كيسنجر.jpg

منذ بدأت رحلتي في برنامج الدكتوراه، وأنا أبحثُ عمّن كتب التاريخ وشكّله وكيف. ولتأثري الشديد بالنظرية الواقعية في العلاقات الدولية، قرّرتُ أن أقرأ أطروحات الدكتوراه للمفكرين الواقعيين، وأبرزهم الأميركي من أصول ألمانية، ألفرد كيسنجر، الذي أصبح فيما بعد هنري كيسنجر. انتقل مع عائلته إلى الولايات المتحدة، عندما كان في الخامسة عشرة من عمره بسبب السياسات النازية آنذاك. … طالب المدرسة الوحيد، صاحب اللغة الضعيفة، الخجول، الجندي المتوحّد، سيصبح سيد الدبلوماسية الأميركية.
ساد، في خمسينيات القرن الماضي، افتراضٌ بين مفكّري العلاقات الدولية والسياسيين الأميركيين، أن عالم ما بعد القنبلة الذرية يختلف عن عالم ما بعدها، والقرن التاسع عشر انتهى ولن يعيد نفسه. لذلك، قرّر كيسنجر، في مرحلة الدكتوراه، أن يكتب أطروحة يتحدّى فيها هذا الفهم الخاطئ من وجهة نظره، فكتب عن تاريخ الدبلوماسية والعلاقات الدولية في القرن التاسع عشر عبر دراسة “رجال الدول”.
لا يمكن أن يمر باحث العلاقات الدولية على القرن التاسع عشر من دون أن يدرس عن الدبلوماسي النمساوي مترنيخ، والذي كان أبرز مهندسي سياسة “الوفاق الأوروبي” بعد فترات طويلة من الحروب، ولا عن الألماني موحد ألمانيا بسمارك، فكان توحيدها أحد أهم أسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى. لقد أثر رجالات الدول هؤلاء في تاريخ العالم، وأعادوا صياغته بطريقةٍ تجعل من الصعب فصلهم عن الحاضر. جاء كيسنجر، والذي كان ضعيف اللغة في الثانوية، ليكتب إحدى أطول أطروحات الدكتوراه في جامعة هارفرد، مقرّرًا بذلك أن يعيد لرجال الدولة في القرن التاسع عشر مكانتهم، بعنوان “عالم مستعاد: مترنيخ وكاسترله ومشكلات السلام 1812 – 1822”. استعاد عالمًا اقتنع به، ووثّقه كنظرية في أطروحته، وطبقه في سياسته الخارجية. كانت أبرز سلوكيات كيسنجر التقرّب من الأكبر سنا والأطول خبرة والأكثر تأثيرا في أميركا، فليس غريبا عليه أن يُقارن بينه وبين مترنيخ، ويقترن اسمه بأسماء رجال الدولة، وأشهر الدبلوماسيين على مر التاريخ. استلم عام 1961 أول منصب سياسي له مستشارا للرئيس الأميركي جون كينيدي، ليبدأ تاريخ حياة “ثعلب السياسة الأميركية” كأهم رجل دولة لواشنطن في القرن العشرين.

هل خطر لكيسنجر أن سعيه إلى أن ولادة الصين ستحمل في طياتها احتمال موت لمكانة أميركا؟ العلاقة بين كيسنجر والصين وأميركا هي تطبيق لمقولة “ليس لدينا حلفاء أبديون، وليس لدينا أعداء أبديون”. كان الهدف الأميركي في فترة الحرب الباردة يتجلّى في إضعاف الاتحاد السوفييتي من خلال احتوائه عسكريا واقتصاديًا وسياسيًا. وضمن هذا الهدف، كان دور كيسنجر في المجال السياسي العمل عبر تفكيك التحالفات السوفييتية وعزل موسكو داخل حدودها الجغرافية. ولتحقيق ذلك، تصاعدت الرغبة الأميركية للانفتاح على الصين عبر استغلال الأزمة التي نشبت بين موسكو وبكّين آنذاك. استغلّ كيسنجر نقاط الضعف الموجودة جميعها: الخلاف السوفييتي الصيني، والخلاف الصيني التايواني، والتوق الصيني للحصول على الاعتراف الدولي، والرغبة الصينية في التنمية. من الممكن القول إن واشنطن استماتت، على يد كيسنجر، دبلوماسيًا، لانفتاح علاقاتها مع الصين لمواجهة الخطر السوفييتي.
