الشاعر النمساوي اليهودي إريش فريد (موسوعة الشعر النمساوي)

هذا شاعر لم يلتزم يوما ما يسمى اليوم “الصوابية السياسية” أوالخطاب  الرسمي في قضية من القضايا. انتهك محرمات، وواجه اتهامات  عنيفة وهجوماً شديداً، لكنه ظل على مبادئه وموقفه الصلب من أشكال الظلم  كافة. واليوم، عندما نقرأ قصائده التي كتبها بعد حرب عام 1967، نجدها جديدة وراهنة، لم تفقد شيئاً من ألقها، بل كأنها تعليق على جرائم الحرب التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل في غزة وفي الضفة الغربية.

إنه الشاعر النمسوي المولد إريش فْريد Erich Fried (6/5/1921 – 22/11/1988)، أيقونة الشعر السياسي في ألمانيا في الستينيات والسبعينيات. وعلى رغم ريادته في الشعر السياسي، فإن ما يبقى في أذهان القراء بعد 35 عاماً على وفاته هو أولاً وأخيراً قصائده للحب. ومع ذلك، يظل ديوانه “اسمعي يا إسرائيل” ديواناً فريداً في الشعر الألماني، وأظن أنه ما زال قادراً على إثارة دهشتنا، نحن العرب، وما زال قادراً على إثارة الغضب لدى الإسرائيليين، لأن فريد انتقد فيه سياسات إسرائيل بحدة لا مثيل لها. وفي أتون الحرب الوحشية في غزة نستعيد أشعاره، لنكتشف كم هي معاصرة وراهنة، وكم كان بصيراً في أحكامه.

ولد إريش فريد ونشأ في فيينا، ابناً وحيداً لعائلة يهودية. ومن الممكن أن نقول إن طفولته انتهت مع وصول النازيين إلى الحكم عام 1933 وهو في عمر الثانية عشرة، إذ ألقي القبض على أبيه بعد انضمام النمسا إلى ألمانيا عام 1938. وبعد وفاة الوالد من جراء تعذيب البوليس السري (الغستابو)، فر الفتى من فيينا النازية إلى لندن، حيث ظل يعيش حتى وفاته. كان في البداية يكسب رزقه من أعمال مشروعة وغير مشروعة، وبما يجمعه من نقود تمكن من شراء تأشيرات هجرة إلى بريطانيا لمعارفه من اليهود. وهكذا نجت أمه ومعها نحو سبعين شخصاً من المصير الذي لاقاه أبوه على أيدي النازيين.

في مطلع الخمسينيات عمل إريش فريد معلقاً في هيئة الإذاعة البريطانية في لندن “بي بي سي”، غير أنه استقال عام 1968 لاختلاف وجهات نظره السياسية مع توجهات المؤسسة الإعلامية، ثم تفرغ للشعر والترجمة الأدبية، واشتهر في البداية بترجماته المعاصرة لأشعار إليوت وديلان توماس وسيلفيا باث، ثم لمسرحيات شكسبير.

“حرية فتح الفم”

أحد دواوين إريش فريد يدعى “حرية فتح الفم”. وقد فتح فريد فمه مراراً لكي يعترض على الظلم الذي يمتلئ به عالمنا. في أحد أيام صيف عام 1927، أي عندما كان في السادسة من عمره، كان فريد بصحبة أمه في جولة للتسوق في شوارع فيينا مسقط رأسه. رأى الطفل الجموع تتظاهر احتجاجاً على حكم أصدرته المحكمة العليا بتبرئة مجموعة من الإرهابيين اليمينيين الذين قتلوا شخصين. ولتفرقة المتظاهرين أطلقت قوات الشرطة الرصاص عليهم، مما تسبب في مقتل وإصابة عدد كبير من المواطنين العزل. كان إريش شاهد عيان على ذلك في 15/7/1927، الذي أطلق عليه في ما بعد “يوم الجمعة الدامي”. في العام ذاته، ومع احتفالات عيد ميلاد المسيح، نظمت المدرسة احتفالاً كبيراً كلف فيه إريش إلقاء بعض القصائد. قبل أن يصعد الطفل على خشبة المسرح تناهى إلى سمعه أن رئيس شرطة فيينا يجلس بين الحاضرين، فانتهز الفرصة ووقف أمام الحاضرين قائلاً بكل ثقة إنه يعتذر عن عدم تلاوة قصيدة عيد الميلاد، وذلك لوجود السيد شوبر رئيس الشرطة بين الجمهور. واسترسل فريد وحكى عما شاهده في شوارع فيينا يوم الجمعة الدامي. عندئذ انتفض رئيس الشرطة غاضباً وغادر القاعة، فعاد الطفل إلى المسرح وقال: “الآن يمكنني أن أتلو قصيدتي”.

