وجّه بندقيته الروسية إليَّ وحرَّرَ مسمار الأمان، وحدّقَ بي مباشرةً وقال: «ارْجِعْ للخلف، ارْجِع خطوتين للخلف وتشاهد على روحك». قلت له ساخطاً: «ليش؟ خايف دمي يطرطش عليك؟ دمي بيطهّرك، يلا قووس، خَلِّص».

ردّ بغضب: «ارْجِعْ للخلف، أنا دم أخوي بعده بالأرض». فقلت له مستنكراً: «يعني إذا قتلتني، دم أخوك بده يرجع؟» فكرّر الأمر: «ارجعْ للخلف».

 

من شهادة الناشط الحقوقي خلدون خيو، أحد الناجين من مذبحة السويداء

 

عندما تتعاظم قسوة الذاكرة، نجدُ سردَ مصائرِ من أحببنا ضرباً من المحاكمة الوجوديّة للروح.

إنّ استدعاء تفاصيل الخراب الذي عمّ بيوت الأهل والأقارب، واستحضارَ وجوههم قبل أن تتلاشى كأنّها لم تكن، هو انخراطٌ على هيئة مُنازلة مع ثقل الموت الذي اقتحم الحكاية، وحوّلَ الزمن إلى أطلال مُعلَّقة بين الحضور والغياب.

هذه الشهادة مع الناشط السياسي خلدون خيو من أقسى الشهادات عليّ شخصيّاً، ربّما لأنّ فيها ريحة الأهل والأخوال والأعمام، بيت الجد، مرتع الطفولة، وتفاصيل الذكريات، وربّما لأنني رأيت فيها انكسار أرواحنا أمام مشهد يتفكّك فيه العالم قطعةً قطعة، ويذوب تحت وطأة الخراب الذي التهم الزوايا ومَحا الأصوات؛ كلّ شارع وكلّ جدار في تلك القرية تحوّل إلى شاهدٍ على تاريخٍ لم يعد يُروى إلا بلهجة الفقد، كأثرٍ يُذكِّرُ بما كان ذات يوم وما آل إليه المصير.

شهادة خلدون خيو

شهدت السويداء محاولتين متتاليتين لاجتياحها من خلال بوابتها الشمالية على طريق دمشق، قبيل المجازر التي هزّت الريف الشمالي وغيّرت مصائر آلاف العائلات. تَقدَّمَ المحاولةَ الأولى الكمينُ الذي نصبته قوات الأمن ووزارة الدفاع في منطقة بَراق بتاريخ 1 أيّار (مايو)، بعد الهجمات على جرمانا وصحنايا، ذلك الكمين الذي أودى بحياة خمسين شهيداً من أبناء السويداء، تاركاً أثراً عميقاً في المجتمع المحلي. كنتُ حينها مشاركاً في جهود الاستجابة المدنية، أُحاول أن أمدّ يد العون لكل من طاله الأذى، وأن أقف إلى جانب الأهالي في مواجهة ما يتهددهم من خطر.

ومع اتّساع رقعة الحاجة وتزايد أعداد المتضرّرين، بات من الملحّ أن يُنظَّم العمل وألّا يبقى مجرّد مبادرات مُتناثرة تتحرّك بدافع اللحظة. عندها أنشأنا مطبخاً ميدانياً في بلدة خلخلة، يقدّم وجبات ساخنة للمدنيين، وللعائلات التي أُحرقت منازلها أو اضطرت إلى مغادرة بيوتها تحت الضغط، إضافةً إلى المرضى والعاجزين الذين لم تَعُد لديهم قدرة على تأمين قوتهم اليومي.

لم يكن العون مُخصَّصاً للمدنيين وحدهم، فقد شمل المدافعين عن بلدة الصورة الكبيرة الذين ظلّوا ثابتين في مواقعهم رغم كلّ ما يُحيط بهم من مخاطر. كنت أعبر الطريق يومياً بسيارتي متجهاً إلى المطبخ، أحمل الوجبات وأوزّعها على الأهالي، في جهد إنساني امتد قرابة شهرين ونصف، منذ لحظة الدخول الأولى وحتّى بدايات الاشتباك الثاني.

وكان من أولوياتنا آنذاك العناية بما اصطُلح على تسميته بالشرطة المدنية بغية تثبيتهم، إذ نصَّ الاتفاق الأول المتعلّق ببلدة الصورة الكبيرة على أن تُسلَّم مسؤولية الأمن إلى الضابطة العدلية، لتكونَ الجهةَ المخوّلةَ بحفظ النظام وإدارة شؤون المجتمع المحلي. وقد جرى بالفعل تنظيم صفوفها وتفعيل حضورها الميداني، غير أن طبيعة هذه القوة بدت مختلفة عمّا يُعرَف عادةً بمؤسسات الضبط والأمن؛ فأفرادُها لم يتقاضوا رواتب ولم يتوفر لديهم غالباً حتى الزيّ الرسمي الكامل، بعضهم ينتقل سيراً على الأقدام، أو على الدرّاجة للوصول إلى نقاط التمركز، في مشهد يجسّد ضيق الإمكانات وغياب أي دعم من السلطة الرسمية.

ارتكزَ حضورهم على الاحترام المتبادل مع السكان، فكانوا أقربَ إلى أهل البلدة من رجال الشرطة التقليديين. فرضوا القانون بحضورهم وانضباطهم، وأدوا واجبهم بحذر ووعي، محافظين على التوازن بين السلطة والمجتمع المحلي. وكانت مهمتنا نحن فرق الاستجابة المدنية، أن نُساندهم ونسهّل عملهم، نثبت لهم المكان ونقوّي حضورهم، إذ شكّلَ وجودهم ركيزة أساسية لاستقرار البلدة وتعزيز احترام القانون في ظروف استثنائية.

ثم جاء الثالث عشر من تموز، يوم تصعيدٍ حادٍ، حيث انهال القصف على بلدة الصورة الكبيرة بأسلحة ثقيلة، أو ما يُعرَف في لغة العسكرة بالتمهيد المدفعي. دلَّ هذا القصف بوضوح أن الجهة المقابلة لم تكن مجرد مجموعة بدوية متورطة في نزاع محلي، إنّما قوّةٌ عسكريةٌ محترفة، مدرّبة ومسلحة للقتال المنهجي. ظللنا محاصرين تحت وابلِ القذائف حتى الساعة التاسعة مساءً، والسماء ملبّدة بالدخان، والأرض تهتز مع كلّ انفجار، ما جعل الحركة أو الإخلاء شبه مستحيل. اتّضحَ منذ تلك اللحظة أن البلدة تقف على أعتاب معركة حقيقية، لا مجال فيها للخطأ أو التراجع.

مع تصاعد كثافة النيران ليلة الأحداث، اضطررنا للخروج بالسيارات دون تشغيل الأضواء، لتجنُّب أن نصبح أهدافاً واضحة للقصف، لكن المخاطر لم تتوقف عند هذا الحدّ، إذ تَعرّضتُ لحادث اصطدمت فيه سيارتي بإحدى السيارات الأخرى، فأُصيبَ جسدي ووجهي بجروح عديدة نتيجة تحطم الزجاج الأمامي للسيارة.

في اليوم التالي، ومع تَقدُّم القوات العسكرية نحو قرية ذكير، عمّت حالة نزوح واسعة بين الأهالي المتجهين إلى العمق نحو مناطق أكثر أماناً، كمدينة شهبا. كانت القوات العسكرية المهاجمة ترافقها مجموعات من المسلحين البدو المحيطين بالمنطقة، وكان عناصر الأمن العام ووزارة الدفاع يكسرون الأبواب بالرشاشات الثقيلة لتسهيل اقتحامها ونهبها. في مواجهة هذا الواقع، حاولنا إقناع من يستطيع من الأهالي بالبقاء في منازلهم لحمايتها، والحفاظ على ما يمكن من ممتلكاتهم، مع ضمان وصول المدنيين الأكثر ضعفاً إلى مناطق آمنة بعيداً عن الخطر المباشر.

