يُشكّل عقد شركة (إتش كي إن إنرجي – HKN) في حقول الرميلان أحد أبرز الاتفاقات المُعلَنة في قطاع النفط السوري خلال المرحلة الانتقالية، ويثير أسئلة تتعلق بطبيعة الشركة الأميركية والإطار المؤسسي والقانوني الذي أُبرم الاتفاق ضمنه. وبحسب ما أوردته صحيفة فايننشال تايمز، دخلت الشركة في عقد يمتد خمسة وعشرين عاماً لتطوير وتشغيل الحقول، في واحدة من أكبر الصفقات المعلنة في قطاع الطاقة السوري منذ تخفيف العقوبات الغربية.

تأسَّست (إتش كي إن إنرجي) في ولاية تكساس الأميركية عام 2007 على يد رجل الأعمال روس بيرو الابن، المعروف أيضاً بكونه من المانحين للحزب الجمهوري ولحملة ترامب الانتخابية. ويتركّز نشاطها الرئيسي في إقليم كردستان العراق، حيث تدير أصولاً نفطية وغازية متعددة. وهي شركة خاصة غير مُدرَجة في البورصة، ولذلك لا تخضع لمتطلبات الإفصاح المالي الدوري المفروضة على الشركات المتداولة في الأسواق العامة.

وتكتسب تجربة الشركة في كردستان العراق أهمية خاصة، فقد عملت لسنوات في قطاع نفطي ظلَّ موضع نزاع سياسي وقانوني بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد، ولا سيما فيما يتعلق بحق التعاقد مع الشركات الأجنبية وإدارة الموارد الطبيعية. ولا يعني ذلك وجود تشابه مباشر بين الحالتين العراقية والسورية، لكنه يُشير إلى أن الشركة اعتادت العمل في بيئة يتداخل فيها الاستثمار النفطي بالهشاشة السياسية والأمنية.

في تقرير نشره موقع إنتلجنس أونلاين عن الشركة ودورها في قطاع الطاقة في المنطقة، تَرِدُ إشارات إلى أن نائب رئيس الشركة، ماثيو زايس، شغل سابقاً منصب مدير ملفي العراق والشؤون الكردية في مجلس الأمن القومي في إدارة ترامب، كما يربط التقرير اسمه بملف (دلتا كريشنت إنرجي)، وهي شركة حديثة التأسيس، أسَّسها مسؤولون ودبلوماسيون وعسكريون أميركيون سابقون، وحصلت عام 2020 على إعفاء من العقوبات الأميركية للعمل في قطاع النفط في مناطق سيطرة قسد.

كشفت بوليتيكو آنذاك أن المشروع تم بدعم من الإدارة الأميركية، وقد وضعت مراكز أبحاث أميركية سياسة إدارة ترمب الأولى هذه ضمن مقاربة تتجاوز الأهمية الاقتصادية للنفط، وتضع إجراءات كهذه في سياق ترتيبات أمنية وسياسية أوسع، تهدف إلى دعم الشركاء المحليين الذين تعاونوا مع واشنطن في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وإلى تأمين موارد اقتصادية للمناطق الواقعة خارج سيطرة دمشق، والحد من انتقال قطاع الطاقة في المنطقة إلى نفوذ قوى منافسة، ولا سيما روسيا وإيران. كما تنظر بعض الأدبيات الأميركية الخاصة بالطاقة إلى الجزيرة السورية وإقليم كردستان العراق بوصفهما جزءاً من فضاء جغرافي واقتصادي مترابط، ترتبط فيه قضايا الإنتاج والنقل والبنية التحتية وأمن الطاقة بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود الوطنية. وفي هذا السياق، لا يُنظَر إلى الاستثمارات النفطية باعتبارها مشاريع اقتصادية معزولة فحسب، بل باعتبارها جزءاً من ترتيبات إقليمية. وإذا كانت هذه المعطيات لا تُحدِّد طبيعة الدور الذي تؤديه شركة (إتش كي إن إنرجي) في سوريا اليوم، فإنها تضعها في سياق أوسع يتعلق بالسياسة الأميركية تجاه الطاقة في المنطقة.

بالمقابل، تبقى المعلومات المتاحة عن عقد الرميلان نفسه محدودة. لم يُنشر نص الاتفاق، ولم تعلن الحكومة السورية طبيعته القانونية أو بنوده الأساسية أو آليات إقراره، كما لا توجد معلومات رسمية حول نظام الاستثمار أو حقوق التسويق والتصدير أو آليات توزيع العائدات. ويؤدي غياب الشفافية إلى الاعتماد على تقارير صحفية وتسريبات، يتحدث بعضها عن توزيعٍ للحصص بين (إتش كي إن) والشركة السورية للبترول وشركة الجزيرة النفطية التابعة للإدارة الذاتية، من دون تأكيد هذه المعلومات في أي وثيقة منشورة.

كما أن ورود اسم شركة الجزيرة يثير أسئلة إضافية، إذ لا توجد معلومات معلنة حول وضعها القانوني بعد اتفاق الاندماج بين الإدارة الذاتية والدولة السورية الجديدة، ولا حول صلاحياتها الحالية وعلاقتها بالمؤسسات النفطية التابعة للدولة.

ولا يقتصر النقاش هنا على هذا العقد في حد ذاته، بل إنه يستدعي نقاشاً سياسياً وقانونياً أوسع حول عقود المرافق العامة والموارد الطبيعية في المرحلة الانتقالية. فهذه الاتفاقات ترتب التزامات مالية وقانونية تمتد لعقود، وتتجاوز الأفق الزمني لولاية السلطة التي أبرمتها. وحتى الآن، لا توجد معطيات معلنة حول آليات مراجعة هذه العقود أو إعادة النظر فيها، ولا حول علاقتها بالسلطات التشريعية المستقبلية. وفي غياب الإطار المؤسسي، يصبح من الصعب التمييز بين ما يُشكِّل التزاماً قانونياً طويل الأمد للدولة، وما يُمثِّل قراراً تتخذه سلطة انتقالية من دون إطار مُعلَن للمُراجعة أو المساءلة.