محمد عبد الجبار الشبوط…..جريدة المدى
اعتدنا النظر إلى الشرق الأوسط بوصفه منطقة تتجاور فيها دول مختلفة، وتتقاطع فيها القوميات والأديان والمذاهب والمصالح، وتتنافس فيها القوى الإقليمية والدولية. لكن التجربة التاريخية الطويلة، وخصوصًا خلال العقود الأخيرة، أثبتت أن هذا التجاور ليس مجرد حقيقة جغرافية، وإنما هو حالة من الترابط العميق تجعل أمن كل دولة واستقرارها وازدهارها متصلًا بما يحدث في الدول الأخرى. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تطوير مفهوم «المواطنة الشرق أوسطية» بوصفه وعيًا إضافيًا بالمصير المشترك، لا بديلًا عن المواطنة الوطنية ولا مشروعًا لإلغاء الدول القائمة.
فالمواطن العراقي يبقى عراقيًا، والمصري مصريًا، والسعودي سعوديًا، والتركي تركيًا، والإيراني إيرانيًا، والباكستاني باكستانيًا. ولا تتطلب المواطنة الشرق أوسطية التخلي عن هذه الهويات أو دمج الدول في دولة واحدة. إنها تضيف إلى الهوية الوطنية دائرة أوسع من الوعي، تجعل الإنسان يدرك أن مصالحه الأساسية في السلام والتنمية والتجارة والمياه والطاقة والبيئة والتنقل والاستقرار لا تتوقف عند حدود دولته.
وقد أظهرت حروب المنطقة هذه الحقيقة بطريقة مأساوية. فالحرب التي تبدأ داخل دولة نادرًا ما تبقى داخلها. اللاجئون يعبرون الحدود، والإرهاب ينتقل، والأسواق تتأثر، وأسعار الطاقة تتغير، والممرات البحرية تتعطل، والجماعات المسلحة تتحرك، والتدخلات الخارجية تتوسع. وبالمقابل، فإن مشروعًا اقتصاديًا ناجحًا في دولة يمكن أن يخلق فرصًا لدول أخرى، والطريق الذي يمر في العراق قد يخدم الخليج وتركيا وأوروبا، والميناء الباكستاني يمكن أن يرتبط بأسواق الخليج وغرب آسيا، وقناة السويس ليست مصلحة مصرية خالصة، بل شريان من شرايين الاقتصاد العالمي والإقليمي.
المواطنة الشرق أوسطية تبدأ من إدراك هذه الحقيقة: نحن نعيش في فضاء واحد حتى عندما نختلف سياسيًا وقوميًا ودينيًا.
والمساحة المقصودة هنا يمكن تصورها، في مرحلتها الأولى، من باكستان شرقًا إلى مصر غربًا، ومن تركيا شمالًا إلى اليمن جنوبًا، بما يضم إيران والعراق ودول الخليج وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين وغيرها. ليست هذه حدودًا نهائية ولا مشروعًا لرسم كيان سياسي جديد، وإنما فضاء وظيفي تستطيع دوله بناء درجات متصاعدة من التعاون.
وقد يبدو مفهوم المواطنة الشرق أوسطية صعبًا في منطقة أثقلتها الصراعات، لكنه لهذا السبب تحديدًا يصبح ضروريًا. فقد استثمرت السياسات لعقود في صناعة الخوف المتبادل: العربي من الإيراني، والإيراني من العربي، والسني من الشيعي، والتركي من العربي، والعربي من التركي، فضلًا عن الصراعات الوطنية والحدودية. ومع الزمن تحولت هذه المخاوف إلى طاقة هائلة من الهدر؛ هدر المال في التسلح، وهدر الإنسان في الحروب، وهدر فرص التنمية، وهدر الثقة التي تحتاج إليها المجتمعات لكي تتعاون.
ولا تعني المواطنة الشرق أوسطية إنكار الخلافات أو تذويبها، وإنما نقلها من منطق الصراع الوجودي إلى منطق إدارة الاختلاف. يستطيع الإيراني أن يكون إيرانيًا والعربي عربيًا والتركي تركيًا، وفي الوقت نفسه يتفق الجميع على أن سيادة الدول محترمة، وأن الحدود لا تغير بالقوة، وأن الجماعات المسلحة لا تستخدم لفرض الإرادات، وأن التجارة والمياه والطاقة والبيئة والممرات مصالح مشتركة.
ويمكن أن يتطور هذا الوعي تدريجيًا من خلال التعليم والثقافة والإعلام والجامعات والتبادل العلمي والسياحة وتسهيل حركة الشباب والباحثين ورجال الأعمال. فالإنسان الذي يعرف مجتمعات المنطقة مباشرة أقل استعدادًا لقبول الصور النمطية التي تنتجها الصراعات السياسية.
إن بناء الشرق الأوسط الجديد لا يبدأ من غرف العمليات العسكرية، وإنما من إعادة تعريف الإنسان لعلاقته بجيرانه. وحين يدرك أبناء المنطقة أنهم، رغم اختلاف دولهم وهوياتهم، يشتركون في فضاء واحد ومستقبل مترابط، تكون الخطوة الأولى قد تحققت.
فالمواطنة تصنع الوعي بالمشترك. لكن الوعي وحده لا يكفي؛ يجب أن يتحول إلى مصالح محسوسة تجعل التعاون أكثر نفعًا من الصراع. ومن هنا تأتي الخطوة الثانية: بناء منظومة اقتصادية شرق أوسطية مشتركة.
