سانتياغو مونتاغ سولير- صحافي تشيلي… المصدر موقع درج
تصاعد التوتّر في السادس من تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، في حيّي الشيخ مقصود والأشرفيّة في حلب، اللذين يخضعان لسيطرة “قسد” منذ العام 2015، حين فرضت القوّات الحكومية السورية حصاراً عليهما.
أعلن قائد “قوّات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي، مؤخّراً، أن دمج القوّات الكردية في الجيش الوطني السوري الجديد بات “وشيكاً”، وأن المحادثات مع حكومة دمشق تحقّق تقدّماً رغم شهور من الخلافات السابقة.
ويأتي هذا الدمج المحتمل بعد الاتّفاق الذي وُقّع في 10 آذار/ مارس الماضي، بين “قسد” والحكومة السورية، والذي يهدف إلى وضع إطار لضمّ القوّات الكردية إلى الجيش السوري.
لكنّ المفاوضات تعثّرت عند قضايا أساسية، خصوصاً ما يتعلّق باستقلاليّة الوحدات الكردية داخل القوّات المسلّحة، والسيطرة على المناطق الغنيّة بالموارد مثل دير الزور والرقّة والحسكة.
جاء اللقاء بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، عقب اشتباكات في حيّي الشيخ مقصود والأشرفيّة في حلب، ذوَي الغالبية الكردية، بين قوّات الأمن الكردية المحلّية والقوّات الحكومية، ووقعت مواجهات مشابهة في مناطق أخرى بين “قسد” المدعومة من الولايات المتّحدة والجيش السوري.
وقد أثارت هذه المعارك، التي اندلعت مطلع تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، شكوكاً جديدة حول مستقبل الكرد في سوريا؛ تلك الفئة التي لعبت دوراً محورياً في الحرب ضدّ تنظيم “داعش” لسنوات.
ورغم التوصّل الآن إلى “وقف إطلاق نار شامل” وتراجع حدّة التوتّر، تبقى الأوضاع هشّة. فالهدنة أعادت فتح طرق الإمداد إلى المناطق المتأثّرة، لكن لم يتمّ التوصّل بعد إلى اتّفاق دائم، أو تسوية نهائية لوضع القوّات الكردية.
حصار الشيخ مقصود والأشرفيّة
تصاعد التوتّر في السادس من تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، في حيّي الشيخ مقصود والأشرفيّة في حلب، اللذين يخضعان لسيطرة “قسد” منذ العام 2015، حين فرضت القوّات الحكومية السورية حصاراً عليهما.
هذان الحيّان الكرديان، اللذان يقطنهما نحو 400 ألف شخص، يعيش سكّانهما في خوف دائم؛ ليس فقط من هجمات محتملة من النظام، بل أيضاً من تهديد الميليشيات المدعومة من تركيا.
واتّهمت الحكومة السورية عبر “قوّات الأمن العامّ” الوحدات الكردية، بإطلاق النار أوّلاً في بلدة دير حافر القريبة، ممّا أدّى إلى تصعيد سريع، وردّت دمشق بقوّة، فنشرت الدبابات والهاون والقوّات، وأغلقت كلّ المنافذ المؤدّية إلى الحيّين.
وقال محمّد، وهو صحافي محلّي كان في حلب آنذاك: “كان الأمر أشبه بالعيش في سجن مفتوح”، فقد عُزلت المدينة بالكامل، وانقطعت الاتّصالات، وبات المدنيون من دون كهرباء أو رعاية طبّية. وانطلقت احتجاجات في الحيّين لفكّ الحصار، لكنّ القوّات السورية قمعتها بعنف باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي. وسرعان ما اندلعت الاشتباكات، فوجد السكّان أنفسهم عالقين وسط المعارك العنيفة، وبعد ساعات من القتال، سافر وفد كردي إلى دمشق لبدء جولة جديدة من المفاوضات، كان شرطها الأوّل إعلان وقف إطلاق النار.
اتّفاق دمج “قسد” في الجيش السوري
هدفت المفاوضات المتجدّدة إلى إحياء اتّفاق 10 آذار/ مارس، الذي اقترح دمج “قسد” في الجيش السوري، ورغم أن عبدي وصف المحادثات بأنها “إيجابية”، واعتبر الدمج أمراً لا مفرّ منه، واجهت العمليّة عقبات كبيرة.
النقطة الخلافية الأساسية هي شرط “قسد” أن تحتفظ وحداتها القتالية بقدر من الاستقلاليّة، وهو ما ترفضه الحكومة السورية التي تصرّ على توحيد كامل تحت القيادة المركزية.
وأكّد عبدي أن “قسد” مستعدّة للاندماج، لكن من دون تفكيك هياكلها الداخلية أو قيادتها. بالنسبة إلى القوّات الكردية، يبقى فقدان السيطرة الميدانية، والاستقلال الذاتي الذي اكتسبته خلال الحرب ضدّ “داعش” والميليشيات المدعومة من تركيا، هاجساً دائماً.
