أشعلتُ شمعاً لثلاثة أيام متتالية. عادةً، لا أفعل هذا. هي ليندا، «أنّونّة» هكذا تحب أن نناديها، التي تفعل ذلك. إشعال الشموع طريقتُها في «الصلاة» من أجل الدعاء بالتوفيق والسلام لمن تحب. طوال سِني معرفتي بها، بصفتي كِنّتها، أشعَلَتْ لي الكثير من الشموع، حتى من أجل نجاحي بامتحانات تعلُّم اللغة الفرنسية في بلد المنفى.

وها أنا أسرقُ طريقتها، علّها تنجح بحمايتها هي وناصر وبشرى ولبنى ودانة ووسام وسليمان وكل من أحب في السويداء. أُشعِلُ الشمع خصوصاً عندما يجتاحني رعب لا طاقة لي بتحمله، حين تظهر علامة صح واحدة رمادية، بدلاً من اثنتين، على رسائل الواتساب، ما يعني أن الرسالة لم تصلها. فأُغرِقُ نفسي بكل التحليلات والأخبار من كل مواقع الإنترنت حتى أكاد أن أختنق.

تقول دانة: نحن بخير. فأُصَدِّقُها فوراً.

في 14 تموز (يوليو) 2025، عاودتني حالات الهلع: ضيق النفس، أحلام غريبة لا تُطاق. لا نعرف ما يحدث في السويداء، أو ربما نعرف لكننا نرفض التصديق. مجزرة، والرعب يشلّ، وأنت بعيد. وفي أحد الأحلام، كان عليّ أن أذهب إلى حفلة أُقيمت على شرفي، لكنني كنت مُنهمكة بكنس بيت جدي الكبير بلا توقف. تركض سلمى ابنتي نحوي وتقول إنها ستموت، وتطلب مني ألا أحزن، ثم تضيف: «على بعض الأطفال أن يموتوا في الحرب لكي نتعادل. أطفال من كل مدينة، وبالتساوي.» أجمد أمام فصاحة لغتها العربية. وفي تلك اللحظة بالذات، وكأن ما قالته أمر يدعو إلى الاحتفال، تتطاير الصحون من غسالة الأطباق، وتتناثر أنابيب المياه الملوّنة في الهواء مثل قصاصات ورق ملونة في حفلة لفريق الغناء «بلاك بينك» الذي تحبه سلمى.

كيف انقلبت الأشياء؟ الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، أُشخبِط على ورقةٍ كلمةَ «سقط» مراتٍ كثيرة، فأراها تتصل بعضها ببعضها. ثم أكتبها من فوق إلى تحت ومن اليمين إلى اليسار وبالعكس فتملأُ بياض الورقة التي تتحول إلى لوحة، تُكملها سلمى بتلوين كلّ أحرفِ الطاء وبتحويل كل خط واقفٍ على الطاء إلى شخصية خيالية ذات عيون كثيرة وأنف غريب. صارت تلك الورقةُ لوحةً لها إطار أزرق، معلقةً على حائط بيتي في المنفى، كتعويذة.

في إحدى النوافذ المفتوحة على شاشة اللابتوب، تظهر أمامي الآن رسالة كتبها لي أستاذي في مدرسة السينما، تقول إنه تأثر كثيراً بما كتبتُه في نص التقديم لفيلمي، وهو الآتي: «وعَدتُ، في دوما 2013، كل من صورتُهم بأني لن أنجز هذا الفيلم إلا بعد سقوط النظام. ها أنا اليوم أعمل على إنجازه، لكن من وعدتُهم، لم يسمح لهم ذلك الذي سقط أن يشهدوا على سقوطه». أحاول من خلال العودة إلى موادي المخزنة والمنسية أن أقوم برحلة لاكتشاف ذاتي وتحريرها، بعد طول اختباء، مثلما تحرر وطني.

