تعريف:
صدر حديثًا عن مركز “مدى الكرمل” في حيفا كتاب المفكر عزمي بشارة “الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى” في طبعة جديدة تتصدرها مقدمة خاصة للمؤلف.
وهذا الكتاب، كما جاء في تقديمه، هو عبارة عن مجموعة مقالات نُشِرت في فترات زمنيّة متباعدة نسبيًّا (1992، 1995، 1997، 1998)، وتتناول واقع ومستقبل ذلك الجزء من الشعب العربيّ الفلسطينيّ الذي يعيش في إطار المواطَنة الإسرائيليّة داخل الخطّ الأخضر.
وقد صدر هذا الكتاب بداية عن مؤسَّسة “مواطن” في رام الله، ثمّ أعاد مركز دراسات الوحدة العربيّة في بيروت إصداره. وقد كان لطروحاته أثر في جيل كامل من الشباب الفلسطينيّ في الداخل. ويعيد مركز “مدى الكرمل” نشره بعد عَقدَيْن ونصف العقد على صدوره، لا لأهميّته الفكريّة فحسب، بل كذلك بسبب راهنيّته. والمجال الذي يبحث فيه الكتاب المتداخل التخصّصات بين علم الاجتماع، والعلوم السياسيّة، والفلسفة، والنظريّة الديمقراطيّة، هو أحد أكثر الحقول تركيبًا ووعورةً من حيث التناقضات التي تحدّد طوبوغرافيّته، ألا وهو حقل العلاقة بين المواطنين العرب في إسرائيل من جهة، ومواطَنتِهم في الدولة العبريّة من جهة أخرى. ولا تحاول الدراسات المختلفة في الكتاب أن تتجنّب التناقضات، أو تتجاهلها، أو تدّعي غيابها، بل تتعامل معها بوصفها جزءًا من الواقع، وتحاول أن تبحث عن قوى الهدم القائمة في هذه التناقضات، وعن قوى التطوُّر أيضًا، في محاولة لاستثمارها سياسيًّا.
وخصّ بشارة هذه الطبعة بمقدمة هنا نصّها:
| جانب من حضور ندوة فكرية بعنوان “قراءة في كتاب الخطاب السياسيّ المبتور وراهنيّته في ظل تحدّيات المرحلة”، عقدت بالناصرة احتفاء بصدور الطبعة الجديدة من الكتاب |
حين توجّهت إليَّ إدارة مركز مدى الكرمل بطلب إعادة إصدار كتابي “الخطاب السياسيّ المبتور”، الذي صدر عام 1998 عن مؤسّسة مواطن في رام الله، ثمّ أعاد مركز دراسات الوحدة العربيّة في بيروت إصداره، تردّدت، وأجّلت جوابي عدّة أشهر، لا بسبب الانشغال فحسب، وإنّما كذلك خشية اكتشاف أنّ مضمون الكتاب قد تقادَمَ خلافًا لرأي إدارة مدى الكرمل التي تصرّ على أهمّيّة إصداره مجدَّدًا. وكان مصدر خشيتي أنّ العَقدَيْن ونصف العقد الذَيْن مرّوا منذ صدوره كانوا زاخرين بالأحداث والتحوُّلات النوعيّة في الشرق الأوسط والوطن العربيّ، وفلسطين على نحوٍ خاصّ. لكنّي في النهاية رضخت لإلحاحها. ولَشَدّ ما كانت مفاجأتي بعد قراءته مجدَّدًا، إذ تبيَّنَ لي أنّ الكتاب حافظ على راهنيّته على الرغم من انقضاء كلّ هذا الوقت على صدوره.