دخلت القوّات العسكرية بأرتالٍ من الدبابات، وبدا جليّاً أنّ وزارة الدفاع هي التي تتولّى إدارة المعركة وتقودها بشكلّ مباشر بلا مواربة من السلطة أو محاولة للإنكار أو التخفّي. وكأنّ المطلوب من الدولة احتلال أرضها بدل أن تُديرَها إدارةً طبيعية، في مشهد صادم ومُستغرَب من أبناء السويداء، فكلّ الدوائر الرسمية في المحافظة كانت أصلاً مرتبطة بالمركز في دمشق، وتتلقى أوامرها منه بشكل مباشر.

بدا دخول الجيش كأنّه يخطو على أرض غريبة، وأنّ السيطرة لم تكن ممارسة طبيعية للدولة، بل فرضاً على الأرض بالقوة.

الحجج التي سُوِّقت لتبرير هذا التدخل لم تكن سوى ذرائعَ واهية، صُنعت في سياق بروباغندا مقصودة؛ بدءاً بافتعال خلاف على أحد الحواجز، مروراً بتضخيم حادثة اختطاف سائق سيارة خضار، مع أنّ هذا الحاجز نفسه شهد مراراً عمليات تشليح، كان من بينها ما وقع لصديقي الأستاذ المحامي عادل الهادي، الذي سُلِب منه خمسمائة ألف ليرة. اتضح لنا أنّ افتعال هذا الخلاف لم يكن عفوياً، إنّما عملاً مخابراتياً مُحكَماً، الهدف منه خلق مبرّر لدخول السلطة عسكرياً بهذه الصورة.

دخلت الدبابات من المحورين الغربي والشمالي، فبات المشهد أمامنا بالغَ التعقيد والتشابك.

تصرّفات السلطة نفسها أعطت الانطباع وكأنّ إسرائيل هي الملاذ الحامي، رغم أن نتنياهو صرّح بأنّه على علم مسبق بدخول القوات الحكومية إلى السويداء، وأن التدخل الجوي الإسرائيلي جاء لاحقاً، بعد أن أخلّت قوات السلطة بالاتفاق، وأمعنت في القتل والتخريبِ في قرى الريف الشمالي والغربي.

وفي محاولةٍ لدرء الكارثة، قام بعض شباب القرى باقتراح إرسال أشخاص للتفاوض مع القوات المُقتحِمة، ليؤكّدوا لهم أنّ كل هذه القرى مدنية، ولا مبرر لدخولها بالدبابات. وبالفعل اتجه رجلان على دراجة نارية، إلى مقرّ الضابط المسؤول عن تلك القوات (والذي علمتُ فيما بعد أنه من آل الحريري من محافظة درعا)، وللأسف فقد علمت منهما لاحقاً أن أوّل ما تعرّضا له كان سرقة دراجتهما، ومع ذلك استمرّا في مهمتهما. حيث وعدهما الضابط المذكور بأن يكون دخول القوات إلى القرى سلميّاً، شريطة أن يُسلِّم الأهالي أسلحتهم.

كانت قرية حزم أوّل المحطات، عُقد الاجتماع في منزل أحد وجهائها من آل أبو العز، وجُمِع أهل القرية، وأُبلغوا أنّ القوات ستدخل لإقامة نقاط تثبيت، ولن يتعرضوا لأي أذى. غير أنّ ما تلا ذلك نقضٌ صريحٌ للعهد؛ إذ دخلوا البلدة في 14 تموز وأضرَموا النار في بيوتها، وتعالت أعمدة الدخان من القرية المنكوبة. احتج المبعوث المرافق لهم على خرق الاتفاق «هيك بتعملوا، وعدنا الناس أنو دخولكم سلمي» غير أنّ ردّهم جاء جافاً وغير مبرر «هذول بدو وما قادرين نردعهم».

وعندما اتّصل بي أحد الشباب المفاوضين وأعلمني بما حدث أجبته: «قلهم أنا هون حدودي وبعد حزم سنتمتر واحد ما عاد بمون، واتركهم وغادرهم مباشرة هذول جماعة قتلة مالهم أمان».

أصبح همّنا إخراج الرجل سالماً من بين أيديهم، وبالفعل تمكّنَ من الإفلات منهم، فقد غافلهم واتجه سيراً على الأقدام من حزم إلى قرية أم حارتين، وأرسلنا له سيارة نقلته بعد أن تجاوز الخطر.

ورغم أن هاجس المفاوضين كان الخوفَ على دماء الأهالي، إلا أنهما اتُّهما لاحقاً بالخيانة، مما جعلنا نتدخل عبر أكثر من شخص لتوضيح الموقف الناس، والخوف المبرر على الأهل حينها والذي كان وراء المحاولة لحقن الدماء وصون الأرواح. فجميع هذه القرى كانت آهلةً بسكان مدنيين لا انتماء لهم إلى أي فصيلٍ مسلح أو جهةٍ عسكرية، ومن كان يحمل السلاح في صفوفهم لا تتعدّى غايته حماية بيته وعرضه، في حين أنّ المقتحمين كانوا مدججين بالدبابات والسلاح الثقيل، يفرضون على الناس واقعاً لا يملكون له دفعاً: «العين ما بتقاوم مخرز».

وقد بدا لنا المشهد في الريف الشمالي أشبه بما يعيشه غريق يتشبّث بقشة، نبحث عن أيّ هامش يُتيح لنا كسب الوقت وتأخير الكارثة.

الرسولان كانا من قرية خلخلة، وأحدهما أُوقف لاحقاً من قبل بعض الفصائل في السويداء بتهمة التفاوض مع الأمن العام لتسليم قرى الريف الشمالي، إلى أن تم التثبّتُ من حسن نواياه وتدخّلنا للإفراج عنه بوصفنا فريقاً مدنياً ذا طابع سياسي لا صلة له بالعسكرة، وأن هذا الشاب تحت مسؤوليتنا الكاملة، وليس خائناً كما روّجَ بعضهم.

في المحصلة، لم نكن في قرى الريف الشمالي التي تقع على طريق دمشق، نملك من القوة ما يسمح بردع الدبابات؛ فهذه الأرتال كانت ستدخل سواء قوبلت بالمقاومة أم لم تُقابل. لذلك انحصر هدفنا في أمر واحد لا غير، وهو حقن دماء المدنيين وتخفيف ما يمكن من وطأة الخسارة.

مع العلم أنه سبق والتقينا بالضابط الحريري منذ استجابتنا الأولى لأحداث الصورة الكبيرة في الأول من أيار (مايو) 2025، عندما تمّ إخراج قوّات الأمن بعد الاتفاق الأوّل ودخول القوى الشرطية المحلّية، وقد أظهر حينها وداً في التعامل ولطفاً.

وحين أصبحت الدبابات فعليّاً على مشارف القرى، والمدفعية لا تكفّ عن القصف، علمتُ أنه كان قد أخبر أحد الشباب المفاوضين عبارة مَفادُها: «لا تضيعوا وقتي، مطلوب مني أن أكون في السويداء عند التاسعة مساء، فلا تعترضوا طريقي».

فأجابه: إن كانت غايتك المرور، فاعبر بسلام، لكن ما الجدوى من أن تقتلنا في الطريق؟

وكانت تلك آخر محاولة، الدبابات على أبواب قُرانا وتقصفُنا المدفعية، والبطولات في مثل حالتنا لن تثمر، وإنّما هي انتحارٌ حقيقي.

حين بلغت القوات المهاجمة مشارف خلخلة وذكير، وأطبقت على الطُرُق جميعها، اتّضحَ أن النزوح صار قدراً لا فكاك منه. بدأت القرى تفرغُ من أهلها تباعاً، والناس يخرجون مذعورين، يحملون أطفالهم. كنتُ مع الخارجين، اتجهت مع أقاربي من قريتي «رضيمة اللوا» إلى مدينة شهبا بتاريخ 16 تموز، والقلوب مُثقلة برعب لا يهدأ.

قيلَ لنا في شهبا إنّ القصف قد هدأ، وإنّ الجيش بدأ بالتراجع، فخُيّلَ إلى الناس أن الغمامة انقشعت، وبدأ كثيرون يفكّرون بالعودة. عدتُ برفقتهم، معي عمّاي المُسنّان، هاني خيو وأجود خيو، يناهزان الثمانين عاماً، وقد استشهدا لاحقاً.

