وأنا أعيد قراءة رواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري، لفتني تقديم شكري لروايته التي يُصنّفها فيه بأنّها من ذلك النوع من الأدب الذي لا يُجتر ولا يراوغ، ويأتي ليعرض واقع الحياة وحقيقتها القاسية والصادمة.
على طول صفحات الرواية، بقيتُ أستحضر هذه الجزئية من تقديم شكري، وظلّ يخطر في بالي أنّ طبيعة تلك الحياة القاسية التي عاشها شكري، وكتب عنها، هي حياة الإنسان المقهور، الذي تُجبره ظروف الفقر والحرمان على سلوك طرق تكيفية معينة لا تخلو من مظاهر المخاطرة والانحراف الأخلاقي.
استحضرتُ في ذهني عنوان كتاب مصطفى حجازي “التخلّف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”، وذهبتُ لأرصد واقع حياة البؤس الاجتماعي التي صوّرها شكري في روايته في ضوء التنظيرات التي أوردها حجازي في كتابه السابق.
لعلّ أول ما يلفت في الرواية هو التحقيب الزمني الذي تبدأ أحداثها فيه، وهو زمن المجاعة التي ضربت المغرب، ولا سيما في شمال البلاد، الأمر الذي دفع بعائلة محمد شكري إلى الهجرة من الريف المغربي إلى طنجة بحثًا عن الخبز وسبل العيش. وقد جرت هذه الأحداث خلال سنوات الحرب العالمية الثانية في ظل خضوع شمال المغرب للحماية الإسبانية، ووقوع طنجة تحت الاحتلال الإسباني بين عامي 1940 و1945، بعد أن كانت المدينة تتمتع بوضع دولي خاص.
يُمكن قراءة المجاعة التي دفعت بعائلة محمد شكري إلى الهجرة من الريف نحو طنجة في ضوء ما يسميه مصطفى حجازي “العنف المفروض” الذي يواجهه الإنسان المقهور. فالجوع الذي تعاني منه أسرة شكري في بداية الرواية جاء نتيجة تضافر عاملين اثنين؛ هما قسوة الطبيعة، والظروف الاقتصادية المتردية التي رافقت سنوات الحرب العالمية الثانية في ظل الواقع الاستعماري الذي كان يعيشه المغرب آنذاك، وهو ما فاقم آثار الجفاف والندرة وحوّلهما إلى تهديد مباشر لحياة السكان.
فهذان العاملان هما حجر الأساس في تشكيل واقع العائلة الصعب، فعندما وجد أفرادها أنفسهم أمام واقع يفقدون فيه القدرة على التحكم بمصائرهم، غدت هجرتهم إلى مكان آخر بحثًا عن الخبز، هي الاستجابة الوحيدة الممكنة لحالة القهر والضرورة، وفي هذا الخيار الإجباري يتجسد ما يشير إليه حجازي من أنّ العنف المفروض على الإنسان بفعل الطبيعة وغيرها من العوامل الظرفية القهرية، يجعله يعيش تحت وطأة تهديد دائم لأمنه ورزقه.
تتبدى في الرواية العديد من الظواهر والمسائل الاجتماعية التي يُمكن قراءتها في ضوء تنظيرات مصطفى حجازي، لعلّ أبرزها ظاهرة “العنف الأسري”، فمظاهر هذا العنف تبدأ تجلياتها منذ إقامة العائلة في طنجة، حيث يظهر والد شكري باعتباره مركز السلطة المطلقة داخل الأسرة.
تصوّر الرواية علاقة شكري بوالده أثناء إقامتهم في طنجة، وهي علاقة تقوم على ثنائية الاستبداد والخضوع، ففي حديث شكري عن والده تصوير له ككائن فائق، له سلطة تحكّم مطلقة في مصائر أفراد عائلته وحركاتهم وسكناتهم، يُشبهها شكري بسلطة الإله، إذ يقول: “عندما يدخل لا حركة، لا كلمة إلا بإذنه كما هو كل شيء لا يحدث إلا بإذن الله كما سمعت الناس يقولون”. وتبلغ هذه السلطة الأبوية ذروتها في حادثة ضرب أخيه الأصغر عبد القادر التي تنتهي بمقتله، فشكري يصف أباه بالوحش الذي يلوي عنق أخيه بينما يقف هو وأمه عاجزين أمام سطوته.
