أحمد حسن – صحافي مصري. موقع درج
إجمالاً، باستثناء النقابات المهنية التي تشهد حراكاً مستمراً، لم تعرف مصر انتخابات تنافسية حقيقية لأكثر من عقد كامل، سواء على مستوى الرئاسات أو المجالس التشريعية، إذ عمدت الأجهزة الأمنية التي باتت تتحكم في المشهد السياسي بشكل كامل منذ 2015، إلى تفريغ فكرة التنافس من مضمونها وترسيخ قاعدة ثابتة هي أن البرلمان يعيَّن ولا يُنتخب في غالبيته على الأقل من الشارع عبر صناديق الاقتراع.
سيكون البرلمان المصري المقبل، الذي رسم خارطة طريقه، الثالث والأخير في عهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، لا يتوقع أن يختلف كثيراً عن الدورتين السابقتين 2015 و2020 من حيث الأداء التشريعي والرقابي الذي غلب عليه الانحياز المباشر الى مشروعات الحكومة وقراراتها على حساب المواطن نفسه. إلا أنه قد يشهد تغييراً طفيفاً في الوجوه الحاضرة تحت القبة، سواء في معسكر اليمين الذي ضخت السلطة فيه دماء جديدة بحزب موال آخر، أو في معسكر المعارضة التي أُفسح لها المجال للمنافسة على عدد أكبر من المقاعد، لإضفاء تعدّدية سياسية مصطنعة.
أزاحت السلطة بعض الوجوه المحسوبة عليها من صدارة المشهد النيابي لتعبيد الطريق أمام غيرهم لخلق تنافس ظاهري داخل معسكر الموالاة، إذ شهدت القوائم الأولية للمرشحين استبعاد قيادات بارزة بحزب “مستقبل وطن”، الذي تأسس في أعقاب 30 حزيران/ يونيو 2013، وهو الحزب صاحب الغالبية البرلمانية في الدورة الأخيرة، من بينها رئيس الهيئة البرلمانية للحزب عبدالهادي القصبي ونائب رئيس الحزب علاء عابد الذي كان يرأس لجنة النقل بالبرلمان المنتهية ولايته، بالإضافة إلى أسماء أخرى كرست وجودها في الدورتين البرلمانتين الأخيرتين مثل النائب أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب.
واللافت أن هذه التغييرات تبرَّر من المستبعدين بأنها تحدث لتداول السلطة وإفساح المجال لقيادات بديلة، إذ أُبلغ المرشحون بمنع الترشح أكثر من دورتين لإحلال تجديد في شكل البرلمان.
يتيح هذا التغيير الفرصة للاعب الجديد “الجبهة الوطنية”، وهو الحزب الذي ارتبط اسمه برجل الأعمال المقرب من السلطة إبراهيم العرجاني، وخرج من رحم اتحاد القبائل العربية، للاستحواذ على عدد أكبر من المقاعد وإن كانت السيطرة ستظل محسومة لحزب “مستقبل وطن” المقرب من الأجهزة الأمنية.
استطاع “الجبهة الوطنية” الذي يخوض الماراثون النيابي للمرة الأولى بقائمة يتصدرها رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان وعدد من الوزراء السابقين، أن يضع قدماً له في الساحة السياسية من بوابة مجلس الشيوخ الذي شهدت انتخاباته تقاسماً للمقاعد بين الأحزاب المحسوبة على الدولة، إذ استحوذ حزب “مستقبل وطن” على ستين مقعداً من أصل مئة مخصصة للنظام الفردي، بينما حصل حزب حماة الوطن على 25 مقعداً، ونال حزب الجبهة الوطنية عشرة مقاعد، وتوزعت المقاعد المتبقية على أحزاب أخرى.
إعادة هندسة المشهد الانتخابي ليست قاصرة على الموالاة فحسب، فالمعارضة أيضاً أُعد لها دور مختلف عن سابق التواريخ التي شهدت إقصاءها كاملاً أو السماح لعدد محدود منها بمشاركة رمزية، إذ تحدثت كوادر حزبية محسوبة على المعارضة عن إخلاء الأحزاب المقربة من السلطة دوائر بعينها تصل إلى 40 دائرة لمرشحين مستقلين ومعارضين لإتاحة الفرصة لزيادة تمثيلها في البرلمان المقبل، بل أشار البعض إلى تلقيهم ضوءاً أخضر من أجهزة الأمن بعدم التضييق على أصحاب الشعبية في الدوائر التي يتنافسون على مقاعدها.