عند تخوم قرية لاهثة، اعترضنا بعض شبابها وقالوا ناصحين: «إلى أين؟ الخطر لم ينته بعد»، لم نجد بدّاً من الرجوع، فعُدنا من لاهثة إلى شهبا، والليل يشتدّ ثقلاً.

قضيت بقية الليل في بيت أحد الأصدقاء ساهراً حتّى الفجر، المدينة بأكملها في حال ترقّب.

وفي فجر 17 تموز الساعة الرابعة ونصف تماماً خرج أحمد الشرع بخطاب أعلن فيه انسحاب الجيش من السويداء، وتسليمها لقيادات محلية.

لم تمضِ عشر دقائق حتى جاءني اتصال من عمَّيَّ، وهما محشوران في بيتٍ يضم ثلاثين أو أربعين شخصاً، لم يذوقوا النوم منذ ليالٍ. قالا بلهفة: «لقد انسحبوا، فلنرجع». أسرعتُ إليهما، أخذتُهُما معي، ووصلنا إلى قريتي «رضيمة اللوا» في الساعة السادسة صباحاً، وكان معي ابن عمي مدين خيو وعمي حسن خيو أيضاً.

في ذلك اليوم بدا كل شيء طبيعياً نسبياً. قُمنا بدفن الشهيدين عبد الله العك ووليد الخطيب، اللذين قضيا قبل يوم على يد قوات الأمن، ثم قدّمنا واجب العزاء لأهاليهما. لم يطرأ أي تحرك عسكري أو نشاط غير عادي خلال النهار، وكان التواصل مع العالم الخارجي قد انقطع تماماً من ظهر ذلك اليوم.

كنتُ على موعد مع محطة France 24 لإجراء مقابلة في الساعة العاشرة مساءً، ولم أتمكن من اجرائها بسبب انقطاع الاتصالات، وكذلك كانت قد اتصلت بي قناة العربية لدعوتي للمشاركة في لقاء مباشر في العاشرة والنصف، فأبلغتهم أنّي قد لا أتمكّن من ضبط الوقت والمشاركة. ولم أُجرِ أيّاً من المقابلتين.

قبل ذلك الانقطاع كان صديقي هشام الخطيب، الذي قضيت عنده سهرة الأمس، قد تواصل معي وكنّا قلقين على حيّ البدو في شهبا، خشية أن يفتعل شاب طائش، تأذّى أحد أقاربه مثلاً، أيّ صدام أو حادث مع البدو. ناقشنا سيناريوهات مختلفة لضمان عدم وقوع أي خلاف، وحاولنا رسم خطة لحماية المدنيين والحفاظ على سلامتهم. أخبرتُ هشام أنّني سأعود إلى مزرعتي لأطعم الوزّات (اللواتي سُرقنَ على يد مسلحين من العشائر فيما بعد وأَصبحن حديث الناس على الفيسبوك) ثم أعود إليه.

لقد احتمى في منزل هشام ليلة الأمس وأنا عنده ست نساء من البدو، قام رجالهم بتأمينهم في منزله وغادروا، وكان هشام نفسه يشعر بالقلق من احتمال اضطراره وعائلته للنزوح، فكيف سيكون حال هؤلاء؟

وفي ذلك الصباح 17 تموز، أبلغني أحد الأصدقاء بوجود عدد آخر من المدنيين من سكان حي البدو في شهبا، يقارب عددهم نحو مئة وخمسين شخصاً، يريدون الذهاب إلى أقاربهم في قرية الأصفر شرق السويداء، ابتعاداً عن المشاكل التي قد تحدث، ويخافون من اعتراضهم من قبل حواجز الفصائل المحلية. وقد قمت وصديقي بإبلاغ تلك الحواجز بعدم التعرّض لأي مدني يرغب بالمغادرة الطوعية، وأمّنا لهم عبوراً آمناً بوصفهم مدنيين لا شأن لهم بأي عمليات قتالية، وأنّ هدفنا حماية أرواحهم وصولاً إلى قرية حزم، ومن هناك استلموا طريق قرية الأصفر باتجاه القرى الشرقية، مؤكدين لهم أنّ منازلهم وأملاكهم أمانةٌ في أعناقنا حتّى يتمكنوا من العودة بسلام.

كانت تلك آخر مهمة إنسانية أنجزناها في ذلك اليوم، أُنجِزت قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً، قبل أن ينقطع الاتصال تماماً عن المنطقة. فجأة، توقفت كل وسائل التواصل، الإنترنت والموبايل وحتى الهواتف الأرضية، ولم يبقَ لنا أي سبيل للتواصل مع الخارج.

كنتُ أُعِدّ نفسي محللاً سياسياً وخبيراً، ومع ذلك لم يكن لدي أي علم بما يُسمّى «فزعة العشائر» أو بأي تحرك لأرتال باتجاه السويداء. بالمطلق، لم نكن نعرف شيئاً عمّا يجري خارج حدود قرية رضيمة.

صعدتُ إلى سطح المنزل عدة مرات، على أمل أن يلتقط هاتفي تغطية، خاصّة وأن لدي مقابلات تلفزيونية مقرّرة، لكن الاتصال مع أي جهة بات مستحيلاً. نحو الساعة الرابعة أو الخامسة مساءً، دوّت أصوات مدفعية من جهة الشمال، متقطعة وغير كثيفة، فخشيت أن يكون ما كنّا نخافه قد وقع، ربما هذه اشتباكات ناجمة عن خلافات مع البدو في المناطق المحيطة بقريتي ذكير وخلخلة، حيث تقع إلى الغرب منهما قرية حوش حماد البدوية. أصوات المدفعية لم تصل إلى مستوى الاشتباكات الثقيلة، لكنها أحدثت هلعاً وفزعاً بين الأهالي الذين كانوا قد عادوا إلى بيوتهم بعد النزوح في صباح اليوم نفسه، وتجدّدَ القلق مع كل انفجار. خرج الناس إلى الشوارع ليفهموا ما يجري، مفكرين بالنزوح من جديد.

أتاني فاير الخطيب، الذي استشهد لاحقاً على أيدي مسلحين من العشائر، رجل في الثمانين من عمره، قال لي: «دعنا نعمل جولة على الحواجز نبثُّ الحمية في رؤوس الرجال، ليثبتوا في مكانهم. ولا يطلقوا النار جزافاً، من المهم توفير الذخيرة، ويبدو أن صوت الرصاص الذي نسمعه تطلقه مجموعة من البدو بقرية حوش حمّاد يحاولون استفزازنا، أو إخافتنا حتّى نغادر بيوتنا».

اقترحنا إخراج النساء ووضعهن في بيت الجنازة في قرية لاهثة، ريثما تهدأ الأوضاع. وحتى تلك اللحظة، ومع انقطاع الاتصال التام بالعالم الخارجي، لم نكن نعلم ما يجري. أثناء طريقنا، صادفنا تجمّعاً للأهالي عند مفرق رضيمة، والهلع بادٍ على وجوههم. طلبنا منهم تأمين النساء والأطفال، بينما يبقى الرجال لحماية بيوتهم.

بعد ذلك أوصلتُ عمي أبا إياد فايز الخطيب إلى منزله، ثم عدتُ إلى بيتي وحيداً. وفي المساء حضر إليّ مديـن خيّو ابن عمي برفقة عمي المحامي هاني خيّو الذي استُشهِد لاحقاً أيضاً. سهرنا معاً قليلاً، ثم همَّ العم هاني بالانصراف إلى منزله، فعرضتُ أن أوصله، غير أنّه آثرَ أن يذهب وحده. سهرتُ ومدين حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، ثمّ حاولت أن أخلد للنوم، إذ كنّا مُنهكين من طول السهر، فدخلتُ غرفتي ونام مدين في المضافة.

بعد منتصف الليل ارتفع صوت إطلاق النار واشتدت كثافته. عبثاً نحاول الاتصال لنتحرّى عمّا يجري، صعدنا إلى سطح المنزل نستطلع الأمر، ورأينا أضواء بالقرب من قرية ذكير، استطعنا أن نبصر أربع سيارات منها هناك.

