تظاهرة أمام القنصلية الإسرائيلية في اسطنبول. أ ف ب

تظاهرة أمام القنصلية الإسرائيلية في اسطنبول. أ ف ب
سلطت التطورات الأخيرة في فلسطين الضوء على الاستقطاب الداخلي الحاد في تركيا بين التيارين اليساري واليميني المحافظ، اللذين اتّفقا على نصرة الفلسطينيين، وإن كانا اختلفا على الشكل والتفاصيل والشعارات، وسط اتّهامات اليسار للتيار اليميني بتسييس القضية الفلسطينية وتناولها من منظور السياسات الحكومية.
اليسار التركي الأوفى لفلسطين
تتواصل النداءات والأنشطة التي تنظّمها الجمعيات والاتّحادات اليسارية في تركيا نصرة للقضية الفلسطينية وشعب غزّة مقابل تراجع نشاط التيار الديني المحافظ مقارنة مع الأحداث الفلسطينية السابقة.
التقى كلا من الكتلتين اليسارية والدينية خلال التظاهرة الأخيرة أمام القنصلية الإسرائيلية في اسطنبول ردّاً على مجزرة مستشفى الأهلي “المعمداني” في غزة، حيث تواجهت الكتلة اليسارية بعد انهاء وقفتها الاحتجاجية مع اليمينية المتّجهة إلى الموقع.
وشهدت المواجهة اطلاق شعارات مؤيّدة لـ”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” من المنظّمات والاتّحادات اليسارية، مقابل إطلاق الكتلة اليمينية التكبيرات وشعارات التأييد لـ”حماس” والأقصى في إشارة واضحة إلى عناصر الاختلاف بين رؤية الجانبين للقضية الفلسطينية.
يتّهم اليسار التركي، اليمين الديني، بالبدء بالتعاطف مع القضية الفلسطينية بعد ظهور حركات الإسلام السياسي في فلسطين، معتبراً أن هذا التعاطف قائماً على إيديولوجيا دينية ضيّقة مرتبطة بحركات سياسية من دون أن تتّسع لتشمل الشعب الفلسطيني بأكمله.
ويرى عضو الهيئة التنفيذية المركزية لـ”حزب اليسار التركي” ألبير تاش في حديثه مع “النهار العربي” أن “الحركات الاشتراكية اليسارية هي التي نقلت القضية الفلسطينية إلى جدول الأعمال العالمي، وليس في تركيا فحسب، والقوى الديموقراطية الثورية اليسارية في تركيا أصبحت جزءاً من الحرب مع إسرائيل وهناك يساريون (أتراك) فقدوا حياتهم في هذه الحرب”.
ويضيف الرئيس السابق لحزب الحرية والتضامن، أن “اليسار التركي اعتبر القضية الفلسطينية القضية المركزية الثورية في الشرق الأوسط، فهو اعتبرها قضية استراتيجية للغاية، وإنسانية للغاية، ووجدانية للغاية، كما تم التعامل معها كقضية سياسية، لأن قضية الفلسطين كانت بالنسبة له مسألة نضال ضد الإمبريالية، وبالنسبة لليسار التركي، كان الدفاع عن حرية واستقلال الشعب الفلسطيني دائماً جزءاً أساسياً من يساريّته”.
تاريخياً، حظيت فلسطين بمكانة مهمّة ليس بالنسبة لليسار التركي فقط، بل لليسار العالمي بأكمله. كان النضال الوطني في فلسطين ظاهرة سياسية حظيت بتعاطف ودعم الحركات اليسارية في كل أنحاء العالم منذ الستينات من القرن الماضي، واستقبلت معسكرات الجماعات الفلسطينية المسلحة مناضلين يساريين من ألمانيا إلى اليابان، ومنهم اليساري الثوري التركي، دينيز غيزميش، الذي تدرّب في مخيّمات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل أن يعود إلى تركيا ويطلق “نضاله ضد الإمبريالية”.
وقد تعززت القوة الأيديولوجية لهذه القضية وانتشرت عبر شخصيات سياسية كاريزمية، من ياسر عرفات إلى جورج حبش، ومن نايف حواتمي إلى ليلى خالد. وهكذا انتقل التعاطف مع القضية الفلسطينية من جيل إلى جيل مكتسباً خاصية التحوّل إلى عنصر من عناصر النظرة الاشتراكية للعالم.
