربعة “أصناف الطغاة”، “أخيولات للطغاة”، “تفكيك الطغيان”، و”ألوان الطغيان” تحليلًا لمقومات وجود المستبد والمنابع الذاتية والواقعيّة التي تغذيّه فتمدّه بأسباب الحياة في راهننا المتداعي.
وفي الفصل المعنون بـ “نقضِ ثقافة الطغيان”، يشرّح آليات تغلغل الأخير إلى روح الثقافة، ولا سيّما المؤسسات الثقافية التي نابت عن الرقابة خلال نصف قرن مضت “حيث باتت الاتحادات قناة رسميّة تبثّ الأيديولوجيا الحاكمة وتسوّق لخطابِ الحاكم”.
يوسع المؤلف فرجة البيكار، من الثقافة بمعناها الضّيق المؤسساتيّ، إلى المجتمعات “ذات الثقافة المأجورة”، كالقنوات الفضائيّة ومحطات البث والإنترنت ووسائل الميديا التي تعمل على تشويه الوعي، لا يقتصر ذلك على القنوات التي تبث أيديولوجيا متشددة؛ بل يمتد إلى الخطاب الثقافي الناعم الذي يوحي بالديمقراطية وصولًا للرياضة التي تصبح فيها مجرد متفرج ومشجع بلا حاسة نقديّة، بل إن العولمة وتمثلاتها من فنون هابطة وإثارة إعلاميّة تعتبر المظهر الأعمق للطغيان الثقافي على الجمهور الخاضع لسطوة وسائل إعلام متطوّرة.
والأخطر في ثقافة الطغيان لا يأتي من الطاغية بل ممن حوله، المثقف أو الشاعر الذي يتحالف مع الأخير، فيتحول إلى داعم لرؤاه ومسوق لها. كما يعطي مثالًا عن تحول المثقف إلى رائد لمشاريع ثقافية تدهورت تدريجيًا لتصبح شموليّة ويذكر في هذا الصدد ميشيل عفلق، وأنطون سعادة وخالدة بكداش في ثلاثينيات القرن العشرين.
ولعلّ من أهم أدوات الطاغية أو ملامحه الظاهرة “الخطابيّة”، أو اللغة الشعاراتية المنفصلة عن واقعها والتي تبنيه بطريقة هزلية مضللة. وقد وصف أحد معاصري الحجاج بقوله “ما رأيت أحدًا أبينَ من الحجاج، كان يرقى إلى المنبر، فيذكر إحسانه إلى أهل العراق، وصفحه عنهم وإساءتهم إليه فأحسبه صادقًا، وأظنهم كاذبين”.
يذكر نبيل سليمان الأمثلة على ذلك خطابية “وزير خارجية العراق محمد سعيد الصحّاف والتي أتت بالتزامن مع خطابيّة عمرو خالد في الفضائيات”، ثم ينتقل إلى نقد الطغيان العولمي، الذي يشكل مع المحلي وجهين لعملة واحدة رغم تباين الخطاب ليوضح ما تحدث عنه جون بيرجر بالاستراتيجية الأيديولوجية لهذا الطغيان، فالخطاب العولمي يفور بصيغ من قبيل “الديمقراطية والعدالة وحقوق الفرد والإرهاب، لكن التلاعب بكل صيغة وتعبير يجعلهما كلمة سرّ تتداولها العصابة التي سرقتها من البشرية”. إذ يمتد أثر الطغيان إلى التلاعب وتشويه اللغة. عبر أساليب مختلفة أهمها “إضرام لهب الخصوصيّة الثقافيّة، مع تصدير ثقافة ما بعد الحداثة إلى العالم ما بعد الكولونيالي”.
وهذا العدوان الرمزي على سائر الثقافات وهجوم قيم وتدمير أخرى، مرده ربما أن أميركا التي تقود هذه الحملة الرمزية بلا تاريخ، إذ يتقاطع الطاغية العربي مع الطاغية الأميركي باستخدام لغة اللاهوت لتبرير سوءات أفعاله التي يتولى المثقف السمسار الترويج لها وهو بخلاف المثقف النقدي والمثقف المبدع “حيث تنشط قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة لتغيير ثقافة الواقع”. وكل هذا لا يعني الثقة بالمثقف، لاتسامه بما أطلق عليه بول جونسون ” الفردانية والأنانية والانشقاق” ويحذّر الكاتب من أي تجمع للمثقفين إذ يصبحون حينها خطرين “لأنه – بحسب جونسون- ذلك يساعدهم على خلق مناخ عام من الآراء والأفكار التي تؤدي لمسارات غير منطقية، ومدمرة”.
يميّز الكاتب بين “ثقافة طغيانية”، “ومثقف طغياني”، و”ثقافة نقيض” و”مثقف نقيض” ومن خلال الأخير تزدهر “فضائيّات الطغيان”، فالكثير منها نشأ في 2011، إذ تحرص هذه القنوات على الترويج للكراهية تحت شعارات دينيّة، وهي بخلاف قنوات وسطيّة أو تنويرية ستتحول إلى منبر تحريضي إذ أن أثرها على الوعي والرأي العام كارثي. ولن تتوقف أذرع الطغيان على الثقافة بل ستمتد إلى الأغنية. ولا سيّما تلك التي تمزج بين الوطن وشخص الحاكم؛ ويتوسع إلى الأغنية الطائفية وأغاني تقديس الطغاة أو المعارضة لهم. وأغلبها يتسم بالمباشرة ومخاطبة الحسّ الشعبيّ وإثارة دوافعه والقليل منها ما يصمد في اختبار الزمن.