والحقيقة أنّ الراهنيّة ليست مقياس أهمّيّة أيّ مؤلَّف. فإذا طَبَّق كتابٌ في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة منهجًا علميًّا في فَهْم ظاهرة اجتماعيّة أو أكثر، فإنّه يبقى مُهمًّا، والاستفادة منه ممكنة، حتّى لو كانت الظاهرة مُحدَّدة تاريخيًّا بمرحلة معيّنة. وقد حلّل كتاب “الخطاب السياسيّ المبتور” البنْية الاجتماعيّة والسياسيّة للفلسطينيّين داخل إسرائيل (الأقلّيّة الفلسطينيّة، أو الأقلّيّة العربيّة الفلسطينيّة، أو القوميّة، وَفقًا للغة الكتاب) وتطوُّرها منذ نشوء الظاهرة في عام 1948، وصولًا إلى تسعينيّات القَرن الماضي، وشخّص العناصر المكوِّنة لهذه البنْية والتناقضات الثاوية فيها. واحتفظ التشخيص بصحّته بصرف النظر عن التطوُّرات اللاحقة. أقصد بذلك العلاقةَ بين التشكُّلِ التاريخيّ للأقلّيّة العربيّة الفلسطينيّة داخل إسرائيل نتيجة لنكبة الشعب الفلسطينيّ وتهجير غالبيّته، وتشكُّل هُويّتها الجماعيّة من جهة، والمواطَنةِ في الدولة التي قامت على أنقاض هذا الشعب من جهة أخرى. هذه العلاقة المعقَّدة التي يعالجها الكتاب ليست مجرّد ازدواجيّة كما تظهر في السوسيولوجيا الإسرائيليّة، بل هي تناقض فاعل؛ ويُحتمَل أن يكون هذا التناقض هدّامًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا، كما يمكنه أن يكون محرّكًا دافعًا للتطوُّر بحيث تُعاد صياغة الوحدة التي تَجْمع النقائض على مستوًى أكثر تركيبًا، إذا حضر الوعي بتفاعلهما، وتوافرت أشكال التنظيم السياسيّ الملائم التي تمكِّن المواطنين العرب في إسرائيل من التصرُّف بوصفهم جماعة قوميّة هي جزء من الشعب الفلسطينيّ.
يتناول الكتاب تطوُّرَ الوعي الوطنيّ الفلسطينيّ في مراحله المختلفة من جهة، وتطوُّرَ الوعي بالمواطَنة الإسرائيليّة وممارستها على مستوى الحقوق المدنيّة والسياسيّة من ناحية أخرى. ويميّز بين الأَسْرَلة الجارية موضوعيًّا، بغضّ النظر عن الإرادات، من خلال الاقتصاد المشترَك ومؤسَّسات الدولة وقوانينها والواجبات والحقوق المترتّبة عليها من جهة، وأَسْرَلة الوعي من جهة أخرى. ويُعَدّ إدراكُ الأولى، وتفهُّمُ أوضاع الناس المعيشيّة في ظلّها، شرطًا للتصدّي لمَخاطر الثانية. ويمرّ خلال ذلك بتحليل البنْية الاجتماعيّة لعرب الداخل. وما يميّزها هو فقدان الريف الزراعيّ من دون صيرورة تَمْدين (أي التحوُّل إلى مدن) بعد فقدان المدينة الفلسطينيّة عام 1948، ونشوء تلك الخصوصيّة الاجتماعيّة المتمثّلة بالبلدات الكبيرة على هامش المدن اليهوديّة في ظلّ ترابط اقتصاديّ كامل، أي عدم وجود عمليّة إنتاج عربيّة فلسطينيّة، أو اقتصاد فلسطينيّ مستقلّ. ثمّ يحلّل الكتاب تطوُّر العمل السياسيّ والوعي بالمواطَنة من الجهتَيْن، من ناحية العرب في الداخل وتطلُّعاتهم، ومن ناحية تغيُّر النظام السياسيّ الإسرائيليّ، ونشوء نظام المعسكرَيْن، ومرحلة اللَّبْرَلة بعد عام 1977، وغير ذلك من التطوُّرات التي أثّرت بدَوْرها على طريقة ممارسة العرب في إسرائيل مواطَنَتَهم.
ويتوقّف الكتاب مطوَّلًا عند تحليل معنى المساواة، وتعريف دولة المواطنين، والعلاقة بينها وبين الحقوق الجماعيّة، مستخدِمًا في ذلك أدوات فَهْم الديمقراطيّة الليبراليّة الحديثة، والحالات التي لا يصحّ فيها أن تكون المساواة اندماجيّة. وفي إسرائيل، لا يمكن أن تكون المساواة اندماجيّة لأنّ الدولة يهوديّة في بنْيتها وهدف وجودها؛ وهي لا تعترف بوجود أمّة إسرائيليّة تقوم على المواطَنة، بل تقوم على أساس افتراض وجود أمّة يهوديّة متجاوزة لحدود الدولة؛ ولا يمكن أن يكون الاندماج مساواتيًّا، أو منْصفًا، لأنّه يتطلّب تخلّي السكّان الأصليّين عن هُويّتهم وذاكرتهم وتاريخهم من دون مواطَنة متساوية. فالاندماج هو في الحقيقة تهميش، كما في حالة خدمة الفلسطينيّ في جيش الاحتلال، بحيث يقمع شعبه خلف رموز وشعارات لا تمتّ إليه بِصلة، لا يمكن أن تحظى بولائه من دون أن يتجوّف داخليًّا من ذاته، ويُستلَب تمامًا.