كان تقديرنا آنذاك أنّ من قدموا على الأرجح هم من البدو، وأن غايتهم قد تكون بثّ الخوف في نفوس الناس، وحملهم على مغادرة بيوتهم، ليتسنّى لهم اقتحامها وسرقتها.

في هذه الساعة صعد إلينا جاري كرم العك الذي كان أخوه قد استشهدَ قبل يوم واحد، ولاحقاً استشهد أخوه الثاني المهندس عبدو العك. كان كرم يحمل بندقية ومسدساً، أعطاني المسدس لأدافع به عن نفسي في حال اقتحم أحد المنزل بقصد السرقة أو غيرها، وبقينا جميعاً على السطح حتّى قرابة الساعة الخامسة صباحاً. عندها قال كرم: «ضوء الصباح بدأ بالظهور وهؤلاء البدو سيغادرون مع بزوغ النهار، وإنّ الأمان سيعود تدريجياً» كان هذا تقديرنا بناءً على ما توافر من مؤشرات، منها انسحاب قوات الأمن في اليوم السابق، وخطاب أحمد الشرع.

نزلتُ بعدها إلى الطابق السفلي وقلتُ لهما: «انزلا أنتما أيضاً لئلا يُصاب أحدكما برصاصة طائشة»، ثم أضفت: «سأُعدّ القهوة، فاتبعاني». جلسنا في حديقة المنزل نحتسي القهوة في هدوء يشوبه الحذر. وما هي إلا لحظات حتى دوّى خلف المنزل مباشرة صوت إطلاق نار كثيف.

قال مدين، وقد سبق له أن خدم في الجيش: «الصوت قريب للغاية، لقد باتوا على مقربة منّا، يبدو أنهم دخلوا إلى الرضيمة». عندها لم نعد قادرين على الصعود إلى السطح أو محاولة الاستطلاع لمعرفة عدد المهاجمين أو جهة قدومهم.

قلت لهما: «حتى لو دخلوا الرضيمة، فلن يستطيعوا التجوال بين جميع البيوت». كنتُ أظنّ أن الأمر لن يتطور إلى اقتحامات مباشرة. لكن أصوات الرصاص اشتدت أكثر، وصارت على مقربة شديدة من منازلنا، فآثرنا مغادرة البيت على الفور سيراً على الأقدام باتجاه الغرب، بهدف الاحتماء بمنطقة اللجاة، كنت أرتدي بيجامة وفي قدمي حذاءٌ رياضي.

خرجنا نزولاً باتجاه منزل عمي أبي كنج، فإذا بأصوات التكبير غربنا مباشرة في الساحة العامة (ساحة بير أبو قناطر)، مما اضطرنا للعودة شرقاً فإذ بهم قد وصلوا للطريق العام الواقع شرقنا بخمسين متراً فقط، ثم توجهنا جنوباً فوجدناهم أمامنا، لقد أصبحنا مُحاطين بعدد هائل من المسلحين، الذين لا نعلم من أين وصلوا ولا كيف دخل علينا كل هذا العدد فجأة، فإلى أين الفرار.

عندما ارتددنا جَرْياً نحو الشرق، وجدنا الطريق العام (دمشق- السويداء) أمام بيتي  يعج بأعداد كبيرة من المركبات، مثبّتاً عليها مدافع رشاشة وحاملات دوشكا.

كان عدد المهاجمين مهولاً، وبحسب تقديري فإنهم في الحد الأدنى يفوقون بخمسة أضعاف عدد سكان قرية رضيمة التي لا يتجاوز تعدادها الألف نسمة، يجوبون الشوارع بغير انتظام، في صخب مروّع، جميعهم يطلقون النار عشوائياً في الهواء، ويرشقون المنازل بوابل من الرصاص.

في تلك اللحظات بتنا لا نملك من اليقين شيئاً، ولا نُحسن تقدير ما ينبغي فعله، فقد ضاقت بنا السُّبُل، وأطبق الحصار علينا من كل ناحية، حتى إنّ العودة إلى منزلي لم تَعُد ممكنة. أمامنا مباشرة بيتُ وهيب العك، دخلنا إليه. وهيب رجلٌ من ذوي الاحتياجات، استبدَّ به الرعب، فحاولتُ تهدئته طالباً منه أن يلتزم الصمت، ويختبئ معنا، فإن شعروا بنا، لن يتورّعوا عن قتلنا.

انتقل وهيب إلى الغرفة المجاورة، بينما جلسنا نحن الثلاثة – أنا وكرم ومدين – في غرفة تتصدر واجهة البيت، تقابل بابه الخارجي مباشرة. علّقنا الرجاء على أن يَغفلَ المهاجمون عن هذا المنزل، فهو بيت قديم متهاوي الجدران، يُوحي بالإهمال ويبدو لِعَينِ الغريبِ كأنه مهجور لا يُغري بالغزو، ولا يُثير في نفوس النّاهبين أدنى رغبة في اقتحامه.

استمرّ بقاؤنا في ذلك البيت من الساعة السادسة صباحاً حتى التاسعة، أي حوالي ثلاث ساعات. خلال تلك الساعات كنّا نُراقب من النافذة تحرّكهم حول الدار، ونسمع تكبيراتهم وأزيز المدافع الثقيلة متقطعاً متضرّعين إلى الله أن يُعمي أعينهم عنّا؛ ليس أمامنا مجال للمواجهة، فنحن ثلاثة وهم جيوش. بين حين وآخر نسمع أصوات انفجارات هائلة؛ لقد فجّروا بيتي وبيت جاري إحسان خيّو، فانتشرت رائحة الدخان في المكان وغيّمت فوق سماء البلدة.

كلّ ما جمعته من عملي في دبي وضعته في المنزل والمزرعة، أملك اثنتي عشرة مركبة متنوعة بين نقل كبيرة صغيرة، كنت أظن أنّ هذه السيارات سَتَصون رأسمالي وتحفظه في السوق السوريّ المضطرب.

حوالي الساعة التاسعة صباحاً فُتِحت البوابة، نحن في الغرفة المواجهة للبوابة، أصبحنا في مواجهة الموت مباشرة وما من مفرّ. وصل أحدهم إلى باب غرفتنا ونظر من الباب للداخل فالتقت عيني بعينه، وبيده بندقية روسية، وما أنّ همّ برفعها في وجهنا حتّى أطلقت عليه من المسدس، الرصاصة أصابت باب الحديد ويبدو أنها مشحت بأذنه، وضع يده عليها، وراح يصرخ: «بو دروز بو دروز بو فلول». تجمَّعَ عددٌ كبير منهم في ساحة الدار. صار الموقف حتميّاً؛ «يا قاتل يا مقتول»، ودّعنا بعضنا، وكمحاولة أخيرة للنجاة حاولنا تفريقهم بأسلحتنا الفردية محاولين أن نفتح طريقاً للهروب، فانفتح الطريق بين دار سلمان العك ودار أبي كنج.

ركضنا في الاتجاه المعاكس (شمالاً) أنا ومدين، ولم نرَ خلفنا كرم.

خلف المنزل المجاور يقع منزل ربيع خيو، وكانت هناك حفرة صغيرة نزلتُ فيها مع مدين وسمعنا صوت إطلاق نار كثيف خلفنا وصوت أحدهم يصرخ مراراً: «اِذبحو… اِذبحو». التفتّ إلى مدين فقلت له سريعاً: «صَفّوا كرم ووهيب»، ولكننا علمنا لاحقاً أن كرم والحمد لله استطاع الفرار بالاتجاه المقابل إلى منزل والده ومنه الى دار إحسان خيو، والمستهدف في ذلك اللحظات لم يكن كرم، بل وهيب العك. قتلوا المسكين وهيب وأناساً آخرين. تبين لاحقاً أنّ من بقي في البلدة كانوا حوالي واحدٍ وعشرون شخصاً، ،نحن الثلاثة فقط نجونا بصدفة إلهية.

أمضى ربيع خيّو زمناً في ترتيب بيت أهله وتحسينه، ومن حسن الحظ أنهم لم يحرقوا بيته، وهو بيت والده أبو كنج، ولكن لسوء حظنا حوّلته القوات المهاجمة إلى مقر عمليات.