يحلل المؤلف دراسة تيري إيجلتون وحفرياته في كتاب “الإرهاب المقدّس”، فالأخير يبحث في “الديونيسيوسيّة” معتبرًا “ديونيسيوس” أحد أقدم القادة الإرهابيين، حيث الإرهاب حدث “دادائي” أو سريالي يصعب فهمه.
ويناقش مفهوم كانط الساذج الذي اعتقد “أن الشرّ الشيطانيّ مستحيل”، بل إنه وبخلاف هذا التصور وهذه القناعة؛ “فالأشرار ليسوا مستعدين لسفك الدماء فقط بل إنهم يبتهجون بهذا الفعل”، ولكن كل هذا لن يكون متاحًا من دون العبث بما يشكل ذاكرة الإنسان وبيته الأول والمأوى كما رآها هايدغر: “اللغة كبيتٍ للوجود”، إنها أداة المستبد وعكاز حكمه وركن من أركان سيطرته. إذ عبرها يسحر ويسيطر، يفرق الشمل ويجمع المتفرق. وقد وصف أحدهم الحجاج “بأنه كان بارعًا بالتدليل الخطابيّ الذي يكفل الإقناع، أو على الأقل يزعزع الرأي المعارض له”.
هذه البلاغة والخطابة للمستبد تسندها ولا شك أدوات، ويتحرى مؤلف “طغيانياذا” ذلك النوع من الناس الذين يستخدمهم المستبد أو أدوات الطاغية الذين يتسمون بكونهم بلا هوية إنسانية فمنهم من يسمى شبيّح ومنهم من يسمى “بلطجي” لكن الأخطر والأشدّ فتكًا من هؤلاء هو المثقف الذي يبرر الاستبداد بدلًا من مقاومته.
وفي الفصل المعنون بـ “ثقافة القصل” يفكك ثقافة الخوف وجذورها ويورد قولًا عن الحجاج بن يوسف الثقفي “والله لا آمر أحدًا أن يخرج من باب من أبواب المسجد، فيخرج من الباب الذي يليه إلاّ ضربت عنقه”، حيث سترتبط ثقافة القصل بالخوف الذي يملك العباد والفؤاد، ولعل من أهم الأعمال التي ناقشت هذه الثيمة- كما ترد في الكتاب- رواية “أسرار القصور” لأمين أرسلان، 1897 ورواية “اللاّز” للطاهر وطار، 1974″، ورواية “باردة كأنثى” لإسماعيل يبرير، 2013، وفي الرواية السورية “حارس الخديعة” لخالد خليفة، ورواية “جنود الله” للروائي فواز حداد.
وفي السياق ذاته تأتي “حفلة التيس” التي كتبها الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا، و”أصابع لوليتا” للروائي واسيني الأعرج، إذ تظهر هذه الأعمال مراحل تحول المناضل إلى طاغية حين يصل إلى سدة الحكم. وفي أحد الفصول يستحضر المؤلف شخصيّات روائية ليضعها وجهًا لوجه في محاكمة مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
إن ما يريد الكتاب قوله يتعلق بكون “السردية الكبرى للطغيان وحكايته عبر العصور، تؤكد أنها لا تموت، أو بتعبير الشاعر السوري محمد الماغوط: الطغاة كالأرقام القياسية، لا بد أن تتحطم في يوم من الأيام”.
ومع أن الطغيان لا يختزل في شخص الحاكم بل يتسلل إلى لغتنا وأنماط تفكيرنا، فيبدو أعقد مما يظن وسيظهر في تمثلات وتجليات لا نهائية تبدأ بالحب في بلاد الطغيان ولا تنتهي بالموت؛ لكن مقاومته لا تحتاج لأكثر من فكر حر وروح نقدية ورؤية فارقة في النظر للعالم. تبدو الكتابة عن الطغيان دعوة لليقظة، في مرحلة تتميز بالعسف والقهر، وانخفاض منسوب الحرية، مما يجبر الروح على حمل ما لا تطيقه من الرمال والأتربة التي تؤدي لانخفاض مستوى الرؤية والإنسانية وارتفاع منسوب التوحش.
في كتابه “الخطاب النقدي لما بعد الحداثة” سأل إيهاب حسن “من المسؤول عن إدارة هذه الأكاديميّات التي تتسم بقواعد قبول صارمة وطقوس تخرج مروّعة، وخريجين من الموتى؟”. لا يوجد جواب، فالسؤال هو الأكثر فاعلية ومنه تبدأ خطوط المقاومة. بالتأكيد، لا يمكن اختزال الطغيان في شخصيّة الطغاة وأنواعهم؛ بل في السؤال عمن يصنع هؤلاء؟ ومن يسهم في ولادتهم في ليل حياتنا. ربما يكون الجواب أقرب إلينا مما نظن… ربّما… نكون “نحن”.
- كاتبة سورية.
- (*) نبيل سليمان، طغيانياذا، دار لوسيل، 2018.