حاولت واشنطن، في أواخر الستينيات، التواصل مع الحزب الشيوعي الصيني، عبر سفرائها في العالم، في باكستان وهولندا وفرنسا مثلا، من دون تحقيق اختراقاتٍ حقيقية. وفي فترة ولاية نيكسون، شغل كيسنجر منصب مستشار الأمن القومي ووزيرًا للخارجية، واستلم الملف الصيني. في سبتمبر/ أيلول 1970، أرسل رسالة إلى نيكسون، يقول له فيها “على الرغم من عدم وجود مشكلة أساسية مع الصينيين، حاولنا إجراء محادثات معهم، ولكننا لم نحقق شيئا”، ثم أتبعها برسالة أخرى في 9 ديسمبر/ كانون الأول 1970، ذكر فيها أن الصينيين لا يستجيبون للرسائل التي تصل إليهم عبر دبلوماسيينا، وقال “من الجيد إقامة تواصل مع الصينيين، وخصوصا في هذا الوقت. لقد قدّمنا إشارة واضحة، وليس لدينا خيار سوى الانتظار ومعرفة ما إذا كانوا على استعداد للردّ”.
بدأت الصين تُظهر رغبتها في قبول التواصل مع كيسنجر في إبريل/ نيسان 1971، وأرسل تشوان انلاي الذي كان رئيس الوزراء رسالة إلى باكستان يخبرهم باستعداد ماو تسي تونغ لاستقبال كيسنجر على أن تكون قضية تايوان أساس الحوار. في يوليو/ تموز 1971، قام كيسنجر بأول زيارة سرّية إلى الصين، وكان حذرًا في التعامل مع مسألة تايوان، فمن جهة لا يريد التخلي عنها، ومن جهة أخرى، يريد المحافظة على التقارب مع الصين، واعتقد أن المسألة التايوانية ستُحَلّ سلميّا بالتدريجي. وفي العام نفسه، جرى استبدال مقعد تايوان في الأمم المتحدة والاعتراف بجمهورية الصين الشعبية ممثلا وحيدا للصينيين. وكانت النتيجة الأولية لزيارة كيسنجر السرّية تتمثل في قيام نيكسون بأول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين في فبراير/ شباط 1972، والاتفاق على فتح مكاتب تمثيلية، وليس سفارات، وبدء المباحثات بشأن الاعتراف وقضية تايوان. وأدّت هذه الانفراجة إلى إعلان الإدارة الأميركية عام 1978 تطبيع علاقاتها رسميًا مع سحب الاعتراف الدبلوماسي بتايوان. كان هذا عام دينغ شياو بينغ، مؤسّس الصين الحديثة وأساس صعودها. جاء تبادل الاعتراف في العام الذي أعلنت فيه الصين استراتيجيتها “الانفتاح والإصلاح”. عقد كيسنجر لقاءً مع دينغ، ورحّبت الولايات المتحدة بالرغبة الصينية في التنمية ودعمتها، ما أدّى إلى توسّع الفجوة بشكل صارخ بين الاتحاد السوفييتي والصين، وبذلك يحقّق كيسنجر هدفه الأساسي من التقارب مع الصين.