تتكرّس هذه العلاقة التسلطية بين شكري ووالده بعد انتقال العائلة إلى تطوان، فمع دخول شكري المبكر إلى سوق العمل، يقوم أبيه بأخذ ماله الذي يجنيه من تعبه، ولا يكتفي بذلك، بل يطالبه بالولاء والطاعة المطلقة له، ففي أحد مقاطع الرواية يُخاطب الوالد ابنه قائلًا: “هي أمك. لكني أنا أبوك. إذا كان هناك من يجب أن تطيعه فهو أنا. لا أحد إلا أنا. الطاعة لي وحدي ما دمت حيًا”، ليرد شكري في داخله ساخرًا: “أسمعك يا خليفة الله في أرضه التي يحكمها آباء مثلك”.
يمكن قراءة علاقة التسلّط الأبوية هذه في ضوء ما يذهب إليه مصطفى حجازي من أنّ القهر يبدأ داخل البنى الاجتماعية القريبة من الإنسان، وعلى رأسها الأسرة، من خلال آليتين متلازمتين هما تعظيم شأن المتسلط والحطّ من قدر المقهور. فالأب في الرواية يحتكر الحق في الأمر والطاعة والعقاب، بينما يُدفع الأبناء والزوجة إلى موقع الخوف والرضوخ، لتصبح الأسرة المجال الأول الذي يصطدم فيه الطفل بقوى القهر.
من المسائل الاجتماعية الأخرى التي يُمكن الإحاطة بها من منطلقات وتنظيرات حجازي، مسألة تشكّل البنية النفسية عند الإنسان المقهور، فمرحلة المراهقة التي رواها شكري في الرواية، تجيء لتكشف عن بنيته النفسية المثقلة بالفقر والحرمان والعنف الأبوي، وهي بنية يمكن قراءتها في ضوء ما يسميه حجازي بالأساليب الدفاعية التي يطوّرها الإنسان المقهور للتخفيف من وطأة وضعه الوجودي.
فشكري ينشأ في بيئة يُسلب فيها حقه في الطفولة والتعليم والاعتراف، ويتعرض فيها للإهانة والاستغلال بصورة متواصلة، الأمر الذي يدفعه إلى البحث عن منافذ بديلة لتحقيق إشباع نفسي وجسدي يعوّض ما افتقده من أمان وتقدير. لذلك يترافق دخوله مرحلة البلوغ مع انكباب واضح على عالم الجسد والرغبة الجنسية، وهو ما يدلّل عليه شكري بقوله: “قساوة أبي عليّ توقظ شهواتي نحو كل ما هو جسدي”. ومن هذا المنظور تبدو ممارساته الجنسية المتعددة، وتلصّصه على أجساد النساء، وإفراطه في الاستمناء، مظاهر مرتبطة بسعي الإنسان المقهور إلى بناء توازن نفسي هشّ يخفف من شعوره بالعجز والإهانة.
وفي الوقت نفسه، تكشف سلوكيات شكري الجانحة عن انتقاله إلى ما يصفه حجازي بمرحلة تصريف العدوانية الناتجة عن القهر؛ فبعد أن عجز عن مواجهة مصدر التسلط الحقيقي المتمثل في الأب والفقر والبؤس الاجتماعي، أخذت العدوانية المكبوتة تبحث عن مخارج بديلة عبر السرقة والعنف وتعاطي المخدرات والخمر.
وبحسب حجازي، فإنّ المقهور حين يعجز عن ردّ القهر إلى مصدره الحقيقي، يميل إلى ممارسات بديلة، بحثًا عن تعويض رمزي لاعتباره الذاتي المفقود. لذلك لا تبدو السرقة والعراك وتعاطي الكيف والخمر، ولا حتى الإقبال على مضاجعة بائعات الهوى، أفعالًا منفصلة عن سياقها، بل مظاهر مختلفة لاستجابة نفسية واحدة نشأت في ظل الحرمان والقهر والعنف، واتخذت من الجسد والعدوان والتمرد وسائل مؤقتة لمواجهة شعور عميق بالعجز والمهانة.