بقينا مختبئين في تلك الحفرة الضيقة أنا ومدين، عمقها لا يتجاوز 30 سنتيمتراً تقريباً، محاطة بحجارة، وقد حولتها ابنة عمّي إلى مكبّ لمصل اللبن، فأضحت تعجّ بالذباب والأوساخ. سقطنا فيها محاولين أن نحفر بأقدامنا قليلاً، وغطّينا أجسادنا بالقشّ، وبقايا شجرة صبّار شبه يابسة، لنختفي عن الأنظار.

الحشرات تزحف على وجهي، وعلى جروحي التي خلّفها الحادث الذي وقع قبل أيام. أصبحت أمنيتي الوحيدة أن يُزيل أحدهم الذباب عن وجهي، فأنا عاجز عن تحريك يدي وإثارة أيّ ضجيج أو صوت.

جاء اثنان من المهاجمين وجلسا على مقربة من الحفرة؛ سمعنا أحدُهما يقولُ للآخر: «بعد في فارين اثنين»، فردّ عليه رفيقُه جازماً: «لا يا خوي، أنا قتلتهم».

كنّا نسمع أصواتهم حولنا، ومن ضمن تلك الأصوات ارتفع صوتُ أحدهم آمراً: لا تسرقوا، لم نأتِ لنسرق؛ اذبَحوا الدروز، ابحثوا عن الأحياء واقتلُوهم، لا تلتهوا بالسرقة.

من موقعنا سمعنا بآذاننا مجزرةَ مروان الخطيب، أصواتُ الطلقاتِ، وصراخُ النساءِ والأطفال، إذ لا تفصلنا عن البيوتِ الواقعة خلفنا سوى مسافةٍ لا تتجاوز مئة متر، كانت صرخاتهم مسموعة وواضحة، كذلك سمعنا اشتباكَهم مع العمِّ أجود خيّو، بينما نحن في الحفرة غير قادرين عن الخروج أو إغاثتِهم.

اللهجات المتداولة بين هؤلاء المسلحين بدت واضحة ومتنوعة؛ منها لهجات ديرية، ومنها لهجات بدوية صرفة. أحياناً أرفع رأسي لأتأمل ما يجري من حولي، فأرى رجالاً يقودون مركباتهم ويجمعون الغنائم، بعضهم حافي القدمين وبعضهم الآخر يرتدي زياً عسكرياً كامل العدة، وآخرون يلبسون الدشاديش ويحملون قاذفات آر.بي. جي، ومنهم من يكتسي القلّابية ويرتدي فوقها جاكيتاً عسكرياً. تتخلل الأجواء أصوات لهجات مختلفة، بعضها شامية أو من ريف دمشق، سمعت أحدهم يقول لرفيقه:

«يا مسكين، هلّأ ما رح تلحق شي، روح لهداك البيت بتلاقي فيه جرار غاز»، وكان يُشير لمنزل أحد جيراننا المسيحيين؛ منزل العم أبو عماد هلال الناقولا.

سمعت أصوات تشغيل مولدات وقصّ الحديد تعمل في قص الشبابيك والأبواب، أتى المسلحون مزوّدين بِعِدَد أدوات الخلع والكس.، رأيت شاحنات النقل الخاصة بي تتحرّك مُحمّلة بأغراض بيتي، كنتُ قد بنيت طابقين حديثين فوق البيت، وأتممت الإكساء الكامل بما في ذلك برادات وغسالات. لقد أحرقوا بيتي المكسو من الداخل بالخشب، الذي أخذتُ وقتاً في زخرفته والتفنن به، وهو فيلّا تحتوي مسبحاً وحديقة، وانتشرت له صور كثيرة على الإنترنت. حول البيت زرعت أشجار فاكهة من جميع الأصناف، وسمعت أحدهم يقول: «تعالوا، هون في إجاص، تعالوا كلوا».

تفاصيل مريرة وساعات عشناها تزيدها ألماً، اضطررنا خلالها إلى نقر ألواح الصبار شبه اليابس لنبلّل بها شفاهنا من العطش في حرّ تموز الشديد. بقينا في الجورة من الساعة التاسعة صباحاً حتى الثامنة مساءً، هذا اليوم بقسوته وشدّته يُعادل الخمسين عاماً من عمري وما عشته من تفاصيل حياة فيها.

كاد العطش أن يفتك بنا في هذا الطقس الحار، ننتظر حلول الظلام لنتمكن من الزحف إلى أيّ مكان نجد فيه ماءً، فقد بدأنا نشعر بعدم التوازن من شدة الحرّ، وخشينا فعلاً أن نموت عطشاً.

حوالي الساعة الثامنة تقريباً، ومع حلول الليل قال لي مدين: «خلاص، موت برصاصة، أهون عليي من أنو موت من العطش».

قطعنا الطريق خلفاً باتجاه الشمال إلى حاكورة أحسان خيو، لقد كان الوجود العسكري كثيفاً جداً في حارتنا، أقول لمدين: ما بهم تركوا البلدة كلّها وعشقوا هذه الحارة، لنكتشف لاحقاً أنهم موجودون بالكثافة ذاتها في كل حارات البلدة. زحفنا زحفاً ودخلنا بين الكروم حتى وصلنا إلى بيوت عمومتي. أول بيت دخلناه كان مدمراً بالكامل: المغاسل مكسورة، الحنفيات محطمة، الماء مقطوع، والبيت كله خراب. البيت الذي يليه لم يُحرَق لكنّه مدمر بالكامل.

أمّا بيت العم «أجود خيو» حُرق بالكامل، لم نجرؤ على الاقتراب من جدرانه، إذ كانت متوهجة من شدّة حرارة الحريق. رائحة اللحم البشري المحروق تملأ الهواء، وتُزكم الأنوف؛ قال مدين أنّهم يحرقون الجثث.

دخلنا بيتاً آخر بجواره لـ «ظاهر خيّو»، اقتربنا من المطبخ وسمعناهم من الداخل يقولون: دعونا نُخرِج الأغراض أولاً ثم نحرقه، فعُدنا أدراجنا.

بعد بحث طويل، وجدنا في تواليت خارجي لبيت «أجود» دلو ماء. كانت الخزانات الأخرى كلها مثقوبة بالرصاص ولا تحتوي على ماء. وفي الحقيقة نعرف أن الدلو غير نظيف، ولكنّ ما فيه، حتّى لو لم يكن ممتلئاً، قد يُبقينا على قيد الحياة.

من الساعة الثامنة مساءً حتى نحو الحادية عشرة ليلاً ونحن مختبئون في الكروم، طلع ضوء القمر بسطوع باهر ما زاد الأمر خطورة، إذ أصبحنا مكشوفين بين الأشجار. حينها قررنا التقدم بحذر نحو شرق البلد، حيث شعرنا لوهلة أن المكان أكثر أماناً، بعيداً عن الاشتباكات المباشرة.

انطلقنا باتجاه قرية لاهثة، مشيّاً على الأقدام حتى وصلنا إلى مزرعة تعود للمحامي جادو الناقولا، لمحنا سيارة تمر قرب المزرعة تشبه سيارة جادو، شعرنا بأمان نسبي، قلت لمدين: يبدو أن جادو جاء ليكشفَ على مزرعته والمكان هنا لا يزال آمناً.

اقتربنا من المزرعة ونادينا بصوت عالٍ: «جادو… أبو نبيه!»، فخرج لنا بدوي من داخل المزرعة وسألنا: من أنتم؟ ظننته ناطور المزرعة قلنا له: «أين جادو؟»، فأجاب بحدّة: «مين جادو؟». عندها نظرت إلى الداخل ورأيتُ أشخاصاً لهم جدائل طويلة ويرتدون جمّادنيّات (نوع من ربطات للرأس) بألوان وأشكال مختلفة، يتحركون في المكان كما لو أنّه غرفة عمليات.

يا لهذا القدر الساخر! كل ما عانيناه، كل الألم الذي عايشناه في سبيل النجاة، انتهى بنا المطاف أن نذهب إليهم بأرجلنا. أخبرناه: «نحن نواطير هنا في المزارع، يعطيك العافية»، وأدرْنا ظهورنا مسرعين بخطواتنا لنبتعد عن المكان.

