في أيلول من العام 2025، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك حاملاً ملفاً واضحاً: تثبيت موقع سوريا الجديدة على الساحة الدولية، فكّ عزلتها، وفتح الطريق أمام رفع ما تبقى من العقوبات. يومها، كان حضوره بحد ذاته حدثاً، فهو أول رئيس سوري يشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1967، فيما كان اسمه لا يزال مدرجاً على قائمة عقوبات الأممية، بما يترتب عليها من حظرٍ للسفر.
بعد عام، يستعد الشرع للعودة إلى المدينة نفسها، لكن بحصيلة مختلفة تماماً. ففي الأشهر الفاصلة أُلغي قانون قيصر، ورُفع اسمه عن قائمة العقوبات الأممية، ودخل البيت الأبيض والتقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبالتوازي انتقل المسار السوري–الإسرائيلي من محاولات التوصل إلى اتفاق إلى مفاوضات أفضت إلى إنشاء آلية اتصال مخصصة بين الطرفين برعاية أميركية.
بحسب معلومات دبلوماسية متداولة، يُنتظر أن يصل الشرع إلى نيويورك في 21 أيلول المقبل، على أن يلتقي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 22 منه.
يرجّح مصدر في دمشق، في حديث إلى “أساس”، أن يتصدر الاتفاق الأمني مع إسرائيل جدول لقاء الشرع وروبيو، وإن لم يكن الملف الوحيد المطروح. ويذكّر المصدر بأن الاتفاق كان حاضراً في زيارة الشرع إلى نيويورك العام الماضي، حين أعرب عن أمله في إنجازه، فيما كانت واشنطن تضغط باتجاه الوصول إلى تفاهم بين الطرفين. أما اليوم، وبعد إعلان الشرع قبل أسابيع أن دمشق لا تزال تسعى إلى إبرام الاتفاق بمشاركة دول أخرى، فيرجح المصدر أن يحضر الملف بقوة على طاولة البحث مع روبيو.
من تعثّر نيويورك إلى مسار جديد
في الزيارة الأولى، كان الشرع يعمل على تثبيت موقع المرحلة السورية الجديدة دولياً. ورغم أن إدارة ترامب كانت قد بدأت برفع جزء كبير من العقوبات، بقي قانون قيصر قائماً، وكان إلغاؤه واحداً من أبرز مطالب دمشق في مسارها نحو إلغاء العزلة الدولية.
بالتوازي، كانت واشنطن تضغط لتسريع المفاوضات السورية–الإسرائيلية أملاً في تحقيق اختراق خلال أسبوع اجتماعات الجمعية العامة. لكن المفاوضات لم تصل إلى خواتيمها، وبقيت ملفات الجنوب السوري والوجود الإسرائيلي والترتيبات الأمنية عالقة، لتظلّ من أبرز العقد التي حالت دون التوصل إلى تفاهم نهائي.
ما تعثّر في نيويورك لم يتوقف بعدها. في السادس من تشرين الثاني 2025، شطب مجلس الأمن اسم الشرع من قائمة العقوبات، قبل أيام من استقباله في البيت الأبيض.
في كانون الثاني 2026، استؤنفت المحادثات بين سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية في باريس، وانتهت إلى إنشاء “آلية اتصال مخصصة” بين الطرفين، تحت إشراف الولايات المتحدة، لمعالجة القضايا الأمنية والاستخبارية وخفض التصعيد، إضافة إلى الانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية.
لكن وجود قناة اتصال لم يعنِ أن الطريق إلى الاتفاق أصبحت مفتوحة.
العقدة: الأرض مقابل الأمن
خلف حديث نيويورك، تبدو العقدة اليوم أكثر تحديداً. فالمفاوضات لم تعد تدور حول مبدأ التوصل إلى اتفاق بقدر ما تتمحور حول معادلته وشروطه: دمشق تريد انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها بعد الثامن من كانون الأول 2024، والعودة إلى خطوط وترتيبات اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. في المقابل، تطلب إسرائيل ضمانات أمنية أوسع في الجنوب السوري، فيما لا تزال مسألة الانسحاب من بعض المواقع الاستراتيجية موضع خلاف أساسي بين الطرفين.
أما الجولان، فيبدو أن دمشق تفصل عملياً بينه وبين الاتفاق الأمني الجاري التفاوض عليه. فالشرع تحدث عن إمكان إنجاز تفاهم أمني في المرحلة الحالية، فيما أبقى المطالبة السورية بالجولان قائمة ضمن مسار أطول.
عادت القضية إلى الواجهة في العاشر من آب، بعدما أعلنت كولومبيا اعترافها بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، لتصبح ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تتخذ هذا الموقف، فيما أدانت دمشق القرار.
بذلك تصبح المعادلة أوضح: دمشق تريد الأمن مقابل الانسحاب، فيما تريد إسرائيل ضمانات أمنية من دون أن يكون الانسحاب من جميع المواقع الجديدة محسوماً.
“الموقع 99” … اختبار قبل الاتفاق
في العاشر من آب، كشف موقع ويب الإخباري “أكسيوس”، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، عن وساطة أميركية سرية تتعلق بمنشأة سورية سرية تُعرف باسم “الموقع 99″، ومرتبطة بالبرنامج النووي السوري السابق. وبحسب التقرير، كان نظام بشار الأسد المخلوع قد نقل إلى المنشأة مواد ومعدات مرتبطة بالبرنامج النووي بهدف إخفائها عن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
بحسب الرواية المنشورة، أثارت تحركات مرتبطة بالمنشأة مخاوف إسرائيلية من نقل هذه المواد، وبرز احتمال توجيه ضربة إلى الموقع، قبل أن تتدخل واشنطن ويجري التوصل إلى ترتيبات مع دمشق والوكالة الدولية للطاقة الذرية لتأمين المواد وإزالتها.
دمشق، من جهتها، أكدت تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها نفت وجود أي دور إسرائيلي في هذا المسار.
بحسب مصدر مراقب، فإن أهمية القضية تتجاوز المنشأة نفسها، إذ تكشف وجود قناة أميركية قادرة على التحرك عندما يظهر ملف أمني حساس بين سوريا وإسرائيل، والبحث عن معالجة تحول دون انتقاله إلى مواجهة عسكرية. أي إن الاتفاق الأمني الكبير لم يُوقّع، لكن بعض الأدوات التي يمكن أن يستند إليها بدأت تعمل.
نيويورك الثانية: ماذا بقي؟
لكن السؤال هو: ماذا ستقدم إسرائيل في المقابل؟
لا يوجد حتى الآن إعلان موثوق بأن اتفاقاً سورياً–إسرائيلياً سيوقّع في أيلول، ولا معطيات تسمح باعتبار نيويورك مكاناً للتوقيع. والسؤال هو ما إذا كانت واشنطن قادرة على ردم المسافة بين مطلب سوري بالانسحاب ومطلب إسرائيلي بضمانات أمنية أوسع في الجنوب. قبل عام، ذهب الشرع إلى نيويورك لإثبات أن سوريا عادت إلى الطاولة الدولية. هذه المرة، يعود والطاولة موجودة. أما السؤال فهو: هل أصبحت الصفقة جاهزة لتوضع عليها؟
