الرئيس الأميركي جو بايدن حثّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على عدم شن عملية عسكرية في رفح “من دون خطة ذات صدقية قابلة للتنفيذ” لحماية المدنيين في جنوب قطاع غزة.

إذن، المطلوب من نتيناهو، حسب البيت الأبيض، “خطة قابلة للتنفيذ”، وليس وقف اقتحام المعقل الأخير لمئات آلاف النازحين المدنيين الذي هربوا من ويل الغارات والضربات منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول.

وليس مطلوبا، حسب ما سرب عن الاتصال الهاتفي الأخير بينهما، أخذ التهديدات المصرية على محمل الجد، من أن الهجوم على رفح وتهجير الناس إلى غزة، سيهددان اتفاق كامب ديفيد، أول اتفاق سلام بين دولة عربية وإسرائيل، ويزيدان العبء على مصر في هذه المرحلة الحرجة.

واقع الحال، أنه لم يكن متوقعا أن يتخذ بايدن موقفا أكثر صرامة ضد نتنياهو. فمسيرته في التعاطي مع حرب غزة منذ اندلاعها تشير إلى انحيازه لإسرائيل وخضوعه لرواية نتنياهو، بتقديم الدعم العسكري والاستخباراتي والغطاء الدبلوماسي والحصانة في مجلس الأمن لمنع صدور قرارات ضد تل أبيب.

لمعرفة مدى الانحياز بالمعايير الأميركية، لا بأس من المقارنة مع تجربتين في تعاطي الرئيس الأميركي مع رئيس وزراء إسرائيل.
الأولى، كانت بعد حرب الخليج 1991، عندما استخدم الرئيس جورج بوش ضمانات القروض للمستوطنات ووقف التمويل لبنائها، أداة للضغط على إسحق شامير كي يوافق على الذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام بمشاركة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وإطلاق عملية سلام متعددة الأطراف وثنائية. تلك الضغوط، جلبت شامير إلى منصة المؤتمر الدولي ومرجعياته، ومهدت الطريق لإخراجه من المشهد الإسرائيلي وقدوم إسحق رابين الذي قاد الطريق إلى “اتفاقات أوسلو”، و”وادي عربة”، والاختراقات السياسية مع سوريا.
الثانية قد تكون أكثر شبها بحرب غزة التي وضع نتنياهو هدفها في القضاء على “حماس” وقتل أو تهجير قيادتها واجتياح بري للقطاع، وتتعلق بكيفية إدارة الرئيس رونالد ريغان العلاقة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن الذي بدأ اجتياح لبنان في 1982 لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت والقضاء على ياسر عرفات قتلا أو تهجيرا.
من المحطات الرئيسة في تلك التجربة قبل نحو أربعين سنة، الاتصال العاصف الذي حث فيه ريغان بيغن على وقف قصف بيروت بعد التقدم نحوها في أغسطس/آب 1982. كما ضغط على وزير الدفاع حينها آرئيل شارون لعدم قصف فندق وسط بيروت كان يقيم فيه صحافيون أجانب. واستخدم ريغان أدوات وقرارات مجلس الأمن وتعليق بيع طائرات “إف-16” وتقييد المساعدات العسكرية والمدنية، للضغط على بيغن لسحب قواته من لبنان.
وأمام الحماية التي وفرتها إدارة بايدن لنتنياهو في الأشهر الماضية في نيويورك، روى لورانس كورب، الذي عمل مساعدا لوزير الدفاع في إدارة ريغان، أن البيت الأبيض سمح بإصدار 21 قرارا أمميا ضد إسرائيل، شملت إدانة استهداف لبنان والعراق وتونس. وبعد أقل من ستة أشهر من توليه منصبه في منتصف 1981، شنت إسرائيل غارة مفاجئة على المفاعل النووي العراقي. لم يدعم ريغان قرارا أمميا لإدانة الهجوم وانتهاك سيادة دول عربية وحسب، بل انتقد الغارة علنا وأوقف تسليم طائرات “إف-16”. كما تجاوز انتقادات جماعات الضغط اليهودية وسلّم دولا عربية خليجية طائرات “أواكس”.

 

أما بوش الأب، فسمح بتمرير 9 قرارات، بما في ذلك القرار الذي انتقد إسرائيل بسبب ترحيل فلسطينيين، في حين سمح جورج دبليو بوش بإصدار ستة قرارات أخرى، بما في ذلك القرار الذي دعا إسرائيل إلى التوقف عن هدم منازل الفلسطينيين. وسمح باراك أوباما بتمرير قرار واحد ضد توسيع المستوطنات قبل أن يغادر منصبه في ديسمبر/كانون الأول 2016.
صحيح أن تغيرات عميقة حصلت في إسرائيل وأميركا والمنطقة والعالم في العقود الماضية، وصحيح أن هجوم “7 أكتوبر” يختلف عما سبقه من حروب عربية- إسرائيلية، لأنه مسّ فكرة وجود إسرائيل وأمنها وإمكانات الردع.
لكن الصحيح أيضا أن موقف بايدن من إسرائيل سابقة حتى بمعايير البيت الأبيض. تأييد عقائدي لا يهتز، ودعم عسكري كامل، وزيارة تاريخية لرئيس أميركا لإسرائيل في زمن الحرب.

كل هذا يزيد عمقا في موسم الانتخابات الأميركية لمراعاة جماعات الضغط اليهودية في أميركا.