إذا كانت المواطنة الشرق أوسطية تؤسس الوعي بالمصير المشترك، فإن الاقتصاد هو الذي يستطيع تحويل هذا الوعي إلى واقع ملموس. وربما يكون الخطأ الذي ارتكبته المنطقة مرارًا أنها حاولت بناء التحالفات السياسية والعسكرية قبل أن تبني شبكة المصالح التي تجعل استمرار التعاون حاجة يومية للدول والمجتمعات.
يمكن تصور فضاء اقتصادي يمتد من باكستان إلى مصر، ومن اليمن إلى تركيا، يضم كتلة بشرية هائلة وموارد طاقة استثنائية وأسواقًا كبيرة وموانئ وممرات بحرية ومواقع جغرافية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. وما ينقص هذه المنطقة ليس الموارد، وإنما القدرة على تحويل الموارد المتفرقة إلى قيمة إقليمية مشتركة.
فالخليج يمتلك الطاقة ورؤوس الأموال، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، وباكستان تمتلك كتلة بشرية وإنتاجية كبيرة وموقعًا استراتيجيًا، وإيران تمتلك الطاقة والصناعة والموقع البري، والعراق يمتلك الطاقة وموقعًا يصل الخليج بتركيا ويمكن لطريق التنمية أن يجعله عقدة نقل إقليمية، ومصر تمتلك السوق والقاعدة البشرية والصناعية وقناة السويس، بينما تستطيع سوريا والأردن ولبنان واليمن أن تتحول، مع الاستقرار وإعادة البناء، إلى أجزاء فاعلة من شبكة الإنتاج والتجارة الإقليمية.
ليس المطلوب البدء بسوق مشتركة كاملة أو اتحاد جمركي شامل. يمكن الانطلاق من المشاريع التي تتقدم فيها المصالح على الخلافات: ربط شبكات الكهرباء، والسكك الحديدية، والموانئ، وأنابيب النفط والغاز، والمناطق الصناعية، والأمن الغذائي والمائي، والاقتصاد الرقمي، والاستثمارات المشتركة، وتسهيل حركة البضائع ورؤوس الأموال.
ويمكن تخيل شبكة نقل كبرى تربط موانئ باكستان بإيران والعراق وتركيا، وتتصل بالخليج والسعودية والأردن وسوريا ومصر والبحر المتوسط والبحر الأحمر. عندئذ لا تبقى الجغرافيا مجرد مسرح تتحرك فوقه الجيوش والقوى الدولية، وإنما تتحول إلى أصل اقتصادي تنتج منه دول المنطقة القيمة.
وهنا تتغير الحسابات السياسية نفسها. عندما تستثمر دولة في مصانع دولة أخرى، وتعتمد شبكة كهربائها على شبكة جارتها، وتمر صادراتها عبر موانئها وسككها الحديدية، ويعمل مواطنوها في مشروعات مشتركة، تصبح الحرب أكثر كلفة، لأن تدمير الآخر يعني تدمير جزء من مصالحك أنت.
وقد استفادت أوروبا من هذا المنطق بعد حربين عالميتين مدمرتين. لم تبدأ بإلغاء الدول أو إنشاء جيش موحد، وإنما بدأت بربط مصالح اقتصادية أساسية، ثم تطورت المؤسسات تدريجيًا. ولا يعني ذلك استنساخ التجربة الأوروبية؛ فالشرق الأوسط يمتلك تاريخه وظروفه الخاصة، لكن الدرس الأساسي صالح: صناعة المصالح المشتركة تساعد على صناعة السلام.
ومن هنا يمكن إنشاء مؤسسة اقتصادية إقليمية مرنة لا تشترط الاتفاق السياسي الكامل بين أعضائها. فقد تختلف السعودية وإيران في ملفات سياسية، وتختلف تركيا مع دولة أخرى، وتبقى لباكستان حساباتها في جنوب آسيا، لكن هذه الاختلافات لا تمنع إنشاء مشروع كهرباء أو سكة حديد أو منطقة صناعية أو صندوق استثماري.
ومع الزمن يمكن الانتقال من المشاريع المنفردة إلى إطار مؤسسي: مجلس اقتصادي إقليمي، وصندوق للتنمية والبنية التحتية، واتفاقات لتسهيل التجارة، وقواعد موحدة للاستثمار، ثم درجات متقدمة من حرية انتقال السلع والخدمات والأفراد.
وهنا تكتسب المواطنة الشرق أوسطية مضمونها العملي. فالإنسان لن يشعر بالانتماء إلى فضاء إقليمي لأننا نطالبه بذلك، وإنما عندما يرى أن هذا الفضاء يوفر له فرص الدراسة والعمل والاستثمار والسفر والإنتاج.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، تمثل هذه العملية انتقالًا من الهدر إلى إنتاج القيمة. فالمنطقة التي تنفق موارد هائلة على الصراعات تستطيع تحويل جزء متزايد منها إلى علم وبنية تحتية وصناعة وفرص عمل وحياة أفضل.
وبذلك تتشكل العلاقة الطبيعية بين المحورين: المواطنة تصنع الوعي بالمشترك، والاقتصاد يصنع المصلحة في المشترك.
وحين تصبح المصالح المشتركة كبيرة بما يكفي، يظهر السؤال الثالث بصورة طبيعية: كيف نحميها؟ وهنا يأتي الأمن، لا باعتباره تحالفًا يبحث عن عدو، وإنما منظومة تحمي قيمة مشتركة أصبحت موجودة بالفعل.