ولكن، كان للتوق الكيسنجري للانفتاح على الصين نتائج سلبية وأكثر صعوبة على المكانة الأميركية من الاتحاد السوفييتي، فقد تعلّمت الصين المبادئ الليبرالية في الاقتصاد، ودمجتها مع الأفكار الشيوعية، واخترقت الأسواق الأميركية تجارة وإقراضًا، وأنتجت ما تطلق عليه “نظرية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”. استغلت الصين الشيوعية عالم السوق المفتوح المعولم، وراكمت قوتها أربعة عقود داخل النظام الدولي الغربي، إلى أن أصبحت في العيون الغربية “الخطر الأكبر” على الهيمنة الأميركية. مع منتصف التسعينيات، أي بعد أقل من خمس سنوات على تربّع واشنطن على عرش الأحادية، بدأت الصين تطبّق ما تعلمته من النظام الأميركي حرفيًا.
اقتصاديًا، أنشئت أول منظمة إقليمية (شنغهاي للتعاون) عام 1996، بالشراكة مع من؟ مع روسيا، عدو أميركا التاريخي، والسبب الأول للانفتاح الأميركي على الصين. كان أول شروطها لقبول عضوية الدول في المنظمة أن تطرد هذه الدول القوات الأجنبية من أراضيها وإغلاق القواعد الأميركية في منطقة آسيا الوسطى، وهي من أهم المناطق الاستراتيجية من منظور كيسنجر للأمن القومي الأميركي في آسيا. محاربة الوجود الأميركي عبر شنغهاي لم يكن إقليميًا فقط، بل حملت المنظمة أيضا أول شعار للتعدّدية القطبية، وبالتالي سحب مكانة الولايات المتحدة. كانت الضربة الكبرى، في الوقت الذي سمحت فيه واشنطن لبكين بالانضمام إلى مؤسّساتها الدولية، رفضت الأخيرة طلب انضمام أميركا لمنظمة شنغهاي، وذهبت إلى أبعد من ذلك، عبر رفض طلب اليابان، باعتبارها ستكون جاسوسًا أميركيًا في المنظمّة. ونضيف على ذلك قبولها عضوية أشد أعداء أميركا في الشرق الأوسط، إيران، بالرغم من أنها ليست من دول آسيا الوسطى، وقبول تركيا شريك حوار، الحليف العسكري لأميركا في حلف الناتو، وبذلك تشتت ولاءات الحلفاء، وتعزّز المنافسة مع الأعداء.

في إطار أوسع، في الوقت الذي انخرطت فيه الصين منذ بداية الألفية الثالثة في النظام الدولي المالي والاقتصادي الدولي، أنشأت بورصة شنغهاي للتداول بديلا للبورصة العالمية الغربية، وبنك التنمية الآسيوي للتنمية والإعمار منافسا للبنك الدولي، ومنظمة بريكس التي شملت أسرع خمسة اقتصادات نموًا (البرازيل، روسيا، الصين، جنوب إفريقيا، والهند). تكمن أهمية “بريكس” على صعيد المنافسة مع واشنطن في: أولًا، اختراق مبدأ مونرو في تعزيز الوجود الاقتصادي الصيني في جزيرة غرب العالم، وبالتالي، منافسة أميركا في إقليمها الجغرافي. ثانيًا، ربط الهند (حليف أميركا وإحدى أدواتها لاحتواء الصين) في مشاريع اقتصادية ضخمة تجعلها تتجنّب أي تصادم فعلي مع الصين. وثالثًا، تحدّي هيمنة الدولار، غالبًا ما تتم التجارة الدولية في إطار “بريكس”، إما باستخدام العملات المحلية أو نظام المقايضة. ورابعًا، روسيا التي استخدمت الصين لاحتوائها، أصبحت اليوم الشريك الصيني لسحب مكانة أميركا وتشتيت قوتها.
