ميشال شماس.. محامي سوري
جاءت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو في ظرف بالغ الدقة، داخلياً وإقليمياً، حيث تختلط حسابات النفوذ بالتحالفات القديمة، وتتقاطع مصالح القوى الكبرى على الأرض السورية. وبينما سارع البعض إلى تصوير الزيارة كـ”انتصار سياسي”، كان من الأجدر النظر إليها كفرصة لإعادة تعريف العلاقة بين دمشق وموسكو، بما يحفظ المصلحة الوطنية السورية ويعيد للساحة السياسية شيئاً من المبادرة المستقلة التي غابت طويلاً.
رغم أن الاستقبال الروسي للشرع بدا لافتاً في رمزيته بحضور بوتين ووزير خارجيته لافروف، وتغطية إعلامية متقنة، وإشارات توحي بأن الكرملين يفتح الباب أمام صفحة جديدة مع القيادة السورية الجديدة وأنه يتعامل معها بجدية سياسية، إلا أن خلف هذه المظاهر، تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة. ما الذي تريده روسيا فعلاً من سوريا في هذه المرحلة؟ وما الذي يمكن لدمشق أن تحققه من هذه الزيارة إذا أحسنت استثمارها سياسياً؟
ما حدث في عهد نظام الأسد المخلوع هو أن العلاقة مع موسكو مالت كفّتها لصالح الأخيرة، فتحوّلت من تعاون استراتيجي إلى هيمنة غير معلنة في ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. وهذا الواقع، بكل ما يحمله من اختلال، يفرض اليوم مقاربة واقعية: فسوريا بحاجة إلى علاقات متوازنة مع القوى الفاعلة دولياً، وروسيا بحاجة إلى شريك عربي شرعي ومستقر في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، جاءت زيارة الشرع إلى موسكو كمحاولة أولى لإعادة ضبط هذه العلاقة المختلة، لا عبر المواجهة، بل عبر إعادة ترسيم حدودها السياسية والاقتصادية. ولم تُعلن نتائج تفصيلية كبيرة للزيارة، وهذا كان متوقعاً، إذ لم يكن الهدف التوقيع على اتفاقيات جديدة، بل فتح مسار تفاوضي يخرج دمشق من موقع “الزبون السياسي” إلى موقع “الشريك المتكافئ”. وقد أبدت روسيا استعدادها للحوار، دون أن تُبدي أي نية للمساس بجوهر النفوذ الذي راكمته على مدى عشر سنوات. ومع ذلك، يمكن القول إن الزيارة كشفت عن تحول في طريقة التعاطي الروسي، إذ باتت موسكو تتعامل مع الرئاسة السورية الجديدة كمرجعية سياسية شرعية، وأعادت فتح ملف إعادة الإعمار والديون، ولكن ضمن شروط تُلزم دمشق بتقديم ضمانات إضافية.
فالنتائج المعلنة للزيارة ليست هي ما يستحق التوقف، بل ما ظل في خلفية المشهد: الإرث العسكري والسياسي الذي خلّفته سنوات التدخل الروسي في سوريا، وما يفرضه من مراجعة أخلاقية وسيادية لا يمكن تجاوزها. فموسكو شاركت في عمليات عسكرية خلّفت آلاف الضحايا المدنيين ودمّرت البنية التحتية في مناطق واسعة، واستمرت في حماية بشار الأسد وعدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين، رغم ارتباطهم بانتهاكات جسيمة. ويُضاف إلى ذلك ما كشفه تقرير رويترز خلال وجود الشرع في موسكو، بشأن تورط روسيا في طمس الأدلة على الجرائم الجماعية، عبر تقديم النصح للنظام البائد بنقل الجثث من مقابر القطيفة إلى صحراء الضمير.
روسيا، التي لم تكتف بالمشاركة في القتل والتدمير، بل ساعدت في إخفاء آثار الجرائم، لا يمكن أن تُعامل كضامن لمصلحة الشعب السوري. هذا الدور يكشف أنها تعارض شكل الحكم في سوريا، بل تدعمه ما دام يضمن لها النفوذ، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة الشعب السوري. وإذا كانت القيادة السورية الجديدة جادة في بناء علاقة متوازنة، فإن ذلك يقتضي فتح ملف المساءلة، لا بهدف التصعيد، بل لترسيخ مبدأ أن الشراكة لا تُبنى على الإفلات من العقاب، وأن السيادة لا تُستعاد إلا حين يُعاد الاعتبار للضحايا، ويُعاد النظر في من مثّل الدولة خلال سنوات الحرب.