تُمثّل وضعية المرأة في الرواية واحدة من أبرز المسائل التي يُمكن قراءتها في ضوء تنظيرات حجازي، فالرواية تكشف عن مجتمع تُختزل فيه المرأة إلى وظيفة جنسية وتُقاس قيمتها من خلال علاقتها بالرجل لا من خلال ذاتها المستقلة.
| بحسب مصطفى حجازي، فإنّ المقهور حين يعجز عن ردّ القهر إلى مصدره الحقيقي، يميل إلى ممارسات بديلة، بحثًا عن تعويض رمزي لاعتباره الذاتي المفقود |
يظهر هذا الاختزال واضحًا وجليًا فيما يشهده محمد شكري في طفولته، حين يُبصر العلاقة بين والديه وقد أُحيلَت إلى دائرة من العنف الجسدي والمصالحة الجنسية؛ فوالده غالبًا ما كان يضرب والدته حتى مرحلة الإدماء، لكن الطفل شكري كان يسمعهما بعد ذلك “يتضاحكان ويتأوهان بلذة”، فينتهي إلى استخلاص قناعته الخاصة: “عندما أكبر ستكون لي امرأة. سأخاصمها في النهار بالضرب والشتم وأصالحها في الليل بالعري والعناق”.
تجيء عبارة شكري السابقة لتكشف عن نموذج اجتماعي يتعلّم فيه الذكر منذ صغره أن السيطرة على المرأة وإهانتها لا تتعارضان مع العلاقة الحميمة، بل قد تبدوان جزءًا طبيعيًا منها. ويمكن قراءة ذلك في ضوء ما يطرحه مصطفى حجازي حول “الاستلاب الجنسي” في المجتمعات المقهورة، فهذا المنظور يرى أنّ القهر الممارس على المرأة يتركز بشكل أساسي على جسدها، إذ يُختزل إلى مجرد أداة للمتعة، فالمرأة – في هذا الإطار- لا تظهر باعتبارها شريكًا جنسيًا مساويًا، بل بوصفها الحلقة الأضعف التي تُسقَط عليها أشكال العنف والإذلال التي يعجز الرجل المقهور عن توجيهها إلى مصادر قهره الحقيقية.
تتأكّد هذه النظرة الدونية للنساء على مدار صفحات الرواية، وتظهر في الخطاب الاجتماعي المحيط بهنّ، والتي تتكرر عبره العبارات التي تربط المرأة بجسدها وجنسيتها وتختزل وجودها فيهما. فعندما تُذكر ممرضة متعلمة تتقن ثلاث لغات أجنبية، لا يكون ذلك موضع تقدير بقدر ما يُلغى كله بعبارة: “لكن عقلها في فرجها مثل معظم النساء”، وهي عبارة تكشف عن ربط قيمة المرأة الأخلاقية والاجتماعية بجسدها وقدرتها الجنسية.
كما تتجلى النظرة نفسها في حديث شكري عن نعيمة – وهي امرأة دخل معها في علاقة- حين يقول: “لا عمل لها سوى أن تفتح لي أو لغيري فخذيها”، وفي ظنه أنها على شاكلة النساء جميعًا اللاتي يسعين إلى الإيقاع بالرجل عبر الحمل والزواج.
وبحسب حجازي، فإنّ هذه التصورات جميعها ترتبط بشكل مباشر بـ”عقدة العار” التي تميز الإنسان المقهور؛ فالرجل الذي يشعر بهشاشة مكانته الاجتماعية يميل إلى ربط شرفه بجسد المرأة وسلوكها، بحيث يصبح أي مساس بها انتقاصًا من اعتباره الشخصي. لذلك، تكتسب الشتائم الجنسية حضورًا لافتًا في الرواية، لأنها تستمد فاعليتها من هذا الربط بين المرأة والشرف، فتُستخدم وسيلةً للإهانة وإثبات التفوق الرمزي على الآخر. ويكشف ذلك عن بنية ثقافية تُحمَّل فيها المرأة معاني الشرف والعار، وتُوظَّف مكانتها الاجتماعية في إعادة إنتاج علاقات الهيمنة والقهر داخل المجتمع.
أخيرًا، فإنّ العديد من النقاد ينظرون إلى رواية “الخبز الحافي” باعتبارها وثيقة اجتماعية ترصد عالم المهمشين والمنبوذين، ولعلّ قراءتها في ضوء تنظيرات مصطفى حجازي وغيره من الباحثين الاجتماعيين يأتي بما يؤكّد على تلك الصفة. ومع ذلك، لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد تسجيل لواقع القهر، إذ إنّ فعل الكتابة نفسه يبدو فيها شكلًا من أشكال التمرد على ذلك الواقع؛ فصحيحٌ أنّ شكري يكشف عبرها عما مرّ به من فقر وعنف وتهميش، لكنّه يُحوّل ذلك كلّه إلى فعل سردي يواجه الصمت والتستر، ويمنح المهمّش والمقهور حق رواية حكايته بنفسه.