لقد أحرز الحكم الإيراني نصراً أكيداً من خلال قدرته على الصمود في وجه العدوان الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي وعدم الرضوخ لشروط واشنطن، بخلاف ما توخّاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد اضطرّت إدارة هذا الأخير إلى الانتقال من التهديد والوعيد إلى السعي لإغراء طهران بالوعود العسلية. فقد تجلّت هذه الأخيرة في «مذكرة التفاهم» التي جرى الاتفاق عليها في عاصمة باكستان، إسلام آباد، قبل شهرين وبضعة أيام، والتي شكلت بلا ريب مكسباً كبيراً للدولة الإيرانية (أنظر «إخفاق ترامب في لعبة العصا والجزرة»، القدس العربي، 23/6/2026).
كان المعتدلون في النظام الإيراني قد أشرفوا على المفاوضات بالرغم من تنديد المتشدّدين بمبدأ التفاوض عينه، وقد خرجت تظاهرات في إيران نظّمها المتشددون للتعبير عن ذاك التنديد وإدانة الوجهين البارزين اللذين يمثلان الجناح المعتدل، ألا وهما محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس النواب الإيراني، ومسعود بزشكيان الذي فاز برئاسة الجمهورية قبل عامين. وقد كان بودّ المعتدلين أن تمضي طهران في تطبيق الاتفاق بعد التأكد من حقيقة الوعود التي تضمّنتها «مذكرة التفاهم»، لاسيما إنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، وفكّ الحجز المفروض على الأموال الإيرانية في الخارج، وتأسيس صندوق إقليمي للإعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني برأسمال يبلغ 300 مليار من الدولارات.
طبعاً كان ثمن ذلك قاسياً، إذ تكبدّت إيران خسائر مدنية وعسكرية عظمى، فضلاً عن اغتيال أبرز أعلام نظام حكمها السياسي وجهازها العسكري. بيد أن الحصيلة كما تجلّت في إسلام آباد شكّلت ما رأى فيه العالم أجمع فوزاً إيرانياً، وأول من رأى ذلك الحكم الصهيوني نفسه، وقد أبدى استياءه من تلك الحصيلة التي لم يُشرك ولم يُستشر في صنعها والتي تناقضت بصورة كاملة مع ما توخّاه من العدوان الثنائي. والحال أن المطلوب من إيران لقاء التنازلات الأمريكية بموجب «مذكرة التفهم» لم يتعدّ ما كانت عليه الحال بين سنتي 2015 و2018، عندما كان الاتفاق النووي الذي أبرِم في زمن رئاسة باراك أوباما سارياً قبل إبطاله من قِبَل دونالد ترامب. أي أن المطلوب كان يقتصر على إعادة الملاحة في مياه الخليج ومضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل العدوان الثنائي، وفقاً للقوانين الدولية وأصول الجيرة بين الدول المحيطة بالخليج، وتخلّي إيران عمّا تراكم لديها بعد عام 2018 من اليورانيوم المخصّب فوق ما يلزم لأغراض سلمية، وإعادة التزامها بما تعهّدت به في عام 2015.
هذا ما أمل فيه المعتدلون في الحكم الإيراني الذين شاركوا في صياغة اتفاق إسلام آباد. بيد أن المتشدّدين وضعوا عقبة أساسية أمام تنفيذ الاتفاق بإصرارهم على احتفاظهم بالتحكّم بمضيق هرمز وفرض الرسوم على عابريه، وهو ما لا يمكن لواشنطن القبول به حيث، لو قبلت به، لشكّل طعنة كبرى في ظهر حلفاء أمريكا الخليجيين وإعلاناً صريحاً عن هزيمة أمريكا. فبينما كان متوقعاً أن يشكل الملف النووي حجر العثرة الرئيسي في مفاوضات الستين يوماً التي كان مقرراً أن تتبع عقد الاتفاق في إسلام آباد، تسبّبت قضية المضيق عينها بالقضاء على «مذكرة التفاهم» وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبلها.
إزاء هذا الوضع رأت إدارة ترامب أن تتكيّف مع الوضع الناشئ عن انسداد المضيق، بعد أن تبيّن أن أثره على الاقتصاد العالمي، بما فيه أسعار النفط، محدود نسبياً، وأن تستبدل التصعيد العسكري بتصعيد اقتصادي من خلال تشديد الخناق على إيران. وما حداهم على اختيار هذا الطريق ليس وقع الحرب السيئ عليهم وعلى نفقاتهم ومخزوناتهم العسكرية وحسب، بل أيضاً حالة الاقتصاد الإيراني الذي غدا يتدهور بسرعة متزايدة منذ بداية الحرب. فقد انهارت العملة الإيرانية، وبلغ مؤخراً سعر صرف الريال مليونين مقابل الدولار الواحد (كان سعره في نهاية عام 2024 قد بلغ 800 ألفاً)، بينما بلغت نسبة ارتفاع الأسعار 90 في المئة مقارنة بالعام الماضي ونسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية 130 في المئة. هذا وناهيك من الطوابير التي تشكلت أمام محطات البنزين بسبب نقص الوقود المكرّر.
وحيث يتعامى المتشدّدون في الحكم الإيراني عن استياء سواد الشعب المتعاظم من تلك الأوضاع الاقتصادية التي تزداد وطأتها باطّراد، ويراهنون على قدرتهم على ردع الجماهير من خلال تشديد القمع (ومنه تزايد الإعدامات في الساحات العامة في الأسابيع الأخيرة)، يخشى المعتدلون بحق أن تؤدّي الظروف المعيشية إلى انفجار الغضب الشعبي مجدّداً بعد الانفجارات المتكررة التي شهدتها البلاد منذ ثمانية أعوام، مثلما يخشون أن يضيّع المتشددون فرصة جني ثمار ما تحقق في إسلام آباد.
والحال أن لهؤلاء الأخيرين اليد العليا في طهران، وقد تعاظم نفوذهم مع تعيين مجتبى خامنئي خلفاً لوالده على رأس الحكم، وعلى الأخص مع التعيينات الجديدة التي صدرت باسمه قبل أيام، وأبرزها تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو القائد العام السابق للحرس الثوري الذي أصبح مستشاراً عسكرياً لمجتبى خامنئي، وقد حلّ على رأس مجلس الأمن محلّ محمد باقر ذو القدر، المقرّب من قاليباف.
لقد عبّر الرئيس الإيراني بزشكيان عن رأي الجناح المعتدل يوم الجمعة الماضي في تصريح علني، دعا فيه إلى التمسّك بمذكرة إسلام آباد، مؤكداً على أن «ليس في ذلك الاتفاق أي بند يمثل استسلاماً» (بخلاف ما يدّعيه المتشددون) وراجياً «إنهاء الحرب اليوم بينما نحن في موقف قوة وكرامة»، أي قبل أن تنقلب الأمور ويضيّع الحكم الإيراني ثمار صموده. وقد ردّ عليه رضائي بصورة غير مباشرة في اليوم التالي بمقابلة تلفزيونية تضمّنت تصريحات نارية، شملت تهديداً لكافة الدول العربية الخليجية على خلفية إصرارٍ على الشروط الإيرانية القصوى. وسوف تبيّن الأسابيع القادمة أياً من الموقفين كان على صواب، أهو حكمة المعتدلين أم طمع المتشددين.
٭ كاتب وأكاديمي من لبنان