فراس فحام. كاتب سوري
كشفت التسريبات التي نشرتها وكالة بلومبيرغ الأميركية عن اتفاقية جديدة بين تركيا وسوريا تتضمن جملة من البنود، من ضمنها توسيع نطاق العمليات التركية داخل الأراضي السورية إلى حدّ ثلاثين كيلومتراً. ويُرجّح أن تمثل هذه الخطوة تحديثاً لاتفاقية أضنة الموقعة قبل سبعةٍ وعشرين عاماً بين أنقرة ودمشق، عقب تخلي نظام حافظ الأسد عن احتضان عبد الله أوجلان ومعسكرات حزب العمال الكردستاني نتيجة للتلويح التركي بالخيار العسكري.
دور تركي رئيسي في ملف شمال سوريا وشرقها
بموجب الاتفاقية الجديدة ستكون تركيا قادرة على تنفيذ عمليات جوية وحتى برية بعمق ثلاثين كيلومتراً على طول الشريط الحدودي مع سوريا عند الضرورة، ما يعني أن لأنقرة دوراً رئيسياً في ملف شمال سوريا وشرقها، الذي تسيطر عليه “قسد” ووحدات تابعة لحزب العمال الكردستاني.
وخلال الأشهر الماضية ترددت فرضية تشير إلى تراجع رغبة تركيا في التدخل باستخدام القوة، نظراً لاعتبارات داخلية تتعلق بإنجاح مسار التسوية بينها وبين حزب العمال الكردستاني ضمن عملية “تركيا خالية من الإرهاب”، التي انطلقت إثر إعلان زعيم الحزب عبد الله أوجلان في شباط/ فبراير الماضي إلقاء السلاح.
لكن يبدو أن أنقرة، بالتنسيق مع دمشق، ترتّب الأجواء لتحركات جديدة ومدروسة. ومن الواضح أن هناك ترابطاً بين الملفات، ما يدفع أنقرة للتعويل أكثر على دمشق في حلّ معضلة شمال شرقي سوريا.
ومع ذلك، ليس بالضرورة أن تؤدي العمليات الأمنية التركية المستقبلية إلى أثر سلبي على مسار التسوية في تركيا، إذ قد تركز على قيادات ووحدات كردية ترفض إعلان أوجلان إلقاء السلاح، وانتقلت من الأراضي العراقية إلى سوريا خلال الأشهر الماضية هرباً من العمليات التركية. أي أن التحرك العسكري التركي الدقيق لاحقاً لن يمتد ليشمل جناح “قسد” الموافق على الاندماج ضمن الدولة السورية.
تركيا تستحضر مقاربتها الأمنية في العراق داخل سوريا
تشير الخطوات التي تتخذها تركيا في سوريا، ولا سيما الاتفاق الأخير مع دمشق لتوسيع نطاق العمليات العسكرية، إلى استحضار المقاربة الأمنية نفسها التي اعتمدتها في العراق. فقد وقعت أنقرة اتفاقية أمنية مع بغداد صيف عام 2024، ما أتاح لها توسيع نطاق عملياتها العسكرية شمالي العراق لتصل إلى دهوك، بهدف فرض مزيد من الضغوط على معاقل حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل ومتين وكارا.
واستندت أنقرة أيضاً في تحركاتها إلى تنسيق أمني مع حكومة إقليم كردستان التي يترأسها الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، الذي استفاد بدوره من هذه العمليات لتفكيك الضغوط التي كان يفرضها عليه الحزب بالتنسيق مع إيران.
ومن المحتمل أن تدعم تركيا مستقبلاً فكرة عودة “البيشمركة السورية” وانتشارها في المناطق الحدودية مع سوريا، بالتوازي مع تفكيك نفوذ حزب العمال الكردستاني.
تشكّلت “البيشمركة السورية” عام 2012، وتضم عناصر وضباطاً انشقوا عن نظام الأسد، وتحظى بدعم حكومة إقليم كردستان التي يقودها الحزب الديمقراطي الكردستاني. ومن المرجح أن يحظى انتشارها على الحدود السورية – التركية بدعم كلٍّ من دمشق وحكومة إقليم كردستان العراق، والولايات المتحدة التي طورت في الفترة الأخيرة علاقاتها بشكل كبير مع الإقليم والحزب الديمقراطي، إلى درجة أن واشنطن ستحتفظ بقاعدة في أربيل فقط وتنسحب من باقي مواقعها في العراق، لتتابع منها عمليات مكافحة الإرهاب.
وفي الأسابيع الماضية أرسلت دمشق رسائل إلى “المجلس الوطني الكردي” الذي تُعتبر “البيشمركة السورية” ذراعه العسكرية، ودعته إلى عقد لقاءات، ما دفع “شبيبة الثورة” المرتبطة بحزب العمال الكردستاني إلى ممارسة ضغوط على المجلس والاعتداء على بعض مقاره في محافظة الحسكة لمنعه من التفاوض مع دمشق، التي ترغب بعدم حصر تمثيل أكراد سوريا بـ”قسد”.
من الواضح أن التيار المرتبط بحزب العمال الكردستاني المنتشر في شمال شرقي سوريا استطاع إلى حدٍّ كبير إعاقة تنفيذ التفاهمات بين دمشق و”قسد”، وهو ما يفسر تضارب التصريحات الصادرة عن قائد “قسد” مظلوم عبدي، وتلك التي تصدر عن قائد “وحدات الحماية الكردية” سيبان حمو. وبالتالي، فإن جميع الخيارات باتت مطروحة مستقبلاً في ظل انسداد الأفق السياسي.
المصدر .موقع تلفزيون سوريا