ورغم أن التصريحات الرسمية لم تتناول ملفات حساسة كالقواعد العسكرية أو عقود الطاقة، إلا أن بعض التسريبات غير المؤكدة تشير إلى أن الشرع طرح خلال لقائه مع القيادة الروسية تصوراً أولياً لمراجعة تدريجية للوجود العسكري الروسي في سوريا، يبدأ بإعادة توصيف قاعدة حميميم كمركز تدريب مشترك، وينتهي بإخضاع عقود الامتيازات الاقتصادية لمراجعة برلمانية سورية.
وإذا ثبتت صحة التسريبات، فإنها تعكس تحولاً في طريقة تفكير القيادة السورية الجديدة تجاه العلاقة مع موسكو من إدارة التبعية إلى محاولة هندسة شراكة متوازنة، عبر مسار تفاوضي طويل يعيد رسم حدود النفوذ ويستعيد شيئاً من القرار الوطني المستقل. لكن هذا المسار، مهما بدا واعداً، يصطدم بجدار الاتفاقيات السابقة التي كرّست واقعاً سياسياً وأمنياً بالغ التعقيد، وهو ما يستدعي مراجعة قانونية وسياسية دقيقة لما تم توقيعه في سنوات الحرب.
من الناحية القانونية البحتة، يمكن لأي دولة أن تراجع أو تلغي اتفاقاً دولياً إذا توافرت شروط محددة، مثل أن يكون الاتفاق قد أُبرم تحت ضغط أو إكراه عسكري، أو أن يتعارض مع المصلحة العليا للدولة أو مبدأ السيادة، أو أن يتجاوز الصلاحيات الدستورية لجهة التوقيع. لكن من الناحية الواقعية، إلغاء الاتفاقيات بالقوة أمر شبه مستحيل في المدى القريب، بسبب الوجود العسكري الروسي الفعلي على الأراضي السورية، وبسبب حاجة الدولة السورية إلى الغطاء السياسي والأمني الذي توفره موسكو في مجلس الأمن.
الحل الممكن إذاً هو المراجعة التدريجية: فتح مفاوضات لإعادة صياغة بنود الاتفاقيات بما يحدّد مدة زمنية واضحة لوجود القواعد العسكرية؛ تحويل الوجود الروسي من “وجود دائم” إلى “وجود تدريبي–استشاري”؛ ووضع جميع العقود الاقتصادية تحت رقابة برلمانية ودستورية.
المصلحة السورية الحقيقية ليست في الاصطفاف الأعمى مع موسكو، ولا في القطيعة معها، بل في بناء معادلة مصالح متبادلة تحفظ السيادة وتضمن الاستقرار. الزيارة يجب أن تُستثمر لإطلاق حوار جاد حول مستقبل العلاقة، يقوم على تحديد سقف زمني واضح للوجود العسكري الروسي، وإعادة النظر في عقود الطاقة والمرافئ لتخدم الاقتصاد السوري لا الشركات الروسية فقط، وتوسيع العلاقات الخارجية لتشمل شركاء عرباً وغربيين، كي لا تبقى روسيا هي النافذة الوحيدة إلى العالم. بهذه الطريقة فقط يمكن تحويل الزيارة من مجرد حدث بروتوكولي إلى محطة تأسيسية لسياسة خارجية جديدة تقوم على مبدأ “التوازن لا التبعية”.
زيارة الشرع إلى موسكو ليست انتصاراً ولا هزيمة، بل لحظة اختبار حقيقي لمدى قدرة القيادة السورية على استعادة القرار الوطني، دون إنكار الواقع، ودون الارتهان لوعود لا تعيد بناء الدولة، بل تعيد إنتاج التبعية. إنها فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع قوة كبرى، لا عبر المجاملة الدبلوماسية، بل عبر مساءلة الإرث، وتثبيت السيادة، وإعادة الاعتبار لمن دفعوا ثمن الحرب، لا لمن أفلتوا من تبعاتها.
فإذا كانت موسكو راغبة فعلاً في شراكة جديدة، فإن أول شروطها هو الاعتراف بأن الشعب السوري ليس هامشاً في معادلة المصالح، بل في جوهرها. وأن العدالة ليست عبئاً على التسوية، بل شرطاً لها. وأن من يريد أن يكون ضامناً للاستقرار، لا يمكن أن يكون شريكاً في طمس الحقيقة.
بهذا المعنى، لا تُقاس نتائج الزيارة بما قيل فيها، بل بما سيتبعها من مراجعات جريئة، ومواقف واضحة، وخيارات لا تساوم على الكرامة الوطنية، ولا على حق السوريين في معرفة الحقيقة، ومحاسبة من دمّر حياتهم باسم التحالفات.
المصدرموقع تلفزيون سوريا: