مع سلوك لبنان طريق التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركيّة لوقف الحرب الإسرائيليّة المدمّرة والعودة إلى اتّفاق إطلاق النار لعام 2024، نكون قد دخلنا طواعية في حقل الأشواك، وهو ما قد يسرّع المواجهة الداخليّة بدل إنهاء العدوان الخارجيّ. يتساوى الخطران أو يتقاربان في أقلّ تقدير.
تدور الأمور كلّها في حلقة مفرغة. يرفض الثنائيّ الشيعيّ التفاوض المباشر مع إسرائيل لوقف الحرب، ويراهن على إيران لتحسين شروط وقف إطلاق النار السابق، الذي منح إسرائيل كما “الحزب” حرّية العمل تحت عنوان حقّ الدفاع المشروع. تشترط إسرائيل نزع سلاح “الحزب” قبل إنهاء الأعمال العدائيّة والانسحاب من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، ورئيس الجمهوريّة جوزف عون يرفض اللقاء المباشر مع بنيامين نتنياهو قبل وقف الحرب والانسحاب من الجنوب.
لا توصل هذه الاشتراطات المتضادّة إلى شيء، فيما تتواصل أعمال إسرائيل في الاغتيال والقصف والتجريف والتدمير، وترسيخ منطقة عازلة محاذية للحدود وخالية من البشر والحجر، ويستمرّ النزوح، ويسير لبنان حثيثاً نحو الانهيار النقديّ مجدّداً. هل يكون المخرج العمليّ تدويل الأزمة بمعنى الاستعانة بالفصل السابع لميثاق الأمم المتّحدة، لتطبيق القرار رقم 1701، بما يعني دعم جهود الحكومة اللبنانيّة في بسط سيادتها على كامل التراب الوطنيّ وحصر السلاح بيدها وضمان انسحاب الجيش الإسرائيليّ إلى الحدود الدوليّة أم تتشكّل قوّات متعدّدة الجنسيّات من دول غربيّة وعربيّة لتحقيق الأهداف نفسها من أجل تجاوز معارضة روسيا والصين لتدخّل الأمم المتّحدة وفق الفصل السابع، باستخدامهما حقّ النقض في مجلس الأمن؟ وما هي العوائق السياسيّة والميدانيّة؟
الفصل السّابع من ميثاق الأمم المتّحدة
ينصّ الفصل السابع لميثاق الأمم المتّحدة على إجراءات محدّدة يقوم بها مجلس الأمن في حال وقع تهديدٌ للسلم أو إخلالٌ به أو إذا ما وقع عمل من أعمال العدوان، ويقدّم في ذلك توصياته أو يقرّر ما يجب اتّخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادّتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدوليَّين أو إعادتهما إلى نصابهما.
لكنّ تطبيق الفصل السابع لا يكون فوراً، بل على مراحل متعاقبة. بحسب المادّة 40 يدعو مجلس الأمن المتنازعين إلى الأخذ بما يراه ضروريّاً أو مستحسناً من تدابير مؤقّتة، على أن لا تخلّ هذه التدابير المؤقّتة بحقوق المتنازعين ومطالبهم أو بمركزهم. إن لم يستجِب أطراف النزاع، فلمجلس الأمن بحسب المادّة 41 أن يقرّر ما يجب اتّخاذه من التدابير التي لا تتطلّب استخدام القوّات المسلّحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتّحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصاديّة والمواصلات الحديديّة والبحريّة والجوّيّة والبريديّة والبرقيّة واللاسلكيّة وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئيّاً أو كلّيّاً وقطع العلاقات الدبلوماسيّة، أي اللجوء إلى العقوبات.
إن رأى مجلس الأمن أنّ التدابير المنصوص عليها في المادّة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنّها لم تفِ به، جاز له أن يتّخذ عن طريق القوّات الجوّيّة والبحريّة والبرّيّة من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدوليَّين أو لإعادتهما إلى نصابهما. إلّا أنّ المادّة 51 تحفظ الحقّ الطبيعيّ للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن نفسها إذا اعتدت قوّة مسلّحة على أحد أعضاء الأمم المتّحدة، وذلك إلى أن يتّخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليَّين، وهذا يفتح الباب لتحرّك عاجل من دولة أو مجموعة دول لصدّ العدوان.
التّعقيدات العمليّة
هذا في الجانب النظريّ، لكنّ المسألة من الناحية العمليّة أكثر تعقيداً بكثير. حاليّاً في لبنان صراع بين دولة إسرائيل وبين قوّة لبنانيّة غير رسميّة متحالفة مع دولة أخرى هي إيران. لا توجد حرب بالمصطلح التقنيّ بين دولتين. بل إنّ الحكومة اللبنانيّة أعلنت في محاولة منها في بداية آذار الماضي لكبح الصراع في بداياته أنّ النشاطات العسكريّة والأمنيّة لـ”الحزب” خارجة عن القانون استناداً إلى قرار سابق لها العام الماضي بحصر السلاح وبهدف إجهاض أيّ عودة للحرب. اتّخذت قراراً إضافيّاً بجعل بيروت مدينة منزوعة من السلاح غير الشرعيّ، وذلك عقب الغارات الإسرائيليّة على بيروت في 8 نيسان الماضي، وسقوط مئات الشهداء.
لكن إذا كانت قرارات الحكومة بحصر السلاح تثير توتّرات داخليّة وتهديدات متواترة بحرب أهليّة، ثمّ تتصاعد مواقف حادّة بشأن طرح التفاوض المباشر مع إسرائيل، والبدء به عمليّاً في واشنطن، مع اتّهام رئيسَي الجمهوريّة والحكومة بالخيانة، فكيف يكون الحال إذا استعانت الحكومة بقوّات أجنبيّة لفرض سيادتها على كامل الأراضي اللبنانيّة، أو إذا قبلت بتخصيص قوّات مختارة من الجيش اللبنانيّ كي تتولّى الأمن في المنطقة العازلة بعد تدريبها أميركيّاً، فهل نكون حينذاك أقرب إلى الاستقرار أم الانفجار؟
هل يتكرّر التّاريخ؟
صدر القرار 1701 عام 2006 بعد حرب تموز في ذلك العام تحت الفصل السادس عمليّاً، أي أنّه يقوم على وقف الأعمال العدائيّة، دعم انتشار الجيش اللبنانيّ، تعزيز قوات “اليونيفيل”، ومنع السلاح غير الشرعيّ جنوب الليطاني، لكنّه لا يعطي تفويضاً لنزع السلاح بالقوّة.
أمّا تحويله إلى الفصل السابع فيعني تلقائيّاً أنّ مجلس الأمن يعتبر الوضع الراهن تهديداً للسلم والأمن الدوليَّين. هذا يؤدّي نظريّاً إلى تفويض أوسع لـ”اليونيفيل” من أجل التفتيش عن السلاح في الجنوب ومصادرته، ومراقبة حدود ومرافئ لبنان، وفرض عقوبات على جهات لبنانيّة تعرقل التنفيذ، وإنشاء قوّة متعدّدة الجنسيّات.
يحتاج هذا إلى مشروع قرار جديد من مجلس الأمن، وعدم استخدام الفيتو من روسيا أو الصين، وتوافق أميركيّ أوروبيّ عربيّ واسع، وقبول لبنانيّ رسميّ أو انهيار أمنيّ كبير يبرّر التدخّل. هذه شروط صعبة جدّاً حاليّاً. لا تريد إسرائيل قوّات دوليّة في الجنوب، ولا القبول الروسيّ أو الصينيّ مضمون بشأن تطوير قوّات “اليونيفيل”، ولا التوافق الأميركيّ الأوروبيّ متاح.
أمّا الانهيار الأمنيّ الكبير فمشروط بتحرّك الدولة لنزع السلاح بالقوّة، أو مبادرة “الحزب” مدعوماً بحلفائه، لا سيما حركة “أمل”، إلى إسقاط الحكومة والسيطرة على النظام السياسيّ بانقلاب مسلّح. ما دام “الحزب” يقف على حافة الهاوية، ولا يتخطّاها، فإنّ هذا الشرط غير متوافر أيضاً. ولو أنّه حاول إسقاط الحكومة بالقوّة، كما قيل عقب بدء سريان الهدنة الحاليّة، فإنّ عمله هذا كان سيدفع بقوّة نحو تجاوز كلّ التحفّظات السابقة، والاندفاع نحو اتّخاذ إجراءات دوليّة منفردة أو جماعيّة لتدارك الوضع، ومنع الانقلاب على الحكومة الشرعيّة.
لكن هل الظروف الدوليّة الراهنة تسمح بتشكيل تحالف دوليّ، كما حدث سنة 1983، عندما تشكّلت قوّات متعدّدة الجنسيّات لدعم عهد الرئيس أمين الجميّل؟في تلك المرحلة، أشرفت القوّات الدوليّة على انسحاب منظّمة التحرير الفلسطينيّة من بيروت، وقدّمت المساعدة لبناء الجيش اللبنانيّ وتعزيز صفوفه وتحديث أسلحته، ووُضعت خطّة لنشر سلطة الدولة انطلاقاً من “بيروت الكبرى”. لكنّ هذه التجربة انتهت بتفجير مقرّ المارينز الأميركيّ، ومقرّ القوّات الفرنسيّة عام 1983، وانسحاب القوّات المتعدّدة الجنسيّات في العام التالي، بعد تعاظم قوّة المعارضة المدعومة آنذاك من سوريا.
تشابهات بين الثّمانينيّات واليوم
تبرهن المقارنة بين المرحلتين على وجود تشابهات يراهن عليها “الحزب” لتكرار التاريخ، وتوجد مفارقات تعرقل رهاناته ومن ورائه إيران. من التشابهات الظاهرة سعي الرئاسة اللبنانيّة إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل وعقد اتّفاق أمنيّ معها، وهو ما نتج عنه عام 1983 اتّفاق 17 أيّار. تسعى الرئاسة الآن إلى الأمر نفسه تحت ضغط الحرب الإسرائيليّة.
أيّ اتّفاق جديد مع إسرائيل قد يعتبره “الحزب” مناسبة مؤاتية للانقلاب مجدّداً على الدولة، كما تجلّى في انتفاضة 6 شباط عام 1984، التي أسقطت هيبة الدولة منذ ذلك الحين. لكنّ المفارقة الأساسيّة في هذا السيناريو خروج سوريا من المعادلة. في الثمانينيّات، كان النظام السوري مدعوماً بالاتّحاد السوفيتيّ يسعى جاهداً لمحو آثار الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982 وعواقبه السياسيّة والدبلوماسيّة (لا سيما وصول حزب الكتائب إلى رئاسة الجمهوريّة، وعقد اتّفاق مع إسرائيل)، التي تُضعف نفوذ دمشق في لبنان، وتمهّد لخروج الجيش السوريّ منه، وهو ما كان سيعني هزيمة استراتيجيّة لحافظ الأسد.
لذلك زوّدت دمشق يومها المعارضة الإسلاميّة والوطنيّة بالدعم العسكريّ اللازم، من حيث السلاح والرجال، لإسقاط اتّفاق 17 أيّار وإضعاف الدولة.
بسقوط بشّار الأسد في سوريا أواخر عام 2024، لا توجد لـ”الحزب” وحلفائه دولة حليفة وراء ظهرهم تمدّهم بمدد لا ينقطع. ساهمت إيران في لحظة ما في إرساء هدنة مضطربة في لبنان، في سياق المساومات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، لكن قد لا يمكنها تقديم أكثر من ذلك، وهي التي تعاني لتجاوز الخسائر الاقتصاديّة الفادحة التي لحقت بها في الحرب الأخيرة.
وصاية على الدّولة؟
مع غياب الحسم في الخيارات المتاحة لكلٍّ من الدولة و”الحزب” في هذه المرحلة، سيعني اللجوء إلى التدويل كخيار اضطراريّ أخير أو الوصول الإلزاميّ إلى هذا الخيار مع العجز عن إخراج الجيش الإسرائيليّ من الجنوب بالقوّة المسلّحة، في أقلّ تقدير، الدخول في حالة من الوصاية على الدولة، ليس في الشأن السياسيّ أو العسكريّ وحسب، بل أيضاً في المجال الاقتصاديّ، إذ إنّ الاستعصاء في الداخل والخارج لأشهر مقبلة لن يستطيع لبنان تحمّله اقتصاديّاً أو اجتماعيّاً، فيُصبح لزاماً إدخاله على عجل إلى غرفة الإنعاش الدوليّ، بغضّ النظر عن أسلوب العلاج أو شكله، ولا توجد أيضاً آمال مرتفعة بالشفاء.