لكن فجأة صاح بنا أحدهم: «لا… استنونا عندك!»، ركضنا مسرعين، لحقوا بنا بسيارة كبيرة لنقل الغنم، توقفتْ بجانبنا، ونزل منها خمسة مسلحين، بدأوا بإطلاق الرصاص، يصرخون بصوت مرتفع (وقفْ عندك، وقفْ عندك). ما من مجال للمقاومة، توقفنا، حاولنا أن نؤكّد لهم بأننا نواطير في المزارع، ردّوا علينا بشكل صارم: «اطلع السيارة! اطلع السيارة!»، وهم يرشّون الرصاص حولنا.

أثناء تفتيشنا، وجدوا المسدس معي. حاولت أن أشرح لهم «يا أخي، أنا ناطور مزرعة! لدنيا عصابات وحرب»، لكنهم تجاهلوا كلامي، صعدنا السيارة تحت التهديد، ثم أعادونا إلى المزرعة بالقوة.

خرج إلينا من داخل المزرعة مسلح لهجته حورانية، وجّه بندقيته الروسية إليَّ وحرَّرَ مسمار الأمان، حدّق بي مباشرةً وقال: «ارْجِعْ للخلف، ارْجِع خطوتين للخلف وتشاهد على روحك». قلت له ساخطاً: «ليش؟ خايف دمي يطرطش عليك؟ دمي بيطهّرك، يلا إطْلِقْ نارك، خلّص».

ردّ بغضب: «ارْجِعْ للخلف، أنا دم أخوي بعده بالأرض». فقلت له مستنكراً: «يعني إذا قتلتني، دم أخوك بده يرجع؟» فكرّر الأمر: «ارجعْ للخلف». فأجبته بحدة: «يا غبي، اللي يمسك أسير حرب بيبلّش تحقيق معه؛ افترض أنّي أعرف مين قتلّك أخوك ولدي معلومات، خوذ وعطي؛ أنا مش خايف منك إذا قتلتني».

قال رجلٌ بجانبه: «ناخذ منه معلومات، ناخذ منه معلومات وبعدين نَصَفِّيْهم». أجابه بتهديدٍ صارم: «معك نصّ ساعة تاخذ منه الكلام اللي بدّك، وبعدين تعطيني ياه ونصفّيهم». لم أنتبه أين توزّعَ بقية الأشخاص. أدخلونا إلى داخل المزرعة.

أعادوا تفتيشنا. لم يكن معي شيء، فعندما خرجت من البيت كان هاتفي في جيبي ومعه ألفا دولار ومحابس ذهب، لكنّ ونحن على حافة الموت في قرية رضيمة رميتهم جميعاً، قلت في نفسي: «اللي بده يقتلني، بدّه يلاقي اللي بجيبي وياخذه مكافأة على قتلي». أخذوا هاتف مدين، وفي هذه الأثناء كانت قد عادت التغطية، رنّ هاتف مدين، المتصل شقيقي خالد من مدينة السويداء والذي كان يحاول الاتصال بي  طوال اليوم دون جدوى وخطوطنا مغلقة، ردّ عليه البدوي: «أنت أخوهن معك نص ساعة يا تخبرنا مين عم يقوّص علينا، أو أبعثلك راس أخوك بكرتونة»؛ أنا ومدين نسمعه، ولكِ أن تتخيلي إحساسنا، وإحساس خالد على الجهة الأخرى من الخط؛ هلعٌ أشدّ فتكاً من الموت ذاته.

صرختُ بصوتٍ عالٍ لعلّ خالداً يسمعني: «لا ترد عليه، لا ترد عليه». وقلت للبدوي: «تعال، أنا من يتحدّث معك الآن، أنت أمن عام ولا بدوي؟» فردّ: «ما شغلك» ثم واصلت: «أخبر معلميك أن لديك هنا صيد ثمين. أنا أعمل صحفياً وإعلاميّاً دولياً. هذا يعني أنه إذا قتلتني لن يتوقف الحدث هنا، إذا علم معلمك عرف بذلك حتماً سيُعاقبك، اتصل بمعلمك أو قائدك – كائناً من كان – وقل له: معي صحفيون ومعي ناس مهمّون، وفي يدي صيد ثمين. إذا قال لك صفّيهم، فصفّينا؛ وإذا قال لك اتركهم، فامضِ وفق أوامره».

سألني عن عملي وعن عمل مدين. أخذ الرجل جهازه اللاسلكي وخرج إلى خارج الغرفة، وبدأ يتحدّث عبره «عمليات… عمليات». سمعت ردّ قائدة لأن «سبيكر» اللاسلكي يبقى مفتوحاً: «بو ثنين واحد صحافة دولية والثاني أستاذ جامعة»، ردّ قائده آمراً: «اتركوهم، سنرسل لكم دورية تأخذهم». «يعني ما نصفّيهم؟» فأجاب القائد: «أقولك اتركه يا حيوان»، ثم كرر بصوتٍ عال: «الآن سنرسل دورية لتأخذهم».

ثم تقدّمَ نحونا يحمل بيده مقصّاً، وقد بدا كأنه يتهيّأ لقصِّ شواربنا.

نظرت إليه مباشرة وقلت بحدةٍ:

«سمعتَ ما قاله لك معلمك؟ يا حيوان، لا تقترب منه»، ثم كررت كلمتي بصرامة أشدّ: «وأنا أقول لك يا حيوان إن تجرّأت على لمسي سيقطع معلمك رأسك! ابتعد عني، لأنك لا تعلم من أنا».

يبدو أنه ارتبك، أو ربما داخله خوف مفاجئ، إذ خُيّلَ إليه أنني بالفعل أرتبط بجهة مهمّة، ما جعله يتركنا في الداخل دون أن يمسّنا.

كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما احتجزونا، وبقينا هناك حتى قرابة الخامسة فجراً، حيث وصلت دوريّة من الأمن العام، سيّارة مموّهة بالوحل، تَرجَّلَ منها أحدهم فقيَّدَنا وغطّى أعيننا. سألناه إلى أين تأخذنا، فقال: «إلى بلدة عنز».

كذب علينا، إذ سار بنا في طرق وعرة قرابة ساعتين، مشت السيارة فوق الحصى وطرق ترابية، وكان من الواضح أننا نعبر براري لا طريقاً مأهولاً. وأخيراً توقّفت السيّارة في مكانٍ لا نعرفه، وأنزلونا، ونحن معصوبو الأعين. قلت له: «فكّنا، لقد صرنا بأرضكم». فصرخ في وجهي: «اصمت! اخرس!»، وأمرنا بالجلوس على كراسٍ أُحضرت لنا.

سمعت صوت أحدهم يسأل: «لِمَ جئت بهم إلى المضافة؟»، فأجابه: هؤلاء أشخاص مهمّون، خلينا نبادل بهم أسرى «برانية».

تردّدت في أذني كلمة مضافة، فقلت متهكّماً: عندكم مضايف، يا أصحاب المضافات؟ من يملك مضافة لا يربط الناس على بابها ويغطّي أعينهم! وإن كنت لا تعرف معنى المضافة، فلا تذكرها.

خرج رجل من الداخل وسألني: «ما الذي تقوله؟»، فقلت له: «سمعت كلمة مضافة، نحنا صحابين مضايف ونعرف معنى هذه الكلمة، وإذا كنت لا تعلم فإن ثوراتٍ في سوريا قامت بسبب هذه الكلمة».

وتابعت بلهجة حادّة: «كلمة كهذه لا تُقال جزافاً هكذا، نحن أصحاب المضافات، ونحن من يعرف معناها جيداً».

ثم أمرهم قائلاً: «فُكّوا عصابته».

وحين أزالوا الغطاء عن عينيّ، رأيت شباباً ذوي لحى خفيفة، غير أنّ ملامحهم لم تكن ملامح متشدّدين، فقد احتفظوا بشواربهم.

سألني: «من أنت؟ ولمَ تتكلّم بهذه الطريقة؟».

فأجبته: «أنا رجل لم يذق طعاماً منذ ثلاثة أيام… أطعموني واسقوني أولاً، ثم اسألوني ما شئتم، وبعدها إن شئت ضع عليّ نفطاً وأحرقني، لست خائفاً منك، ولا من الموت، حتى الخروف، قبل أن تذبحه تسقيه الماء ليتسنى لك سلخه».