السنة 2018. المكان الحازمية (بيروت). حديقة صغيرة، مقعد وحيد، غاردينيا كثيرة. أمام عيادة محلّلة نفسية لا تملك غرفة انتظار. لذا، كان عليّ أن أصل على الموعد المحدد. كانت زيارتي الأولى لها. كنت مترددة، أشعر بالغربة وأرغب بالهروب، حتى أني تأخرت عن موعدي. وأول ما قلته لتبرير حضوري في عيادتها: «عندي رفقات ما كنت بعرفن قبل الثورة، وعم يموتوا كلن بالقصف وما طالع بإيدي شي.»

كنت أحاول أن أتعلم كيف أُعايش جبال الألم التي لا تُطاق. في الخارج، كانت الأخبار تتحدث عن مجزرة جديدة في الغوطة الشرقية، عن محرقة جماعية لمئات المدنيين خلال ثماني وأربعين ساعة. استشهد أبو سلمة وهو يُحاول إنقاذ عائلة من تحت الأنقاض. وقبله استشهد أبو كرم تحت التعذيب. في دوما وجدت انتمائي للوطن الذي أحب. بدأتُ أوثّق أحاديث فريق الدفاع المدني هناك. هم من دسّوا الفكرة في رأسي، حين سمحوا لي بأن أوثّق ما يمرون به، وأن أحفظ الوثائق ذكرى لأطفالهم إن هم غابوا. كان الموت قريباً منهم، أقرب من أي أمل بانتصار الثورة.

بعد خروجي من سوريا، ظلّلتُ على تواصل مع أبي سلمة عبر «سكايب»، أنا في لبنان وهو في دوما. كان يحدّثني عن طفليه، ويروي مطولاً عن بطولاتٍ يُنجزها في إنقاذ من يتعرضون لإجرامِ نظام الأسد. لسنواتٍ بقي هذا الاتصال قائماً، كنتُ خلاله مُنصِتة أكثر مما كنتُ مُتحدثة. وأتذكر أنه أخبرني عن قسوة الاقتتال بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن وجبهة النصرة: إخوة في الدم يقتلون بعضهم بعضاً، ثم لا يلبث قادتهم أن يتصالحوا بعد المذبحة. وكان رفاقي هم الأخوة الذين يختبئون وراء تلك القيادات في مواجهة النظام، ليحموا أنفسهم وأهلهم ومدينتهم.

كنتُ في البعيد، على مسافة من الجحيم، عاجزة عن توجيه أي نصيحة. لكن بعد سنوات، وفي مستقبل تلك المواد المصوّرة، بتُّ أدرك أنه ربما كان عليّ أن أحذّرهم أكثر، أن أُساعدهم على مغادرة وطن يسمح بأن يُقتل فيه الأطفال والآباء والأمهات. اليوم أعود لأختبر الوجع الذي عرفتُه طيلة السنوات الماضية وهو يحتلّ قوالب مختلفة، فالقتل الذي فرحنا بسقوطه يُعيد «بسط الأمن» اليوم بطريقة مُعادة مُهينة ومبنية على أحقاد ودم وثارات تُزرَع بين السوريين. مع مرور الوقت أدركتُ أن الحرب لا تنتهي، بل تتوغّل في داخلنا أكثر فأكثر، مع كل عجزٍ عن حماية كرامة من نحب.

في نافذة أخرى على الشاشة، فتحت الفيسبوك خاصتي. أقرأ رسالة-شتيمة لأنني شاركت منشوراً عن ذلك القتل الفظيع لمواطن سوري سُئل عن طائفته فأجاب: «أنا سوري». أولُ ردّ فعلٍ، أول جملة تبادرت إلى رأسه وهو أمام الموت… أنه سوري.

ومع تتابع الأيام، بدأت تأتي من السويداء صور سوريالية لمقاتلين يُصورون أنفسهم مُتجهين إلى السويداء وفي أيديهم مقصّات وماكينات حلاقة، سلاح رمزي، أداة لجزّ كرامة الآخر. دائرة عنف تولّد عنفاً. مئات يُقتلون ويُحرقون وتُحرق بيوتهم وتُنهب. وكل من يُحاول أن يقول كلمة حق يتحول عدواً للشعب، كما يحصل لبطل مسرحية هنريك إبسين، «عدو الشعب»، عند مواجهته الأنظمة السائدة.

