ملخص
سبق لرئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، بصفته رئيساً لـ “المجلس الأعلى للأمن القومي”، أن أكد أن خيار التفاوض لم يُعتمد من دون موافقة المرشد ورأيه الإيجابي، وحاول من خلال ردّه على المعترضين، وبيان أعضاء “مجلس الخبراء”، تقديم تفسير لأسباب موافقة المرشد، وأنها جاءت بعد توافر الشرط الذي وضعه بتصويت غالبية أعضاء “مجلس الأمن القومي”، الذي جاءت نتيجته موزعة بين 12 عضواً لمصلحة التفاوض، في مقابل عضو واحد معترض.
من السذاجة التعامل بصورة عابرة مع الرسالة التي وجهها 63 عضواً في “مجلس خبراء القيادة” إلى السلطة التنفيذية، والفريق الذي يتولى مهمة التفاوض مع الإدارة الأميركية، والتذكير بضرورة الالتزام بالسقوف التي وضعها وحددها المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، في الرسالة التي أصدرها بداية توليه موقعه قائداً للثورة والنظام، وأثناء الحرب الأميركية – الإسرائيلية، وتضمنت الدعوة إلى معاقبة العدو وإلحاق الهزيمة به والانتقام منه، إضافة إلى تركيزه على ضرورة استخدام ورقة مضيق هرمز وعدم التهاون بها، وصولاً إلى وقف الحرب على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان.
الرسالة التي تشكل خرقاً واضحاً للمواد الدستورية التي تحدد عمل “مجلس خبراء القيادة”، بمراقبة عمل المرشد ودعم توجهاته، أثارت كثيراً من التساؤلات حول الموقف الحقيقي للمرشد من عملية التفاوض، وهل حصل الفريق المفاوض على تأييده ودعمه وموافقته على المسار الذي ذهبت إليه السلطة التنفيذية، والجهات التي تتبنى المسار التفاوضي، أم أن قرار التفاوض جاء متعارضاً مع إرادته ورؤيته وتقديره، بخاصة أن الرسالة الأخيرة التي صدرت عنه تضمنت إشارة واضحة إلى موقفه، إذ أكد أنه “كنتُ في البداية (على الأصول) أرى الأمر من منظور مختلف، لكن في ضوء الالتزام الذي قطعه لي رئيس الجمهورية المحترم، بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، نيابة عن نفسه وعن الأعضاء، بالدفاع عن حقوق الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة، وبعد أن تحمل مسؤولية ذلك صراحة، فقد منحتُ الإذن”.
وعلى رغم مسارعة الأمانة العامة لـ “مجلس الخبراء” إلى توضيح الموقف، وأن مواقف المجلس وبياناته تصدر بالآليات المعتمدة، إما بعد انتهاء جلسة عامة له، أو موقّعة باسم رئيسه أو هيئة الرئاسة، أو من خلال الأمانة العامة له، وبالتالي فإن ما صدر عن مجموعة من الأعضاء عمل خارج عن المألوف في عمل الخبراء، لكن توضيح الأمانة العامة لم يقطع الشكوك حول وجود اختلاف بين هذا المجلس، باعتباره درع ولاية الفقيه والمرشد، والفريق الذي أعلن أن قرار التفاوض لم يتخذ من دون موافقة المرشد.
وقد سبق لرئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، بصفته رئيساً لـ “المجلس الأعلى للأمن القومي”، أن أكد أن خيار التفاوض لم يُعتمد من دون موافقة المرشد ورأيه الإيجابي، وحاول من خلال ردّه على المعترضين، وبيان أعضاء “مجلس الخبراء”، تقديم تفسير لأسباب موافقة المرشد، وأنها جاءت بعد توافر الشرط الذي وضعه بتصويت غالبية أعضاء “مجلس الأمن القومي”، الذي جاءت نتيجته موزعة بين 12 عضواً لمصلحة التفاوض، في مقابل عضو واحد معترض.
التوضيح الذي قدّمته “الأمانة العامة لمجلس الخبراء” لم يتضمن اعتراضاً على مضمون بيان الأعضاء الموقّعين على الرسالة، بل كان اعترضاً على الآلية المتّبعة، والتي شكّلت تجاوزاً على الأعراف والقوانين الداخلية للمجلس، وأن حصر التوقيع في مجموعة من الأعضاء، واستثناء الأعضاء الآخرين، ولّد إرباكاً لدى الرأي العام، وأوحى بوجود اختلاف أو تعارض في المواقف داخل المجلس، في حين أن الأعضاء غير الموقّعين لا يعارضون محتوى هذه الرسالة، وأن السبب الرئيس في موقفهم يعود لآلية العمل المتبعة من الموقعين، بعدم وضعهم في صورة ما يحدث.