علاوةً على ذلك، تزامن الاتّفاق الأصلي مع فترة توتّر متزايد جزئياً بسبب غياب أيّ تمثيل رسمي لـ”قسد” في الحكومة السورية الانتقالية. فبدلاً من حلّ نفسها، تريد “قسد” الانضمام ككتلة موحّدة، ما يثير تساؤلات حول علاقتها مع فصائل الجيش السوري الأخرى، خصوصاً تلك المقرّبة من تركيا، أو التي تضمّ جماعات إسلامية.
وتُصرّ “وحدات حماية الشعب” (YPG)، الفرع السوري من حزب “العمّال الكردستاني” (PKK)، بشكل خاصّ على الحفاظ على استقلالها، بخلاف جناح عبدي الذي يميل إلى خيار الاندماج.
النساء في الصفوف: تحدٍّ للهيكل العسكري الأبوي في سوريا
يُعدّ الحضور النسائي اللافت داخل “قسد” أحد أبرز سماتها، لا سيّما في صفوف “وحدات حماية الشعب”، فقد أصبحت المقاتلات رمزاً خلال الحرب ضدّ “داعش”، وهنّ غير مستعدّات للتراجع الآن.
في جيش سوري طالما اتّسم بهيكل هرمي أبوي محافظ، ليس واضحاً كيف ستتفاعل العناصر المتشدّدة مع فكرة دمج النساء في أدوار قتالية وقيادية. فبعض القادة العسكريين، خصوصاً من الفصائل المتطرّفة، قد يرون في وجود النساء تهديداً للقيم التقليدية. هذا العامل يزيد تعقيد عمليّة الدمج، لأن المقاتلات يشكّلن جزءاً محورياً في البنية الكردية، ولعبن دوراً حاسماً في المعارك.
النفوذ التركي ودور القوى الأجنبية
ترتبط مسألة الدمج ارتباطاً وثيقاً بالموقف التركي. فمنذ بداية النزاع، تعتبر تركيا “قسد” تهديداً للأمن القومي بسبب صلتها بحزب “العمّال”. وجود القوّات الكردية في شمال شرق سوريا، كان دائماً مصدراً للتوتّر بين دمشق وأنقرة، وقد نفّذت تركيا بالفعل عدّة عمليّات عسكرية داخل الأراضي السورية، وتحتفظ بعدد من القواعد هناك.
وحذّرت أنقرة من أنها ستتّخذ إجراءات عسكرية إذا لم تنضمّ “قسد” إلى الجيش السوري بحلول كانون الأوّل/ ديسمبر المقبل. وكرّر الرئيس رجب طيب أردوغان مراراً أن غياب الاندماج الكامل قد يبرّر التدخّل. هذا التهديد القائم قد يدفع “قسد” إلى التشبّث أكثر بمطلبها في الحكم الذاتي بدل التنازل.
في الوقت نفسه، تلعب الولايات المتّحدة دوراً أساسياً لكنّه محدود في دعم المفاوضات. فبرغم كونها الحليف الأبرز لـ”قسد” في الحرب ضدّ “داعش”، تدعم واشنطن فكرة إعادة دمج الشمال الشرقي تحت سلطة دمشق، ما يكشف حدود الدعم الأميركي للطموحات الكردية.
طريق هشّ نحو إعادة إعمار سوريا
تبقى سوريا إحدى أكثر مناطق الصراع تعقيداً في العالم. وفي هذا الفراغ الذي تلا الحرب، تبدو آفاق الحلّ السياسي الدائم بعيدة المنال. التوتّرات السياسية والعسكرية في شمال شرق سوريا تُبرز التحدّيات الكبرى التي تواجه إعادة إعمار البلاد.
فبينما دفعت بعض الفصائل السورية — من ضمنها الكرد — نحو اللا مركزية والحكم الذاتي، يرفض النظام المركزي بقيادة أحمد الشرع، المدعوم من القبائل العربية في الشمال الشرقي، التنازل عن السيطرة على المناطق الكردية المستقلّة. كما أن مصير أكثر من 12 ألف أسير من تنظيم “داعش”، وضمان حقوق الأقلّيات مثل الكرد، ما زالا غير محسومين، ممّا يعقّد تنفيذ أيّ اتّفاقات محتملة.
إلى ذلك، تواصل القوى الخارجية: الولايات المتّحدة، والدول الأوروبية، وتركيا، ودول الخليج، لعب أدوار متشابكة وفق أجنداتها الخاصّة. هذا التدخّل الخارجي لا يعقّد فقط مسار السلام، بل قد يطيل أمد الحرب إن لم يتمّ التوصّل إلى اتّفاق يُرضي جميع الأطراف.
تبقى الأوضاع في سوريا شديدة الهشاشة، فالتوتّر بين “قسد” وحكومة دمشق، والاشتباكات في حلب، والتهديد التركي بالتدخّل، وغموض مصير دمج القوّات الكردية في الجيش الوطني، جميعها عناصر محورية ستحدّد مستقبل البلاد.
دمج الكرد في الجيش السوري قد يشكّل نقطة تحوّل في إعادة إعمار سوريا، لكنّ العقبات التي تعترض طريق الحلّ النهائي ما زالت كثيرة، وكلّ أزمة جديدة هي تذكير قاسٍ بمدى سهولة انزلاق سوريا مجدّداً إلى أتون حرب شاملة.
المصدر موقع درج