 
الغرب و”أسلمة” القضية الفلسطينية
ويشرح تاش، المناضل اليساري التركي، أن “الانقلاب العسكري في 12 أيلول (سبتمبر) 1980 في تركيا ولاحقا نهاية حقبة الاشتراكية مع الإطاحة بالاتحاد السوفياتي، أضعفا الحركات اليسارية والاشتراكية في تركيا كما في العالم، كما أن سياسة تأليب قوى الإسلام السياسي ضد اليسار، بدءاً بمشروع الحزام الأخضر ومن ثم مع الإسلام المعتدل، كانت فعّالة في مسألة اضعاف اليسار، فبينما كان اليسار يتعرض للاضطهاد والقمع، تم تعبيد الطريق أمام قوى الإسلام السياسي، وكان هذا هو الحال في فلسطين أيضاً، لأن المنظّمات الفلسطينية الديموقراطية الثورية العلمانية، مثل حركة فتح والجبهة الشعبية الفلسطينية، والخط الذي اتبعته لنشر وتعميم القضية الفلسطينية حول العالم كان مزعجاً للغاية لإسرائيل. وملء الفراغ الذي أحدثه قمع هذه الحركات بهياكل إسلامية مثل “حماس” وحركة الجهاد الإسلامي كان أيضاً مصلحة إسرائيلية. لأنه بينما يرى اليسار، القضية الفلسطينية من منظور إنساني كنضال ضد الإمبريالية، فإن الجهاد الإسلامي وحماس نقلا القضية إلى مستوى مسألة عقيدة وحرب دينية، وكان من الطبيعي أن يُسمح لهذا الخط الإسلامي بالتطور، باعتبار أن تحويل القضية الفلسطينية إلى صراع بين اليهود والمسلمين سيكون بمثابة ورقة رابحة إسرائيلياً”.
وبحسب تاش “هناك فرق بين إطار اليسار وخط الحركات الإسلامية الداعم للقضية الفلسطينية، ويعود هذا الاختلاف بشكل خاص إلى درجة العنف لدى المضّطَهدين حيث تعمل القوى الثورية اليسارية على توسيع النضال ضد دولة إسرائيل، لكن بما أن الحركات الإسلامية تنظر إلى الأمر أصلاً على أنه مسألة عقائدية، فيبدو أن لديها بنية وفهم للتفجيرات الانتحارية التي تقتل المدنيين وما شابه ذلك من أفعال، بعيداً عن هذه المواقف الأخلاقية”.
 
دعم فلسطين بغض النظر عن الإسلام السياسي
ويؤكد تاش أن اليسار التركي يدعم “المقاومة التاريخية للشعب الفلسطيني ويؤمن بشرعيتها ويعتبرها صراعاً ناتجاً عن السياسة الاستعمارية التمييزية التي تنتهجها إسرائيل، ونعتقد أن إنهاء الصراع هو بإنهاء هذا الاحتلال، فالسبب الرئيسي للمقاومة هو وجود الاحتلال”.
واضاف: “بطبيعة الحال، ليس لدينا صلة بحماس، نحن ندافع عن حق المقاومة الفلسطينية، ولا ندافع عن خط حماس، ندعم مقاومتها لأنها جزء من تلك المقاومة الفلسطينية التاريخية ضد الاحتلال، لكننا ندعو إلى تطوير هذه المقاومة بما يتوافق أخلاقياً مع مبادئ مقاومة الشعب المضطهد. نريد أن تكون فلسطين دولة مستقلة وحرة وديموقراطية وعلمانية. ونحن لسنا إلى جانب الخط السياسي الإسلامي. نقف إلى جانب شعب غزة ضد الوجه الوحشي والقاتل لإسرائيل الذي ظهر من جديد مؤخّراً”.
مظاهرة لليمين الديني تدحض اتهّامات اليسار
في المقابل ترفض رئيسة “مبادرة الحقوق” التركية، فاطمة بستان أونسال، الاتّهامات الموجّهة إلى اليمين بتبنّيه للقضية الفلسطينية بعد ظهور التيارات الإسلامية، قائلة، “أعتقد أن وجهة النظر هذه لا تعكس الحقيقة الكاملة. منذ النكبة والأيام الأولى لقيام إسرائيل، حينما كان العالم منقسماً إلى محورين رئيسيين كان هناك تقاسماً للأدوار خلال الحرب الباردة. دعم السوفيات فلسطين والولايات المتحدة دعمت إسرائيل، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن التيار الديني اليميني في تركيا كان يحظى بدعم الولايات المتحدة الأميركية، أقبل وجود بعض أوجه الصواب في وجهة النظر تلك (اتّهامات اليسار لليمين)”.