الأخطر في موقف “الأمانة العامة لمجلس الخبراء” تلك الإشارة التي طالبت الموقّعين بالتزام واتباع الآليات القانونية، أو التزام ما سبق اقتراحه عليهم، بأن تكون الرسالة صادرة باسم رئاسة المجلس أو عن الأمانة العامة، حتى لا يحدث أي التباس لدى الرأي العام، وهذه الإشارة تدفع إلى الاعتقاد بوجود اختلافات بين مؤسسة القيادة التي تتشكّل من المرشد أو ولي الفقيه، وذراعه الدستورية “مجلس خبراء القيادة”، وبين مؤسسات النظام الأخرى، أو الكتلة الحاملة لمنظومة السلطة التي تمثل الدولة العميقة، والتي تدفع باتجاه مسارات جديدة لإدارة البلاد، والتعامل مع التحديات والتداعيات التي أنتجتها الحروب الأخيرة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
البعد الأول الذي قد يشكّل المحرك لخطوة “مجلس الخبراء”، أن المرشد الأعلى لجأ إلى الطلب من هؤلاء الأعضاء، الذين يعتقد أنهم الأعضاء نفسهم الذين صوّتوا لمصلحة توليه منصب القيادة، من أجل إصدار هذا البيان ليشكّل له خط رجعة أو نافذة للتملص من نتائج أي اتفاق وتفاهم قد تعقده وتوقّعه الدولة مع الولايات المتحدة الأميركية، إذ يسمح له بالقول اعتماداً على ما جاء في رسالته إلى الفريق المفاوض، بأن موقفه كان مختلفاً “على الأصول”، وأن موافقته جاءت بعد الضمانات والتعهدات التي قدّمها رئيس الجمهورية.
أما البعد الثاني فقد يعود لـ “مجلس الخبراء” نفسه، والذي وجد الفرصة مناسبة لإعادة تفعيل دوره وتأثيره في رسم السياسات الداخلية والإستراتيجية، أي أن يتحول إلى شريك ومركز قرار، إضافة إلى مراكز القرار المؤثرة داخل الدولة العميقة، مستغلاً حال الانقسام القائمة داخل المشهد السياسي، بين فريق يدعم التسوية والتفاوض، وفريق يرفض التفاوض ويدعو إلى مواصلة الحرب والمواجهة، حتى تحقيق النصر الكامل وهزيمة أميركا والقضاء على إسرائيل.
وأمام هذا الطموح لأعضاء “مجلس الخبراء”، الذين يمثلون الثقل التقليدي للمؤسسة الدينية، فإن الدافع نحو هذه الخطوة قد يكون ناتجاً من إحساس لدى هؤلاء بأن المرشد أو موقع ولاية الفقيه، بما هو امتداد لهذه المؤسسة على رأس السلطة السياسية، يتعرض لمحاولات محاصرة وعزل وإبعاد من القرار ومصادرته، وهو ما يعني مستقبلاً تكريس مسار يخرج المؤسسة الدينية من دائرة القرار والتأثير، مما يفرض عليهم التحرك وإعلاء الصوت، لإشعار الآخرين بوجودهم وصعوبة تجاوز دورهم.
وفي مقابل بيان الأعضاء الـ 63 للمجلس، والتوضيح الذي قدمته “الأمانة العامة لمجلس خبراء القيادة”، فقد شهدت مراكز القوة داخل المؤسسة الدينية تحركاً مختلفاً، تمثل في مواقف صدرت عن كبار مراجع التقليد في الحوزة الدينية بمدينة قم، تؤكد دعمها للمسار الذي بدأته السلطة التنفيذية، وتدعو الرئيس والفريق المفاوض إلى ترجمة المفاوضات بإنجازات تساعد في حل الأزمات التي يعانيها المجتمع الإيراني بكل أطيافه، والعمل على إعادة الحياة الكريمة، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية للإيرانيين.
وهذا الموقف لأبرز المراجع الدينية، الذين يمثلون السلطة الدينية المتفلتة من التأثيرات السياسية نسبياً، يضعهم في الجهة المقابلة لرجال الدين الذين يمثلون السلطة السياسية، من خلال عضويتهم في “مجلس الخبراء”، والقول بأن الخيارات السياسية لهذا “المجلس” لا تعني تخلي المؤسسة الدينية عن آلياتها الداخلية في إنتاج المرجعية الدينية، ومن الصعب أن تسلّم مقاليدها الدقيقة والحذرة لموازين تتحكم فيها الضرورات السياسية، وبالتالي فإن خيارهم في انتخاب المرشد الجديد سياسي لا يلزم المراجع والحوزة العلمية بالقبول به كحقيقة دينية وعقائدية.
وانطلاقاً من هذا التمايز الذي فرضته الحوزة العلمية في قم، وتأكيد دورها التقليدي في التعامل مع البعد السياسي للنظام، يمكن فهم زيارة رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان لكبار المراجع في قم، وما شهدته من دعم واضح وتأييد لما تفعله الدولة في معالجة الأزمات، وتداعيات الحرب، والتفاوض من موقع القوة، وهي الزيارة التي تزامنت مع رسالة المرشد مجتبى، ومحاولته النأي بنفسه عن أي مسؤولية تربطه بالمسار التفاوضي، في حال فشله أو عجزه عن تأمين الحد الأعلى للشروط، وكذلك دفعت أعضاء “مجلس الخبراء” نحو إصدار بيانهم التصعيدي الذي يهدف إلى خلط الأوراق على المفاوض الإيراني.
