غجرية مصرية  ……..

       تنطلق ألكساندرا بارس Alexandra Parrs في كتابها “الغجر في مصر المعاصرة على هوامش المجتمع”Gypsies in Contemporary Egypt On the Peripheries of Society من الزعم الذي لا دليل حتى الآن على صحته ومفاده أن الغجر  خرجوا أو أخرجوا، من مصر، ومن ثم تشتتوا في أنحاء مختلفة من العالم  ليشكلوا جماعات تعيش منبوذة باختيارها على هامش المجتمع هنا وهناك. لكنها سرعان ما تعتبر ذلك الزعم ذا الأصلالاوروبي ، ضمن الكثير من القصص والأساطير والصور النمطية الاستشراقية عن تلك الجماعات، التي لا يعرف أحد يقيناً موطنها الأصلي، بافتراض أنه كان يجمع أسلافها يوماً ما وطنٌ قومي. وتقول: “يبدو أن الغجر غائبون إلى حد كبير عن الأوساط الأكاديمية، ومنسيون في السياسة العامة، فهل هم موجودون فقط في المخيلة الشعبية؟”. لقد تشتت الغجر بالتأكيد- تقول ألكساندرا بارس – لكنهم بذلك نازعوا باستمرار وتفاوضوا على هوياتهم، ومع الحفاظ على سمات معينة ذات صلة بذلك مثل بقائهم على هامش المجتمعات وارتباطهم بمجموعة من الأنماط المقولبة والممارسات التي يبدو أنها سائدة وإن كانت تتغير باستمرار. ربما العديد من الغجر من البدو الرحل لكن ليس كلهم. ربما يعمل بعض الغجر في مهن مميزة مثل الباعة الجائلين. بعضهم يلتزم بصرامة بتقاليدهم مثل معاملاتهم فيما بينهم، وبعض الممنوعات وتوزيع الأدوار بين النساء والرجال، لكن البعض الآخر لا يلتزم بذلك. تشرّب الغجر – في كل منطقة استقروا فيها – بالعديد من العادات المحلية وأعادوا تعريف هوياتهم ضمن الثقافات التي استقروا وسطها.

من هم الغجر؟

تؤكد بارس أن هدفها الأوّلي عند بدء البحث، الذي يضمه كتابها الصادر بالإنجليزية عن الجامعة الأميركية في القاهرة، وصدرت ترجمته إلى العربية أخيرا عن المركز القومي للترجمة بتوقيع علي البعلاوي عن المركز القومي للترجمة، هو الإجابة عن هذا السؤال واستكشاف من هم الغجر ولماذا يبدون – على الأقل ظاهرياً – غائبين اجتماعياً بشكل لافت للنظر في مصر المعاصرة.

ولاحظت بارس، التي تعمل أستاذا مساعدا في الجامعة الأميركية في القاهرة، في مقدمة كتابها أن الوطن لا يعد جزءاً تقليدياً أساسياً من هوية الغجر. أما ما يشير إليه البحث اللغوي إلى الهند كبلد محتمل – منذ ما يقرب من ألف عام – لأصل جزء على الأقل من الغجر المعاصرين، فيدحضه أن هذا لا يعني أن جميع الغجر في العالم يعيشون في وعي بالوطن الذي تم تهجيرهم منه ومن ثم ويعانون من العواقب المؤلمة في مثل تلك الحالة: لا توجد ذاكرة جمعية عزيزة ولا أساطير متراكمة أو موثّقة لوطن يأملون في العودة إليه يوماً ما، وكذلك لا يعد الوطن عنصراً واضحاً في هوية الغجر نفسها.

الحالة المصرية

وفي سياق استنتاجاتها إزاء تحليلها للبنية المشرذمة للغجر المصريين، تقول بارس: “سألني أحد زملائي من علماء الأنثروبولوجيا: في مجتمع يقدر التجانس كالمجتمع المصري، كيف استطاع الغجر الشرقيون الاستمرار في عيش حياة متمايزة، دون أن يختفوا ثقافياً، أو يتعرضوا للوصم والتمييز؟ الإجابة هي أنهم لم يتم تحديدهم بشكل جماعي بوضوح، وأقصد بجماعي شيئين، أولهما كمجموعة وثانيهما من خلال التصور الجمعي. يبدو أن الكثير من الأساطير أو الخوف حول الغجر راسخ في التخيلات الفردية، بناءاً على لقاءات فردية (مع عرّاف، على سبيل المثال، أو متسول) أو تخيلات خاصة (راقصات، أو اهتمام بأفلام الخمسينيات، أو موسيقى الغجر والربابة) أو المخاوف الجنسية. بالتالي لا ينظر إلى غجر الشرق الأوسط بأكملهم كمجموعة.