ولكن من ناحية أخرى، وبناء على منهج التحليل الجدليّ الذي اتّبعه المؤلّف، لا يمكن أيضًا خوض نضال وطنيّ من دون المرور بالحقوق المدنيّة المترتّبة على المواطَنة. كما أنّ نشر الثقافة الوطنيّة والحفاظ على الهُويّة العربيّة الفلسطينيّة غير ممكن من دون انخراط القوى الوطنيّة بالنضال المطلبيّ المدنيّ المتعلّق بواقع الناس المعيش. من دون ذلك، ينعزل البعد الوطنيّ عن ممارسة الناس حياتها اليوميّة، وتصبح القوى الوطنيّة ناديًا طهرانيًّا مغلَقًا وعديم التأثير، وهو ما يسهم موضوعيًّا في عمليّة الأَسْرَلة.
يتمثّل التعريف الموجِب للمساواة في كون الدولة لجميع مواطنيها، وهو ما يتناقض مع الصهيونيّة، ويُبقي التطلّع إلى المساواة متوافقًا مع الوطنيّة. كذلك إنّ المساواة غير الاندماجيّة تعني الاعتراف بالحقوق الجماعيّة للمواطنين العرب وثقافتهم وذاكرتهم بوصفهم جماعة قوميّة هي جزء من الشعب الفلسطينيّ.
خُصِّص هذا النموذج لقضيّة العرب في الداخل حصرًا، ولكن مع تعثُّر تسوية القضيّة الفلسطينيّة، ورفض إقامة دولة في الضفّة والقِطاع، وإصرار إسرائيل على إنشاء نظام أﭘـارتهايد في فلسطين، يمكن أن ينسحب هذا النوع من التفكير على القضيّة الفلسطينيّة عمومًا من خلال نموذج الدولة ثنائيّة القوميّة القائمة على مواطَنة متساوية في الوقت ذاته. ونجد الكاتب يطرح هذا الاحتمال في مقاله من العام 1992 الذي أصبح الفصلَ الأوّل في هذا الكتاب.
ما حصل منذ صدور الكتاب يمكن توقُّعه بناء على النموذج النظريّ الذي قدّمه، والذي يشمل التناقض بين اللَّبْرَلَة في النظام السياسيّ الإسرائيليّ وردّ الفعل عليها الذي يشدّد على يهوديّة دولة إسرائيل، وكونها دولةَ اليهود لا دولةَ مواطنيها، بما في ذلك ردّ الفعل الصهيونيّ الحزبيّ والرسميّ على المشروع السياسيّ الذي تناولته طروحات هذا الكتاب، ألا وهو إعادة بناء الحركة الوطنيّة في الداخل وطرحها برنامج دولة المواطنين. وقد واصل المؤلّف تطوير مقولة التناقض بين يهوديّة الدولة وديمقراطيّتها في كتاب “من يهوديّة الدولة حتّى شارون” (2005).
شكّلت المقالات النظريّة، أي الفصلان الأوّل والثاني من هذا الكتاب، والتي انتهج فيها الباحث مقارَبة متداخلة التخصُّصات، بين علم الاجتماع والعلوم السياسيّة والفلسفة، أساسًا نظريًّا لسلسلة المقالات التي نشرها لاحقًا (1997 ــ 1998)، والتي تشرح المشروع السياسيّ الممكن بناءً على هذا الأساس النظريّ. وقد وجد المؤلّف في تناقض واقع العرب في الداخل، وفي ثقافتهم السياسيّة، مناسَبةً لتطبيق المنهج الفلسفيّ الجدليّ الذي كان في صُلب دراسته للفلسفة.
كان الحافز لتأليف مقالات هذا الكتاب ــ كما هو واضح من النصّ نفسه ــ كامنًا في أزمة الحركة الوطنيّة في الداخل بعد توقيع منظّمة التحرير اتّفاقيّات أوسلو، وما عدّه الكاتب بداية مرحلة جديدة من الأَسْرَلَة الواعية لذاتها، ونشوء ظواهر جديدة، مثل الانضمام إلى الأحزاب الصهيونيّة، والمشارَكة في انتخاباتها التمهيديّة، ورفع عدد متزايد من المواطنين عَلَمَ الدولة على سيّاراتهم في ما يسمّى يوم الاستقلال، وغيرها. ولا شكّ في أنّ إعادة تأسيس الحركة الوطنيّة بناءً على القواعد التي طُرحت في هذا الكتاب أسهمت في التصدّي لهذا المسار، ونشوء أجواء جديدة، من ضمنها تراجع دعم الأحزاب الصهيونيّة في المجتمع العربيّ، وصعود الوعي السياسيّ الفلسطينيّ.