وتستطرد الأكاديمية التركية خلال حوارها مع “النهار العربي”، “لكن إذا تذكرنا تظاهرة 6 أيلول (سبتمبر) في تركيا، والتي بقيت في الأذهان لفترة طويلة كأحد أسباب انقلاب عام 1980 (العسكري)، وهي التي حدثت قبل وقت طويل من ظهور الجهات الإسلامية الفاعلة في فلسطين، بمشاركة 100 ألف شخص باسم تظاهرة القدس وتحت قيادة حزب الإنقاذ الوطني، فهذا يؤكد أن (تلك الاتّهامات) ليست دقيقة للغاية”.
اليمين يجامل السياسات الحكومية
على الرغم من تقديم نفسه كأحد أهم داعمي القضية الفلسطينية في المنطقة، إلا أن تصريحات الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان اتّسمت هذه المرة بالاعتدال والهدوء، ودعوة “طرفي الصراع” إلى التهدئة ونبذ العنف.
يرى المحللون الأتراك أن سياسات التطبيع والتقارب بين أنقرة وتل أبيب تعتبر السبب الرئيسي وراء تغيّر النبرة التركية هذه المرة. فأردوغان الذي تحدّى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في منتدى دافوس عبر جملته الشهيرة “One minute” لم يتوجّه بأية كلمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو الأكثر تشدداً، في ظل تصاعد حدة العنف الإسرائيلي تّجاه غزة مقارنة مع حقبة دافوس قبل عقد ونصف عقد.
ويُرجع تاش هذا التحوّل إلى كون “السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية من دون مبادئ، فهي تعتمد الانتهازية والنفعية والبراغماتية، وهذا هو الحال مع القضية الفلسطينية والموقف تجاه إسرائيل”.
ويشرح تاش: “كما تعلمون، في مجزرة سفينة مرمرة، حاول حزب العدالة والتنمية بداية التصعيد، لكنّه بعد نقطة معينة، باع هذه القضية وأسقطها أمام الأموال التي دفعتها إسرائيل. اليوم، دخلت حكومة العدالة والتنمية، التي تحاول أن تتماشى مع سياسات الولايات المتحدة تجاه المنطقة، في عملية تطبيع وإعادة التواصل مع إسرائيل وفقاً لمتطلبات اتفاقيات أبراهام، وخلال هذه العملية، حدث هجوم حماس، ورغم أن التطورات لم تكن مشابهة للسابق، إلا أن سياسة توازن القوى والاعتدال ومحاولة ابقاء احتجاجات الشرائح الإسلامية متوازنة عند مستوى معين غدت واضحة للغاية”.
واضاف: “ما يطالب به اليسار التركي من حكومة العدالة والتنمية، التي تمتلك أدوات الدولة وتتحكم بمقدّراتها، بذل جهد من أجل السلام الإسرائيلي- الفلسطيني، ولكن الجهد المبذول لا يجب أن يتم من خلال نهج متساو بالنسبة لكلا الجانبين. من الضروري معارضة سياسات الاستيطان والاحتلال المتزايدة التي تنتهجها الدولة الإسرائيلية، ولا ينبغي أن تستمر العلاقات التجارية والعسكرية بينما يُذبح الناس في فلسطين. ينبغي وضع سياسات فعالة ضد المجازر الإسرائيلية هذه. ونحن نرى أن هذه السياسات ليست على جدول أعمال الحكومة”.
وترى د. أونسال وهي أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية أن “لدى الجماعات الدينية رغبة قوية جداً في دعم حكومة حزب العدالة والتنمية. من الصعب جداً إظهار موقف مستقل ومعارض تجاه سياسات الحكومة في بيئة اعتمد فيها حزب العدالة والتنمية بشكل متزايد على الشريحة الدينية، اليمينية المحافظة بعد عام 2013 وبذل جهوداً كبيرة لضمان ولاء تلك الشريحة. بالنسبة للشريحة الدينية اليمينية والمحافظة، فإن فلسطين- غزة هي مسألة قضية، كما أن حكومة حزب العدالة والتنمية هي قضيّتهم أيضاً، وفي هذا السياق، سيكون من الطبيعي بالنسبة لهم الابتعاد عن التحركات التي من شأنها إضعافها (العدالة والتنمية)”.