بعد انتقاله للحياة في لندن، وإثر انتهاء الحرب العالمية الثانية حاول إريش فْرِيد الرد على السؤال الملح: كيف يمكن إبداع شعر بلغة النازيين القتلة؟ في محاولة للرد على السؤال اتجه فْرِيد في بداية مشواره الأدبي إلى الشعر السياسي المباشر الذي يهتم بالمضمون، ويتخلى عن التزويق والمحسنات البديعية والاستعارات البلاغية.

حقق فْرِيد شهرة كبيرة عبر ديوانه الذي صدر عام 1964 بعنوان “قصائد تحذيرية”. ثم توالت بعد ذلك دواوينه التي دعمت شهرته كشاعر سياسي كبير، مثل ديوان “وفيتنام و…” (صدر عام 1966)، وديوان “حرية فتح الفم” (1972). نجح فريد في أن يحول الشعر حدثاً جماهيرياً بامتياز. ومثلما كان الطلبة في مصر يرددون أشعار أمل دنقل المتمردة في السبعينيات، لم تكن تخلو مظاهرة طلابية ألمانية في ستينيات القرن الماضي من أبيات لإريش فريد يرددها الطلبة أو يكتبونها على المنشورات السياسية، لا سيما من ديوانه المنتقد للسياسة الأميركية “وفيتنام و …”. ومن أشهر قصائده السياسية قصيدة “الوضع الراهن” التي كتبت في زمن سباق التسلح والحرب الباردة، وفيها تتجلى قدرة فريد على تلخيص معان وأفكار إنسانية كبرى في كلمات بسيطة ويومية: “من يريد / أن يبقى العالم / كما هو / فهو لا يريد / أن يبقى العالم”.

معنى الكلمات

في قصائده يتساءل فريد عن المعنى الحقيقي للكلمات، وعما إذا كانت اللغة تزيد وعي الإنسان بواقعه، أم تزيف الوعي وتؤدي أحياناً إلى فقدانه، لذلك نجده في عديد من قصائده يكرر الكلمة الواحدة لكشف الاستخدام الشائع لها الذي يبتعد في كثير من الأحيان عن معناها الحقيقي. لننظر مثلاً كيف تعامل مع مفردة “السلام” في قصيدته: “بعد اتفاقية بين السادات وإسرائيل” التي كتبها بعد معاهدة كامب ديفيد : “السلام الذي ليس سلاماً (…)/يأتي بصلح /ما هو بصلح /ويعد بمستقبل /ما هو بمستقبل /ويريد أن يوقظ أملاً /ما هو بالأمل /في فلسطين /ما هي بفلسطين”.

وفي قصيدة أخرى بعنوان “بعض منهم” من ديوان “اسمعي يا إسرائيل” يتوقف الشاعر أمام كلمة “حوادث” و”إرهاب”، ويقول متهكماً بعد أن يعدد المذابح التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية، مثلاً في دير ياسين وكفر قاسم وبحر البقر وأبو زعبل ونهر البارد: “حوادث /كلها مجرد حوادث /الإرهاب هو /ما يفعله الفلسطينيون”.

شعر سياسي

الشعر السياسي لدى فْرِيد منبر مقاومة يناضل عبره ضد الظلم بأشكاله كافة، وهو يعلم تماماً أن قصائده “جافة” من “غبار الظلم الذي تكافحه”، لكنه لا يرى خياراً آخر كي يدلي بشهادته “عما يجثم فوق صدره”، وفي مواجهة “الذين يجثمون فوق الصدور”، كما يقول في ديوانه “اسمعي يا إسرائيل”. إريش فْرِيد (وهو في هذا نسيج وحده في الأدب الناطق بالألمانية) استطاع أن يحرر نفسه من زنزانة الماضي والتاريخ النازي، وأن يتوجه ببصره سريعاً إلى أزمات الحاضر وجرائمه. بدأ في أشعاره المبكرة يوجه بحذر النقد غير المباشر إلى بني ديانته، غير أنه سرعان ما تحول إلى النقد المباشر، اللاذع، حاد اللهجة بعد حرب 1967 التي حولت الحكومة الإسرائيلية تدريجاً من “حكومة قمع” إلى “حكومة مجرمين”، مثلما قال في إحدى قصائده. كتب إريش فْرِيد بعد حرب عام 1967 قصيدة طويلة بعنوان: “اسمعي يا إسرائيل”، حذر فيها الإسرائيليين من الأيديولوجية الصهيونية التي بدلت الأدوار، وحولت ضحايا النازية بالأمس إلى قتلة اليوم. وفي عام 1974 أصدر كتاباً يحمل العنوان ذاته، ضمنه إلى جانب قصيدة “اسمعي يا إسرائيل” قصائد أخرى تتابع جرائم دولة إسرائيل منذ إنشائها، إضافة إلى قصيدة مترجمة للشاعر العبري موردخاي آفي شاول.