أُخبرها أني اُشعل الشمع من أجلهم، وأعود لأسمع منها وفي رأسي ألعن هذا التكرار: «كان في ضرب وتراجعوا، اليوم هدوء، ماتت بنتها برصاصة براسها، قتلوا أهلها قدامها، الفزعة، شو نيتن قولتك؟» لماذا تسألني عن النوايا؟ وهل تحققت العدالة للسوريين الذين أجرم بحقهم نظام الأسد بقتل تالا، غنى، فاتن، زينة، شهد، عهد، شمس، مجد، منار، رغد، نهى، مرح، نجاة، ابتسام، منى، شام، آمال، فراس، توفيق، كمال، طَلْعت، ربيع، محمد، عمرو… أكثر من 1500 مدني في السويداء يُقدَّر أنهم قُتلوا على يد قوات الحكم الجديد. كان من الممكن أن تتحقق العدالة عقب الدخول السلس إلى دمشق بتاريخ 8 كانون الأول 2024، بإجراء محاكمات عادلة وتعليق مشانق للذين أجرموا بحق الشعب السوري خلال الـ 14 سنة الفائتة.

أُقلّب الصفحات على هذه الشاشة بحثاً عن منشورات تنم عن إنسانية كاتبها، لا عن ردود الفعل البدائية-الإبادية المتبادَلة، كيف يُمكن للبشر العاديين و«المثقفين»، وبخاصة أبناء ثورة كانت الكرامة أبرز شعاراتها، أن يقبلوا بتبرير القتل والفظائع بحجة «الواقعية السياسية» وضرورات المرحلة؟ أليس الأجدى بنا أن ندافع عن كرامة البشر، حتى لو طالبنا بالمستحيل، أن نرفع السقف ونضع «مهمة تخفيضه» على عاتق «الواقعيين» من الساسة. أليس من الخطر محوَ الفرقِ بين السياسي الذي يُساوم بـ «واقعية» والإنسان الذي يُطالب بالعدالة والكرامة مهما بدتا بعيدتَي المنال؟

في طفولتي، كانت أمي تأخذني معها إلى العزاء أحياناً، ربما لأنها لم تجد مكاناً تتركني فيه. أمسك بطرف ثوبها، أدفن وجهي في قماشه المغسول على يديها، المكويّ خصيصاً لتلك اللحظة الثقيلة. من وراء الستحة،  1 ألمح عينيها الدامعتين، وحدهما كانتا نافذةً إلى حزنها. كان العزاء مكاناً للبكاء الصافي، للانكسار الذي لا يُخجل. بعدها، كانت أمي أخفّ: تغني لي قبل النوم، تمسّد شعري، وتطعمني الأكلات الطيبة. في أحلامي هذه الأيام تعود أمي لتجلس بالعزاء مع نساء كثيرات على كراسي خيزران بخط طويل لا أرى نهايته، أدفن وجهي في أطراف ثوبها كل ليلة وأبكي.

كبرنا والسياسة تملأ حياتنا أكثر من أي شيء آخر. نتكلم فيها بلا توقف، وكأننا نملك زمامها، بينما في الحقيقة لم نملك شيئاً منها وكأننا نتكلم عما لا نملك.

في ذاكرة الطفلة التي كنتُها، كنت أُساق بالركلات إلى المدرسة، وأُدفع إلى ترديد الشعارات، وحتى إلى أكل الطعام الذي لا أحبه. كنت أعرف لائحة طويلة من الواجبات، خالية تماماً من أي كلمة عن حقوق. كنت أنتظر أن أكبر لأتحرر. اليوم نُساق جميعاً بالركلات وكأن لا حول لنا ولا قوة. الذل وُزِّع علينا جميعاً بالتساوي، في أزمنة مختلفة، بأساليب مختلفة، لكن دوماً بأيدي السلطات نفسها. والنجاة، هنا أو هناك، لم تكن يوماً نجاة كاملة.