فالتفت إلى العنصر قال: «أدخلوهم».

أدخلونا، فوجدنا أنفسنا داخل مضافة، تختلف عن شكل مضافات الدروز، يجلس فيها عدد من الرجال. من ملامح المكان عرفت أنها مضافة حورانيّة، فقلت محيياً: «مسّاكم الله بالخير يا غانمين». وتوجهتُ مباشرة للجلوس في صدر المجلس كضيف، لا كأسير.

بعد قليل، جاء أحدهم بربطة خبز وطبق فلافل «بايتة»، ووضعها أمامنا قائلاً: كُلوا.

نظرت إليه وقلت بهدوء وسخرية: أتطعِمنا فلافل يابسة وتقول إنها مضافة؟ اذهب وأكرم مضافتَك أولاً.

قلت ذلك وأنا أعلم في نفسي أنّي ميت ميّت، فالكلام وإن بدا أنه يخرج من رجل متماسك، لكني في الحقيقة كنتُ يائساً، أو بالمعنى الشعبي: «مآييس عن روحي وعم أعمل زلمي».

نظر القائد إلى العنصر آمراً: «اجلبوا لهم طعاماً».

فدخل أحدهم إلى الداخل، حيث المطابخ المُجهَّزة، ثم عادوا بعد دقائق يحملون أطباقاً من المندي والفول والحمص وغيرها، ووضعوها في وسط المجلس قائلين: تفضلوا.

نهضت أنا ومدين وجلسنا لتناول الطعام مع الموجودين، ثم قلت: «خلي حدى يصور، بدي أحكي كلمتين».

أعطى الشيخ جوّاله لأحد المتواجدين وبدأ بالتصوير، فقلت وأنا أوجّه كلامي للكاميرا: أيها السوريون الشرفاء، أنا في مكانٍ جغرافياً لا أعرف أين، لكنّي اجتماعيا أعلم أني في المضافة. ومن لا يعرف معنى المضافة في جنوب سوريا، فليقرأ التاريخ، الثورة السورية الكبرى قامت بسبب ضيفٍ أُخذ من مضافة سلطان باشا الأطرش، واسمه أدهم خنجر. المضافات لدينا رمز للكرم والأمان، ومن عادات أهل المضافات إن من دخلها آمن، حتى ولو كان قاتل أبيك. لذلك أعتبرُ نفسي هنا في آمان.

انتهيت من كلامي، فنظر إليّ قائدهم وقال بهدوء: «والله… كلام ذهب».

بعد أن انتهينا من الأكل والشرب، تحوّلَ الحديث إلى هويتي. طالباً منّي أن أُعرِّفَ عن نفسي، فقلت له: «هل أنت الشيخ هنا، سمعت الناس ينادونك بهذا اللقب؟ هل أنت الأعلى رتبة بين الموجودين؟»، ردّ: «نعم». عرضت عليه أن أكلّمه على انفراد، قادني إلى ممرّ داخلي فجلسنا وجهاً لوجه.

سألني مباشرةً: «من أنت؟» فطلبت منه أن يفتح محرّك البحث في هاتفه ويكتب اسمي باللغة العربية أو بالإنكليزية كما يشاء. عندما كتب اسمي بدت عليه علامة استغراب، إذا أول نتيجة ظهرت أمامه مقابلتي مع CNN وسمع صوت المذيعة تحدّثني بالإنكليزية. قال هذه CNN أجبته: نعم، فأنا إعلامي ولي تعاملات مع محطات كثيرة، وأميركا تعرفني، واختفائي قد يجرّ تبعات دولية، وأنّ من مصلحتهم ألا يورِّطوا أنفسهم أو قياداتهم. (حاولت التهويل والتضخيم والادّعاء، بصراحة، رجلٌ ذاهب للموت يفكّر بالنجاة بأيّ طريقة).

ردّ علي: «لدينا محطات إعلامية كثيرة هنا وأستطيع اصطحابك إليها». فاستنكرتُ قائلاً: «وأنا بهذه الحالة، وارتدي هذه البيجامة المتسخة». أجاب: «الآن اشتري لك بدلة رسمية».

قلت له: إن أَطلقت سراحي فسأؤدي واجبي، نصيحتي إليك ألا تورّط نفسك معي، لأن ثمّة من سيُطالب بمعرفة مصيري. بإمكانك أن تبادل عليّ بأسرى آخرين.

بقينا في المكان خمسة أيام، ونسمع خلالها أصوات المتواجدين، وما يتردد من عبارات: «هؤلاء تصفية»، «هؤلاء أسرى نطالب بفدية أو نبادلهم»، «هؤلاء إلى الشيخ الفلاني». دون مبالغة، كانت هذه الخيارات تُطرح بشكل يوميّ، ويتداولون سيناريوهات واقعية لمصير المعتقلين. أنا بدوري عرضت خيار التبادل.

بعد ذلك أصبح الشيخ يأتي كل ليلة تقريباً، يجلس معي لوقت طويل ونتناقش حول السِّلم الأهلي، ونتحدث عن وأد الفتنة وضرورة التهدئة. يتحدّث إليّ باعتباري صحفياً، وكأنّه يريدني أن أصدّق سرديته تلك. تناقضٌ صارخ؛ من جهةٍ يتحدّث معي عن السلم الأهلي، ومن جهةٍ أخرى يوزّع المهام العسكرية.

مرّةً، استرقت السمع فسمعته يتحدث عبر الهاتف قائلاً: «أرسلت لك ثلاث سيارات ذخيرة، قبل الصبح تكون عندك».

الأمر اللافت أيضاً أنّ المكان الذي كنّا فيه تصله بشكل دوريّ سيارات محمَّلة بالطعام، أغلب المعلبات والزيوت والمواد الغذائية التي رأيناها هي منتجات تركية لم تكن موجودة في أسواقنا المحلية، وعندما كنّا نقول لهم: «جُعنا، متى الغداء؟» كانوا يجيبون: «حتى تصل سيارات الإطعام»، ما يكشف أنّ ثمة جهة تموّل هذه الأحداث وتغذّيها.

لاحظتُ كذلك أنّ توزيع الأسرى يتمّ بحسب أهمية كلّ منهم، فهناك من يُسَلَّم للفرع الفلاني، وهناك من يُستبقى، وهناك من يبادَل عليه. في هذه الأثناء، بعد أن اقتنعوا بأنّنا مدنيون ولسنا محاربين، سُمِح لنا باستخدام الهواتف للتواصل.

وهنا، حصل موقفٌ مهم: خلال الحديث أخبرتهم إننا نحن كنّا نُساعد المدنيين من البدو وغيرهم على الخروج الآمن بسلام من السويداء. وكان هناك أشخاص منكم في الجهة الأخرى يعملون معنا في مجال الحفاظ على السلم الأهلي، فنحن مدنيون وجماعة عمل إنساني ولسنا عسكراً ويمكنكم التأكد من ذلك من جماعتكم .

فقال شخص كان يجلس معنا: «أتدري من كان ينسّق معكم على الهاتف؟» قلت: «لا«. قال: «أنا، وأنا أؤكد صحة كلامك».

عندما تطابقت شهادتي مع شهادته، فهموا أنني لست عسكرياً محارباً، وإنّما إعلامي وناشط مدني يعمل على تأمين الأسرى وإجراء عمليات التبادل. عندها أعطونا هاتف «مدين» للاتصال. اتصل ابن خالي يسأل عن أخيه، وعن عدة أسماء.

سألت الشيخ عن تلك الأسماء، فكان يجيب «هذا أعطيناه للتنفيذية» و«هذا للفرع»، عرفنا أمكنة كثير من الأسماء. كنتُ أسمعهم يوزعون الأسرى حسب الأهمّية ومدى الاستفادة من كل منهم، مادياً أو معنوياً. وكنتُ أسمعهم وهم يتغنون ببطولاتهم، وما فعلوه في السويداء. في المكان الذي كنّا فيه رأى أحدهم شاباً يتولّى تنظيف المكان من كنس ومسح، فسأله: «ماذا تفعل هنا؟ أترك من يدك، واذهب للجهاد في السويداء». ردّ عليه: «لا أملك بندقية». فأجابة: «نحن نعطيك بارودة، روح جاهد ذبحلك شي درزي، أسعف جريح، قاعد هون متل النسوان».