يضم الكتاب أيضاً نصوصاً لبعض الصهاينة، تركها فريد كما هي، مثل نصوص هرتزل، كل ما فعله (كي يبرز ما بها من عنصرية) أن قطّع سطورها لتبدو كأبيات قصائد، وذلك حتى يقف القارئ أمام الكلمات متأملاً. يقول فْرِيد في مقدمة كتابه محللاً أسباب نشأة التابو الإسرائيلي: “منذ أن ارتكبت فاشية هتلر جرائمَ قتل اليهود، تولد في أوروبا الغربية شعور جماعي بالذنب له أسبابه المفهومة، وكثيراً ما أدى هذا الشعور إلى امتناع المرء عن توجيه أي نقد لليهود، وفي الوقت ذاته فقد ساوى الناس بلا أدنى تفكير بين اليهود والصهاينة. إلا أنني أشعر ليس فقط بالتضامن مع كل المشردين والمضطهدين الأبرياء، وإنما أيضا بشيء من الاشتراك في المسئولية تجاه ما يرتكبه يهود إسرائيل ضد الفلسطينيين وبقية العرب.”

 

أما ما لم يغفره له كثيرون حتى الآن فهو تشبيه الإسرائيليين الحاليين بالنازيين. يقول فريد في مقطع من قصيدة “اسمعي يا إسرائيل”، المستمد عنوانها من صلاة يهودية تتكرر فيها عبارة “اسمع يا إسرائيل”، أي يا يعقوب: “راقبتم جلاديكم /وتعلمتم منهم /الحرب الخاطفة /والجرائم الوحشية الفعالة /(…. ) عندما كنا مضطهدين /كنت واحداً منكم /كيف أظل منتمياً لكم /عندما تضطهدون الآخرين؟”.

أما في قصيدة “الخلفاء” فيقول: “لأن قتلة فاشيين /طردوا يهوداً /ينبغي الآن على قتلة فاشيين/أن يغتالوا فلسطينيين /أبرياء من مقتل /يهود أوروبا /بالطريقة نفسها/ التي اغتيل بها اليهود آنذاك”.

أثار نشر هذه القصائد، وكما هو متوقع، رد فعل عنيفاً داخل ألمانيا وخارجها، كما توالت على الشاعر أبشع الاتهامات، فإضافة إلى تهمة “معاداة السامية” المعتادة، اتهم فريد بالتجديف وتحريف الكتاب المقدس وبأنه “مدافع عن هتلر”، وبأنه “يهودي كاره لليهود” إلى آخر تلك القائمة من الاتهامات. لذا لم يكن سهلاً على إريش فْرِيد – كما يذكر في مقدمة ديوانه “اسمعي يا إسرائيل”، أن ينشر تلك القصائد. وحتى اليوم إذا ذهب شخص إلى مكتبة ألمانية لشراء هذ الديوان، فلن يجده. وإذا أراد قراءته، فعليه إما أن يشتري نسخة قديمة، أو يقتني الطبعة التي تضم الأعمال الكاملة للمؤلف في أربعة مجلدات، أو كتاباً يضم “مختارات من شعره السياسي” وبه بعض قصائد ديوان “اسمعي يا إسرائيل”.

لم يواجه فريد هذا الهجوم من تيار اليمين أو من اللوبي الإسرائيلي فحسب، بل أيضاً من بعض كتاب اليسار في ألمانيا الذين اعتبروا نظرته “قاصرة” و”إحادية”، واتهموا شعره السياسي بالمباشرة وعلو النبرة وخلوه من جماليات الشعر، ومن هؤلاء مثلاً الروائي اليساري غونتر غراس الذي هاجم فريد في أحد اجتماعات “جماعة 47” الأدبية. من ناحية أخرى انحاز بعض الشعراء المهمين لصوت إريش فريد ورسالته السياسية، ومنهم هانز ماغنوس إنتسنسبرغر.

أشعار حب

ونشير في الختام إلى تحول الشاعر في الثمانينيات إلى أشعار الحب التي حققت شعبية كبيرة في المنطقة الألمانية يمكن مقارنتها بشعبية أشعار نزار قباني وسهولتها. وربما بسبب هذا النجاح المدوي عرف الشاعر التكريم في آخر سنوات حياته، بعد أن تجاهلته الجوائز الأدبية طويلاً، فحصل قبل وفاته بأعوام قليلة على جائزة غيورغ بوشنر، أرفع الأوسمة الأدبية في المنطقة الألمانية.

وبإمكان القارئ العربي أن يطالع بعض أشهر قصائد إريش فريد في كتاب “للحب والحرية” لعبد الغفار مكاوي، وفيه وضع مكاوي الشاعر النمسوي “في صف شعراء المقاومة بالمعنى الواسع والشامل لهذه الكلمة”، مثل أراغون وناظم حكمت وبابلو نيرودا ومحمود درويش وأمل دنقل. وثمة ترجمتان عربيتان لديوانين من دواوين إريش فريد، هما “وفيتنام و…” (ترجمة يسري خميس)، و”اسمعي يا إسرائيل” (ترجمة محمد أبو رحمة).