لقد حرموا من الوجود المتكامل وأصبحوا بلا تاريخ وبلا ارتباط بالوقت. تكمن المفارقة في هذا الوضع في التقاء الحرية المجتمعية وإنكار الهوية. ورغم نجاح اندماجهم في المجتمع – في الحالة المصرية – إلى حد ما، فإن ذلك الاندماج خصوصاً في الأماكن ذات الطابع الريفي، لا يخلو من القيود والتحفظات التي تقلل وتحد من تطوره. مع ذلك، فإن فكرة أن هؤلاء الغجر والذين يطلق عليهم أيضاً “الهناجرة”، قد يحققون درجة أعلى من التكامل ليست مستحيلة في نظر ألكساندرا بارس، لأن هذه المجموعة اتخذت بالفعل خطوات كبيرة في هذا الاتجاه، ولكن يظل الأمر معتمداً بشكل أساسي على تغيير الصور النمطية على كلا الجانبين. مع ملاحظة أنه لا يزال مصطلح “الغجر”، يشير إلى حد كبير ليس إلى الممارسات الثقافية بل إلى التهميش الاجتماعي؛ “لدرجة أنه يبدو أن الفارق بين كونك غجرياً أو مجرماً لا يزيد ببساطة عن قدر شعرة” ص 159. تقول بارس في خلاصة بحثها في شقها الميداني الذي شمل تجمعات غجرية عدة في القاهرة والإسكندرية: “ربما أن الافتقار إلى الصورة الكاملة هو أقرب إلى الواقع. إنه أيضاً عنصرٌ من مكونات الغجر المصريين، الذين لم يتم تعريفهم تماماً بعد كياناً متكاملاً بخصائص معترف بها” ص15، 16.

شعب بلا تاريخ

وترى بارس أنه رغم أن الاختلافات لا ترتكز على دولة قومية محددة من شأنها أن تساهم في تعزيز ممارسات الشتات حسب تعريفاتها الأكثر تقليدية، فإن اغترابهم المتصور لا يزال يربط مجموعات الغجر بـ “مكان آخر” (غير الأرض التي يعيشون فيها)، وتعمل الأصول الهندية التي تمَّ تحديدها على توحد المجموعة وإضفاء مضمون على اختلافها أكثر مما تخلق أصلاً هندياً حقيقياً. وتذهب إلى أن مفهوم الذاكرة الجمعية لا يرتبط بالوطن، حتى إذا كانت هناك سمات ثقافية تميز أعضاء المجموعة عن الأغلبية الثقافية للبلدان التي يعيشون فيها، ومنها على سبيل المثال استخدام لغة تخصهم، تختلف من نطاق جغرافي إلى آخر في سياق حالة الشتات التي تميزهم منذ أن لاحظ العالم وجودهم.

 

وتشير ألكساندرا بارس في هذا السياق إلى أن نظريات الهجرة من الهند تأسست على يد لغويين من غير الغجر، حاولوا ربطهم بنقطة انطلاق محدّدة لفهمهم في سياق أوروبي؛ حيث عُدّ بناء الدولة القومية شيئاً أساسياً ووحدة تحليلية لازمة للبحث العلمي. ويلاحظ هنا أن بعض منظمات الغجر الأوروبيين، تبنى في السنوات الأخيرة، فكرة الأصول الهندية بهدف إعطاء معنى مفهوم أو معياري للمجموعة واستخدامه كأساس لتكوين أقلية عرقية. ومن المفارقات – كما أشار بعض العلماء – أن الغجر الأوروبيين عندما يقدمون أنفسهم كأقلية عرقية، فإنهم في الواقع يمنحون الأغلبية العرقية والدولة القومية القدرة على قولبة الغجر الأوروبيين أنفسهم.

وهناك من ذهب إلى أن تهجير المجموعة قد يكون في الواقع علامة على استيعاب مفهوم الدولة القومية أكثر من كونه فعل مقاومة. استمر علماء آخرون في وصف الغجر بأنهم يعيشون في الحاضر وليس الماضي ويمثلونهم شعباً بلا أمة أو تاريخ وإجمالاً، ورغم تسييس الروايات، لا يرتبط الغجر بفكرة العودة المنشودة للوطن، سواء كانت حقيقية أو أسطورية أو مسخّرة لخدمة فكرة بعينها، ولا يشاركون في أي نشاط سياسي في ذلك الوطن، وهو هدف تقليدي للقوميين المهاجرين في الشتات. في واقع الأمر، قد تكون إحدى القواسم المشتركة بين الغجر أن وجودهم ذاته يتحدى التفكير الحديث السائد الذي ينبني على مفهوم الدولة القومية كوحدة تحليل لا بديل لها، وتُبنى عليها الهويات القومية / أو الإثنية. ص 9.