أمضينا في تلك المضافة أربعةَ أيامٍ متواصلة. طوال تلك المدة كان الشيخ يحاول طمأنتي: «أنت هنا بعهدتي ومحمي، لا تخف». في اليوم الخامس قلت له بصراحةٍ وقلقٍ واضح: «أنت تخرج لتُشارك في أعمال قتالية، ويوماً ما قد تخرج ولا تعود. أنا هنا في خطر لأنّ مقاتلين دواعش يدخلون هذه الدار، ربّما يقوم أحدهم بتصفيتي».

سبقَ للشيخ أن أعطانا غرفة خاصة داخل الدار، هذه الدار ليست بيته الأُسَري، فالشيوخ لديهم مضافات منفصلة عن بيوتهم، وعندما كنتُ أمر أمام المضافة كنتُ أختلسُ النظر إلى داخلها، فأرى أشخاصاً من ذوي الذقون والشوارب الحليقة والضفائر. لقد كنّا في منطقة ما من درعا، ويبدو كانت في فترة الثورة خارج سيطرة النظام ومفتوحة على كل الاحتمالات: تحطُّ فيها مجموعاتٌ متعدّدة من بينها من يُنسب لتنظيمات متطرّفة كـ«داعش» أو «النصرة»، وفصائل محلية متنوعة، وفيها عناصر من «الأمن العام» أيضاً.

قلت بصراحة: «سلّمني لفرعٍ رسمي تابع لكم أو دعني أعود إلى أهلي وبيتي، لقد اعتبرتني ضيفاً، وأصبحتُ أشعر بأنني ضيفٌ ثقيل». ردَّ بأنّه سيتحرك وفق «السلطة» و«الإدارة» التابع لها. وقد أبلغهم بأن لديه صحفي وأستاذ جامعة. تبيّنَ لي من الأحاديث والملاحَظات أن الشيخ ربما يكون ضابطاً في الأمن العام. قال لي: «أنا بلّغت الجهات العليا بأنّ عندي صحفيّاً وأستاذَ جامعة، فقالوا لي: احتفظ به، ولا تُفرّط فيه، لأنك مسؤول عنه». ثم أضاف: «أنا ما بقدر أفلتك هاي مسؤوليتي».

عندها حاولتُ أن أفتح أمامه أبواباً جديدة للحديث. قلت له بنبرةٍ فيها شيء من الثقة والتحدّي: «بدك أحكي مع مين؟ وزير الدفاع؟ بحكي معه. قائد الشرطة؟ بحكي معه، بدك مشايخ حوران؟ بحكي معهم. مع مين ما بدك فيني إحكي»، علماً أني لا أعرف أحداً منهم ولا يُمكنني حتى الوصول إليهم..

فكان يردّ عليّ: «لا، لا، خلاص، أنا محلّ ما بدك باخذك. خلّي الأمور عليّ».

في اليوم الخامس جاءني وقال: «خلص، أنا رح أوصّلك على المكان اللي بدك توصله». طبعاً لا أخفيكِ سرّاً، فقد طلبت من مدين مذ وصولنا لهذا المكان ألا يتحدث كثيراً كي لا تتضارب أقوالنا وأن يترك الأمور علي بصفتي ابن عمه الأكبر سناً.

مدين شابٌّ جامعي ومثقف لكنه عصبيُ المزاج ، كان يقول لي أحياناً: «كيف مطول بالك وعم تتعامل معهن بكل هالبرود»، وأنا أقول له: «طول بالك نحن في يدهم ولا خيارات غير ذلك أمامنا. بِصفُّونا ع غلطة». كنتُ أخشى أن يسبّب ذلك توتّراً نحن في غنىً عنه. قلتُ له: «اتركني أُدير الحديث بنفسي، فأنا أكثر دبلوماسيّة منك».

مرّةً قال لي الشيخ: «بتعرف ليش أنا استبقيتك وما سلّمتك؟» قلت له: «تفضل، ليش؟»، قال: «لأنّ من أول ما دخلت علينا، دخلت برجولة. ما كنت خائف ولا متذلّل، حتى وقت الأكل، أكلت بكرامة، المراجل تُحترَم، ونحن نحترمها». ابتسمتُ وقلت في نفسي: نصف المراجل في هذه الدنيا هي خوفٌ من الموت، ولكنّها تلبس ثوب الشجاعة.

خرجنا أنا ومدين معه في السيّارة من درعا إلى بلدة المزرعة في السويداء، في رحلة بدت وكأنها استعراضٌ للقوّة، عبرنا مناطق قتال، المزرعة موقع لجبهة ممتدّة، رأيت فيها حجم القوى المقاتلة المتمركزة في المكان.

ونحن في السيّارة رأينا ما يصلهم من طعام على دفعات من سياراتٍ مخصّصة للإمداد، وعلى بعضها عبارة «من جهّز غازياً فقد غزا». وضعوا لنا في السيارة خمس وجبات على دفعات، ثم واصلوا طريقهم لتوزيع الطعام على المقاتلين.

كان يُشير بيده نحو المزرعة ويقول بفخر: «شايف؟ هاي المزرعة، هاي الجبهات».

ثم قرّر أن يُرسل معنا من يوصلنا إلى دمشق، نزلنا قرب جرمانا عند مدخل المنطقة، قال لنا: «لهون بتوقف مسؤوليتي عنكم. أنزلوا من هون، ودبّروا حالكم».

نزلنا من السيارة ونحن بلا هويّات شخصية، نمشي في الشوارع الداخلية بين الحارات، حتى وصلنا إلى قلب جرمانا. كانت المنطقة في تلك الأيام مغلقة بالحواجز، خوفاً من أي تصعيدٍ أو تحرّكٍ مُفاجئ من قبل أهل جرمانا دعماً لأهالي السويداء.

هكذا انتهت رحلتنا معهم – رحلة امتدّت من بلدة رضيمة اللوا إلى درعا إلى مشارف دمشق، محمّلة بالخوف، بالتوتّر والشكوك، لكنها انتهت بالنجاة. ومن هناك بدأت مرحلة أخرى من السعي الطويل والنضال المختلف.

أمّا بالنسبة لشريكنا الثالث في النجاة، جاري «كرم العك»، فقد علمتُ منه لاحقاً عبر الهاتف أنه بعدما خرجنا من بيت وهيب «علي العك» قفز إلى منزل والده، ومن ثمّ إلى منزل جاره إحسان خيو وقد كان خلفه حمّام خارجي مهجور، تتقدّمه كومة من الأغصان اليابسة ومخلّفات الحديقة، فاختبأ كرم داخله حسب ما أخبرني منذ التاسعة صباحاً حتى فجر اليوم التالي، نحو الثالثة فجراً. ظلّ هناك ساكناً لا يجرؤ على الحركة، مُترقِّباً أي تَبدُّلٍ في الأصوات من حوله. وقبل أن تبدأ العشائر بتحرّكاتها العسكرية، تمكّنَ من الفرار سيراً على قدميه عبر منطقة اللجاة الوعرة. باتجاه قرية مجادل.

على مشارف قرية مجادل التقى بشخص يُدعى ميلاد شلغين، أخذه إلى منزله عند وصوله، أنقذَ حياته وقدّمَ له الماء بعد أن أمضى ما يزيد على اليومين دون أن يشرب، ثمّ تناول طعامه واتصل بأقاربه في مدينة شهبا، الذي قدموا لأخذه. عرفتُ ما حدث له بعد عشرة أيّام، إذ كنتُ آنذاك شبه منقطع عن الناس حتى تمكنتُ من استخراج قيدٍ جديد واسترداد شريحة هاتفي.

هناك تفاصيل وأسماء لم تُذكَر في الشهادة حرصاً على سلامة أصحابها، قد نذكرها بعد تَبدُّل الظروف.

تمكّنتُ لاحقاً من الانتقال عبر القوافل الإنسانيّة إلى مكان آمن.

نهى سويد كاتبة سورية.  المصدر الجمهورية .نت