الوعود التي تلقتها بعض أحزاب المعارضة المنضوية في قائمة واحدة مع أحزاب الموالاة تحققت في بعض الدوائر بالفعل، إذ قرر حزبا مستقبل وطن والجبهة الوطنية عدم الدفع بمرشحين في مراكز ثقل شخصيات معارضة موجودة بالفعل في البرلمان الحالي، وهم رئيس حزب العدل عبدالمنعم إمام الذي أعلن ترشحه على المقاعد الفردية للمرة الأولى، ونائب دمياط ضياء الدين داوود أحد أشهر وجوه المعارضة تحت القبة، وأحمد بلال عن دائرة المحلة، كذلك النائب أحمد الشرقاوي في المنصورة.
غير أن مرشّحي أحزاب اليسار المنضوية في الحركة المدنية الديمقراطية، التي رفضت الانخراط في القائمة الموحدة، فلا تنطبق عليهم هذه المعايير، إذ يخوض المنسق العام للحركة طلعت خليل المنافسة في دائرة السويس وسط عدد من مرشحي أحزاب مستقبل وطن والجبهة الوطنية، وهو حال مرشح التحالف الشعبي الاشتراكي هيثم الحريري في الإسكندرية، الذي قال في تصريحات لـ”درج” إن النظام لا يقف على مسافة واحدة من المرشحين المستقلين والمعارضين.
الحريري فوجئ باستبعاده من كشوف القوائم الأولية لانتخابات مجلس النواب لسبب غير معلوم، وهو ما دفعه الى التقدم بطعن أمام مجلس الدولة بالإسكندرية
الحريري، الذي سبق وأن نجح في انتخابات 2015 في مسقط رأسه استناداً إلى إرث والده أبو العز الحريري، أحد أشهر الوجوه اليسارية في العقود الثلاثة الماضية، على رغم محاولات إقصائه من السباق الانتخابي، يؤمن بالفوز هذه الدورة إن لم تحدث تدخلات أمنية تغير مسار التصويت لصالح مرشحين محسوبين على الحكومة، مشيراً إلى أن استخدام المال السياسي والتضييق الأمني على نشاط المرشحين أبرز التحديات التي تواجه المستقلين، وخصوصاً أحزاب اليسار التي لا تمتلك الموارد المالية الكافية للإنفاق على الحملات الانتخابية الإنسان في مصر
أمام التفاهمات التي تشهدها بعض الدوائر الانتخابية، يواجه مرشحو تحالف “الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية”، وهو تحالف انتخابي يضم عدداً من أحزاب اليسار وينافس على 150 مقعداً فردياً، يواجه مرشحوه عراقيل أثناء عملية الترشح، منها الامتناع عن استلام أوراق الترشح وحذف أسمائهم من قاعدة بيانات الناخبين، وهو ما حدث أيضاً مع المحامي محمد أبو الديار، المتحدث السابق باسم حملة المرشح الرئاسي أحمد الطنطاوي، الذي فوجئ بحذف اسمه من قاعدة بيانات الناخبين خلال استعداده لاستخراج شهادة تفيد بتمتعه بمباشرة حقوقه السياسية ضمن أوراق الترشح عن دائرة كفر الشيخ.
مثّل الأمر مفاجأة لأبو الديار، إذ لم يحذف اسمه إلا بعد إعلانه الترشح لانتخابات البرلمان، وهو عدّه استهدافاً شخصياً لحرمانه من مباشرة حقوقه السياسية، على رغم عدم وجود حكم قضائي يمنع ذلك في قضية التوكيلات الشعبية التي سُجن على إثرها عاماً مع مؤسس حزب تيار الأمل أحمد الطنطاوي في خضم ترشحه للانتخابات الرئاسية الأخيرة، ما يعكس وجود فيتو أمني على أسماء بعينها لن يسمح لها بالمشاركة في الانتخابات المقبلة.
تلك الأجواء دفعت ببعض المرشحين المحسوبين على المعارضة إلى الانسحاب من السباق قبل انطلاقه. يقول مجدي حمدان، أحد قيادات حزب المحافظين المعارض، لـ”درج”، إن المؤشرات الميدانية لا تشي بأن الانتخابات البرلمانية المقبلة تسير من دون تدخلات حكومية لتوجيه المنافسة، وتشكل عودة صريحة إلى زمن الوصاية السياسية والبرلمانات المُفصلة على المقاس، كزمن الحزب الوطني والصفقات والولاءات، بحسب تعبيره، معرباً عن قلقه من خوض الماراثون في انتخابات سيكون عنوانها الاختيار الحر ومضمونها التعيين.
