بعد الهجمات العسكرية التركية المكثفة على البنية التحتية لمنطقة شمال شرقي سوريا، يجد إقليم كردستان العراق نفسه في موقف حرج للغاية، وذلك بسبب شبكة علاقاته السياسية والأمنية والشعبية والاقتصادية مع مختلف الأطراف المتنازعة هناك.
فالدعوة التي وجهتها الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا إلى منظمة الأمم المتحدة لتشكيل “لجنة لتقصي الحقائق”، بغية تحديد الضربات العسكرية التركية والحكم على طبيعتها، والتحذيرات السياسية والأمنية التي وجهتها الولايات المتحدة، بلسان الرئيس جو بايدن نفسه، ومعه عدد من الدول الأوروبية التي عبرت عن خشيتها من الضربات التركية وتأثيرها على ملف مكافحة الإرهاب وتالياً الأمن القومي لتلك الدول، وما تلاها من تدفق لقوافل من المساعدات العسكرية الأميركية إلى “قوات سوريا الديموقراطية”، كلها عوامل قد تُدخل وضع تلك المنطقة في إطار جديد، الأمر الذي قد يتسبب برد فعل تركي قوي، قد يُدخل الإقليم في موقف سياسي حرج.
المنفذ الوحيد
فإقليم كردستان هو بوابة مناطق شمال شرقي سوريا الوحيدة مع العالم الخارجي، والمورد الوحيد لمختلف أنواع المواد إليها، أو الاستيراد منها، وهي التي تضم قرابة 6 ملايين نسمة، وتمتد على ثُلث مساحة سوريا. كذلك فإنها التجربة الثانية في منطقة الشرق الأوسط الحاصلة على نوع من “الحكم الذاتي الكردي”، إلى جانب إقليم كردستان، وبذا تُعتبر سنداً شعبياً وسياسياً وجغرافياً للإقليم، بحكم الواقع، وثمة صلات ثقافية وقومية وتاريخية وأهلية شديدة الارتباط بين المنطقتين.
لكن الحسابات السياسية تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فشمال شرقي سوريا محكوم من “قوات سوريا الديموقراطية”، وهو فصيل مسلح مقرب من حزب العمال الكردستاني، المتهم من أحزاب إقليم كردستان بتقويض تجربة الإقليم، من خلال الانتشار في مناطق جبلية منه، وتالياً إعطاء المبرر للجيش التركي والإيراني بالتمدد داخل الإقليم وإفراغ المئات من قراه ومناطقه الجبلية. كذلك تُصنف “قوات سوريا الديموقراطية” كجهة مساندة لـ”وحدات حماية شنكال”، وهي فصائل أخرى مقربة من العمال الكردستاني، لكنها منتشرة في المناطق اليزيدية في شمال العراق، بالذات في منطقة سنجار، وتالياً الحائلة دون تطبيق “اتفاقية سنجار” بين الحكومة المركزية العراقية ونظيرتها في إقليم كردستان، والتي ستسمح بعودة نفوذ الإقليم إليها.
علاقة حذرة مع تركيا
مع كل ذلك، فإن الإقليم على علاقة حذرة ومركبة مع تركيا، الطرف الآخر في معادلة شمال شرقي سوريا. فاقتصاد الإقليم والتوازن الذي يود تشييده داخل العراق مرتبطان تماماً بتركيا، وهذه الأخيرة كانت سبباً لتنميته الشاملة خلال السنوات الماضية، بسبب اتفاق تصدير النفط وتحوله إلى بوابة للعالم الخارجي بالنسبة للإقليم.
أصوات شعبية وثقافية وحتى سياسية في إقليم كردستان ارتفعت طوال الأسبوعين الماضيين منددة بالاستهداف التركي للبنية التحتية في منطقة شمال شرقي سوريا، ومتهمة تركيا بمحاولة إبادة سياسية واقتصادية وديموغرافية للأكراد، وفي كل مكان. تلك الأصوات التي ارتفعت بُعيد أحداث غزة، مُشبهة السلوكيات التركية في اتباع سياسة “الأرض المحروقة” بما تنفذه إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين.
حسابات قوى الإقليم
الباحث والكاتب فايق كارس شرح في حديث إلى “النهار العربي” المحددات التي ترسم سياسات القوى السياسية والحكومية في الإقليم تجاه هذا التموضع في شمال شرقي سوريا. ويقول: “لا يُخفي القادة الحكوميون والسياسيون في الإقليم حصر عملهم وتوجهاتهم بحماية مواطني إقليم كردستان والحفاظ على وضع الكيان، وعدم اعتبارهم لأي شعارات أو نداءات قومية كردية عابرة للحدود. فالوضع الحالي في كردستان ليس حركة تحرر قومية، بل كيان شرعي ضمن الدولة العراقية، له مجموعة من الضوابط والمعايير بحكم القانون الدولي وعلاقات الدول وتوازناتها، لا يمكنه تجاوزها قط أياً كانت الدعوات الداخلية أو الضغوط التي قد تُمارس على أكراد دولة أخرى ما. كذلك لأن كردستان ليس بموقع اللاعب الإقليمي، فلا حجمه الجغرافي يساعده على ذلك، ولا إمكاناته العسكرية والاقتصادية، وطبعاً وضعه الشرعي وقدراته السياسية، فهو فعلياً غير قادر على الحد من الهجمات الإيرانية والتركية على أراضيه، فكيف به ضمن دولة أخرى. وطبعاً عدم وضوح الاستراتيجية الأميركية عامل آخر وأخير في ذلك المجال. فالتجربتان الكرديتان في العراق وسوريا كانتا نتيجة تصاعد التمدد والنفوذ والدور الأميركي في المنطقة، والانسحاب الأميركي راهناً من ملفات المنطقة قد يلعب دوراً مغايراً تماماً”.
نداء لتقصّي الحقائق
كانت الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا قد وجهت نداءً إلى الأمم المتحدة لإرسال فريق مختصة لتقصي الحقائق، عما قالت إنها حملة تركية “وحشية وعدائية” على مناطقها، تستهدف “تدمير أجزاء واسعة من البُنية التحتية والمنشآت الحيوية وخلفت نتائج كارثية على ملايين المدنيين العُزل ومنهم مئات الآلاف من النازحين والمهجرين في المخيمات”، مضيفة إن “تداعيات حرب النظام التركي على مناطقنا ستشكل تحديات كبيرة في سبيل ترسيخ الاستقرار المستدام والتي من الصعب تحقيقها في ظل الفجوات الكبيرة الموجودة في العمل الإنساني الدولي في المنطقة”.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد هدد باستهداف مُستدام لكل “البنية التحتية والبنية الفوقية” لـ”قوات سوريا الديموقراطية” في منطقة شمال شرقي سوريا، وذلك عقب التفجير الانتحاري الذي طال مديرية الأمن العام في العاصمة التركية أنقرة، واتهمت تركيا المتورطين فيه بتلقي التدريب في مناطق شمال شرقي سوريا.