سياسيًا، انتقدت الصين منذ التسعينيات النظام الدولي الأحادي الذي من وجهة نظرها كان السبب الرئيسي في عدم الاستقرار، والفقر، والحروب، وانعدام الأمن. وقدّمت وثيقة أمنية لتعزيز الأمن العالمي، وأخرى لنقد الهيمنة الأميركية ومخاطرها، واصفة أميركا بأنها دولة “متنمّرة” ومُؤجّجة للحروب عبر “صبّ الزيت على النار”. وناهضت الصين أيضًا السياسات الأميركية في أغلب القضايا الدولية، ووقفت على النقيض من واشنطن، على سبيل المثال، الحرب على العراق أفغانستان، الحرب الأوكرانية الثانية، الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وغيرها.
كمؤرخ، ودبلوماسي، هل مرّت عليك، يا كيسنجر، مقولة نابليون بونابرت “الصين عملاق نائم، عندما تستيقظ، ستهز العالم”؟ لقد هزّت الصين أميركا، وباتت اليوم العدو الأول لواشنطن، وتوفي كيسنجر، وهو يعتقد أن استقرار العالم مبنيٌّ على استقرار العلاقات الصينية – الأميركية.

… كان أحد أهداف كيسنجر في السبعينيات تعزيز مكانة إسرائيل دولة “طبيعية” في العالم، ولا يخفى دوره في الوصول إلى اتفاق كامب ديفيد مع مصر. ولعب دورًا كبيرًا في إحداث تقارب بين الصين وإسرائيل. كان الثعلب يعي أن الصين بحاجة لتطوير قدراتها الدفاعية، ففي إحدى زياراته إليها، “وشوش” القادة الصينيين قائلًا “اذهبوا إلى إسرائيل، فهي تمتلك ما نمتلكه من قدرات وتكنولوجيا عسكرية متطوّرة”. تفتحت أعين الصين وشهيتها على إسرائيل، وجاء ذلك في صالح الأخيرة لسببين: الأول، كما كان هناك استماتة أميركية للتطبيع مع الصين، كان هناك مثلها إسرائيلية، وكنت تطرّقت لها بالتفصيل في مقالة في “العربي الجديد “صعود الصهيو- صينية قبل أوسلو” (15/9/2023). السبب الثاني والأهم في سياق هذا المقال يكمن في الانتقال والتغيير في الفكر الصهيوني.
لو أتيحت لي فرصة التحدث مع كيسنجر، لكنت سألته: كنت تدرك أن أحد أهم سمات الحركة الصهيونية عدم الولاء للأصدقاء والتحالف مع الأقوياء؟ هل درستَ تاريخ الحركة الصهيونية وانتقال مركز قوتها من عاصمة إلى أخرى (من برلين إلى لندن، إلى واشنطن، وربما مستقبلًا إلى بكين)؟ ألم يُقلقك بن غوريون، لما قال إن “الصين هي المستقبل”؟ هل قرأ كيسنجر الدراسات الإسرائيلية عن الديمغرافيا الصينية وتزايد أعداد المسيحيين الداعمين لإسرائيل والصهيونية هناك؟ بعد ما يقارب الأربعين عامًا، أصبح التقارب الصيني – الإسرائيلي عبئًا وخطرًا على الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب التباعد التدريجي لإسرائيل باتجاه الصين، بل أيضًا بسبب الخوف الأميركي من نزع استثنائيّتها بسبب حصول الصين على القدرات التقنيّة والتكنولوجية الأميركية عبر إسرائيل.
لم تُحل قضية تايوان تدريجيا، وزيادة التسليح تشير بأنه لن تحل سلميًا، والعدو الذي كان سبب انفتاح أميركا على الصين أصبح شريكًا للأخيرة في إضعاف أميركا، والاستقرار في النظام الدولي لم ولن يحدُث، وإسرائيل (أداة أميركا) والدولة المحبّبة لكيسنجر، والتي أفرد عقودًا من حياته لاستقراها، تتّجه تدريجيا نحو الصين؟ هل سيأتي يوم يسأل الأميركيون فيه أنفسهم: أين أنت يا كيسنجر؟ هل ستفتقدك واشنطن، أم سيندم الأميركيون بسببك، بعد إعادة قراءة تاريخك وكتابته؟