اللافت أن المعارضة في مصر حتى مع شكواها من بيئة العمل السياسي وعدم توافر ضمانات العدالة التنافسية، لم تعد تلوح بمقاطعة الانتخابات خشية من عزلها سياسياً في ظل القيود التي تحاصرها منذ سنوات طويلة، وتتعامل مع “الحيز المتاح” الذي تتركه لها السلطة، وهو ما يفسر اتجاه بعض أحزابها إلى الاندماج مع السلطة في قائمة انتخابية موحدة لعدم تكريس عزلتها وأملاً بتراكم خبراتها وميراثها السياسي عند الشارع، فيما تعول الأحزاب اليسارية الرافضة مبدأ التحالف مع السلطة، على قدرة بعض المرشحين في إحداث اختراق في دوائر انتخابية تستطيع من خلالها أن تطرح قضاياها وتشتبك مع مشروعات القوانين التي تمرَّر من دون رقابة.
مثلاً، البرنامج الانتخابي “حق الناس” الذي يحمله تحالف أحزاب اليسار، يطالب بوقف سياسة الاستدانة المتواصلة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام بما يخدم احتياجات الناس بدلاً من المشروعات الكبرى كثيفة الاستثمار، والتصدي لوقف بيع الأصول العامة وتجريف القطاع العام، خصوصاً أن البرلمان الأخير كان جسراً تشريعياً للدولة، ومرر قوانين كثيرة واجهت اعتراضات شعبية، منها قانون الإيجار القديم الذي أحدث صخباً واسعاً في الفصل التشريعي الأخير، نظراً الى تهديده استقرار حياة ملايين الأسر التي تقطن بيوتاً منذ عقود طويلة ولم توفر لها الحكومة البديل مع فسخ العلاقة الإيجارية بشكل نهائي بعد مرور 7 سنوات.
كما مرر البرلمان قانون الإجراءات الجنائية المثير للجدل على رغم التحفظات الحقوقية عليه بسبب بنود تتعلق بالحريات الشخصية، وهو ما استدعى إعادته من رئيس الجمهورية بعد مناشدات أممية وحقوقية واسعة لإعادة دراسته بنوده من جديد لتحقيق مزيد من الضمانات المقررة لحرمة المسكن وكفالة حقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وزيادة بدائل الحبس الاحتياطي للحد من اللجوء إليه.
إجمالاً، باستثناء النقابات المهنية التي تشهد حراكاً مستمراً، لم تعرف مصر انتخابات تنافسية حقيقية لأكثر من عقد كامل، سواء على مستوى الرئاسات أو المجالس التشريعية، إذ عمدت الأجهزة الأمنية التي باتت تتحكم في المشهد السياسي بشكل كامل منذ 2015، إلى تفريغ فكرة التنافس من مضمونها وترسيخ قاعدة ثابتة هي أن البرلمان يعيَّن ولا يُنتخب في غالبيته على الأقل من الشارع عبر صناديق الاقتراع.
لذا تجرى الانتخابات في شكل أقرب إلى استفتاء، الكتلة الرئيسية به لا مساس بها وإن تغيرت وجوهها تضمن فوزها بمجرد أن تنضم الى القائمة الموحدة حيث لا مقارع لها طالما كان النظام الانتخابي بالقائمة المطلقة وليس النسبية الذي يسمح بتمثيل أكبر لجميع الأحزاب المتنافسة، فيما تترك المقاعد الفردية كفتات يتنافس عليها أصحاب الملاءة المالية والوجهاء وأبناء العائلات الكبيرة. أما أصحاب الخلفيات السياسية المعارضة فإما أن يتم إقصاؤهم مبكراً من السباق الانتخابي لأسباب مختلقة أو تقييد شكل مشاركتهم بشكل لا يسمح بكسب الأصوات، أو دفعهم الى الانزواء يأساً وقنوطاً داخل مقار أحزابهم.
يصف المعارض المصري المقيم بالخارج هشام قاسم ما يحدث في المشهد الانتخابي في مصر بالهندسة السياسية، عبر قواعد قانونية وسياسية مصممة لضمان مخرجات متوقعة، حيث تحدد سلفاً نسب كل حزب عبر قائمة مغلقة لا ينافسها أحد وباستخدام كوتة التعيين الرئاسي لتأمين الكتلة الصلبة داخل البرلمان، فيما يسمح بمرور عدد محدود من المعارضين لإضفاء طابع التعددية، وهو ما يفضي في النهاية إلى برلمان محدود الفاعلية يتمتع بجيوب معارضة صغيرة لا تغير في موازين الرقابة أو التشريع.
المصدر موقع درج