ولكن منذ تأليف الكتاب برزت ظواهر جديدة لم يكن ممكنًا توقُّعها، ولكنّها مع ذلك تثبت فرضيّة الكتاب بشأن استحالة الأَسْرَلة الاندماجيّة. ففي ما عدا تصاعُد التأكيد على يهوديّة الدولة من خلال تشريعات مثل قانون “إسرائيل دولة القوميّة اليهوديّة”، تَبَيَّنَ خلال حرب الإبادة على غزّة مدى هشاشة الديمقراطيّة الإسرائيليّة حين يتعلّق الأمر بالمواطنين العرب، الذين عوملوا بوصفهم مشبوهين، وقُيّدت حرّيّتهم في التعبير، وعادت معادلة التخويف والخوف لتنظّم العلاقة بين الدولة اليهوديّة والمواطن العربيّ كما في مرحلة الحكم العسكريّ. ولكن الفرق بين ظروف عيش العرب الفلسطينيّين المواطنين في إسرائيل من جهة، وظروف عيش الفلسطينيّين تحت الاحتلال من جهة أخرى، ظلّ قائمًا.
ثمّة ظواهر لم يكن ممكنًا أن يعالجها الكتاب، مثل انتشار الجريمة على نطاق واسع، وتَغَوُّل عصابات الإجرام في البلدات العربيّة في الداخل، بحيث أصبحت تحتلّ مكانة متقدّمة من بين ما يستحوذ على اهتمام العربيّ الفلسطينيّ المواطن في إسرائيل. فالظاهرة متأخّرة نسبيًّا. ولكنْ منهج الكتاب قاد إلى التلميح إلى احتمالات تفشّيها ثلاث مرّات على الأقلّ في الفصول المختلفة، ولا سيّما حينما أشار إلى العلاقة بين مأزقِ التحديث بلا حداثة (فالحداثة في إسرائيل إسرائيليّة لا فلسطينيّة)، وأزمةِ الهُويّة وتداعياتها الأخلاقيّة، وإلى أنّ التطوُّرات قد تتّجه نحو أن يصبح حاضر اللدّ ويافا وعكّا هو مستقبل عرب الداخل، وكانت أحياء هذه المدن المسمّاة مختلَطة وقتذاك نموذجًا لانهيار البنْية الاجتماعيّة وانتشار الجريمة والمخدّرات بالتفاعل مع الجريمة في الوسط اليهوديّ. كذلك أشار إلى احتمالات تفاقم النزعة الاستهلاكيّة المفْرِطة في غياب مشروع وطنيّ موحّد، وثقافة وطنيّة وتربية وطنيّة، مع ضعف البنى التقليديّة في المجتمع من دون استبدالها بمؤسّسات حديثة، وصولًا إلى ما يشبه غيتوات الأميركيّين الذين من أصل أفريقيّ في الولايات المتّحدة في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي. ولا شكّ في أنّ إهمال أجهزة الدولة الإجراميّ والمتواطئ أدّى دَوْرًا أساسيًّا في انتشار الجريمة؛ فانشغال المجتمع العربيّ بها هو مصدر راحة وطمأنينة للسلطات الحاكمة. وقد نتمكّن يومًا ما من إيجاد الوقت الكافي لمعالَجة أكثر عمقًا لهذا الموضوع الحارق.
وختامًا، عند مراجعة نصّ الكتاب حرصت على المحافظة على المضمون والشكل كما هو، بحيث تظلّ الطبعة الجديدة أمينة للطبعة الأصليّة، ولكنّي أدخلت تعديلات طفيفة أَمْلَتْها عليّ الرغبةُ في تجنُّب تكرار المفردات، أو في توضيح بعض الجمل التي قد يستشكل معناها على القرّاء. هذه التعديلات لا تبلغ ما يستدعي وصف هذه الطبعة من الكتاب بأنّها صيغة منقّحة.
وهي مناسبة لتوجيه الشكر لإدارة مدى الكرمل على هذه المبادرة.
(الدوحة، تشرين الثاني/ نوﭬـمبر 2025)