يقول مرجع رسميّ في مجلس خاصّ: “عندما يصرّح محمود قماطي، تيقّنوا أنّ “الحزب” في مكان آخر. هو أشبه بالرصاص الخُلّبيّ الذي يستعمله “الحزب” للتمويه والمناورة”.
لم تكد وسائل الإعلام الرسميّة والافتراضيّة تتناقل تصريح المبعوث الأميركيّ توم بارّاك عن ضرورة إشراك “الحزب” وإيران في الحوار، حتّى سارع عضو المجلس السياسيّ في “الحزب” محمود قماطي إلى التصريح بالقول إنّ “الحزب لم يغلق الباب بصورة نهائيّة أمام التواصل غير المباشر مع الأميركيّين…”. وما بين كلام برّاك وتصريح قماطي، تؤكّد معلومات أمنية غربية أنّ هناك مسعى عبر الأجهزة الأمنية – السياسية الأميركية، لاستكشاف قنوات حوار مع ” الحزب”، للوقوف على مسار ما يمكن أن يقدّمه في تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، والتقدّم في مسار تطبيق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل.
أثار بارّاك موجة من الالتباس السياسيّ في لبنان، بعدما تحدّث بدايةً بطريقة فُهم منها أنّ الوصول إلى تسوية لا يمكن أن يتمّ من دون الحوار مع “الحزب” وإيران، قبل أن يعود ويوضح أنّ الولايات المتّحدة لن تفاوض “الحزب” لأنه مصنّف لديها تنظيماً إرهابيّاً، وأنّ المفاوضات تحصل مع الدولة اللبنانيّة.
فتح هذا الانتقال بين التصريحين الباب أمام سؤال أساسيّ: هل وقع بارّاك في تناقض سياسيّ أم كان يتحدّث عن مستويين مختلفين: الاعتراف بوجود “الحزب” قوّةً مؤثّرةً في الحلّ، ورفض الاعتراف به شريكاً مباشراً لواشنطن على طاولة المفاوضات؟
يمكن فهم كلام بارّاك من خلال التمييز بين موضوع التفاوض وأطراف التفاوض. “الحزب” موجود حكماً في صلب أيّ نقاش في مستقبل السلاح والأمن والحدود وقرار الحرب والسلم، لكنّ وجوده في هذه الملفّات لا يعني بالضرورة أنّ واشنطن مستعدّة للجلوس معه مباشرة.
يريد الموقف الأميركيّ إبقاء الدولة اللبنانيّة عنواناً وحيداً للتفاوض. وهذا يعني أنّ واشنطن تقول عمليّاً لبيروت: عالجوا خلافاتكم الداخليّة، تفاوضوا مع “الحزب” داخل المؤسّسات اللبنانيّة، وتعالوا إلينا بموقف تستطيع الدولة التزامه وتنفيذه.
بهذا المعنى، لا تريد واشنطن إعطاء “الحزب” شرعيّة تفاوضيّة موازية لشرعيّة الدولة، لكنّها في الوقت نفسه تدرك أنّ تجاهله بالكامل لا ينتج اتّفاقاً قابلاً للتطبيق.
لماذا تمسّك جمهور “الحزب” بالتّصريح؟
اللافت لم يكن كلام بارّاك وحده، بل سرعة التقاط جمهور “الحزب” للتصريح الأوّل والتعامل معه باعتباره تحوّلاً في الموقف الأميركيّ. تحمل هذه المسارعة دلالة سياسيّة مهمّة.
يخوض “الحزب” اليوم معركة تتجاوز مسألة السلاح إلى تثبيت موقعه في أيّ تسوية لبنانيّة أو إقليميّة مقبلة. لذلك يصبح أيّ تصريح أميركيّ يوحي بأنّ الحلّ يحتاج إلى الحوار معه مادّة سياسيّة ثمينة، يمكن استخدامها للقول إنّ سياسة عزله فشلت وإنّ الخارج مضطرّ في النهاية إلى الاعتراف بوجوده ودوره.
لكنّ الاحتفاء الكبير بتصريح بارّاك يمكن أن يُقرأ أيضاً بطريقة معاكسة. فالحاجة إلى التمسّك بأيّ جملة أميركيّة تتحدّث عن الحوار مع “الحزب” قد تعكس حجم حاجة بيئته السياسيّة والإعلاميّة إلى إشارة خارجيّة تؤكّد أنّه لا يزال رقماً صعباً في المعادلة. غير أنّه لو كان موقع “الحزب” في أيّ تسوية مضموناً وغير قابل للنقاش، لما اكتسب تصريح ملتبس لمبعوث أميركيّ كلّ هذه الأهميّة.
واشنطن ترسم الخطّ الأحمر
أمّا التوضيح الثاني لبارّاك فجاء ليضع سقفاً لهذا التفسير. لا تريد الولايات المتّحدة أن يتحوّل الاعتراف بوجود “الحزب” وتأثيره إلى اعتراف بشرعيّته طرفاً تفاوضيّاً منفرداً أو شرعياً. لذلك كان ضروريّاً بالنسبة إلى المبعوث الأميركيّ إعادة التأكيد أنّ واشنطن تتحدّث مع الدولة اللبنانيّة لا مع “الحزب”.
هنا يظهر الخطّ الأميركيّ بوضوح: يمكن الاعتراف بأنّ “الحزب” قادر على تسهيل الحلّ أو تعطيله، لكن من دون منحه موقعاً يوازي الدولة. هذا فارق أساسيّ لأنّ التفاوض المباشر معه يعني عمليّاً الاعتراف بأنّ في لبنان مرجعيّتين: الدولة من جهة، و”الحزب” من جهة أخرى. وهذا تحديداً ما تحاول المقاربة الأميركيّة تفاديه.
أمّا الحديث عن إيران فيحمل بعداً مختلفاً. إيران دولة إقليميّة وواشنطن تستطيع التفاوض معها مباشرة في ملفّات عديدة، من البرنامج النوويّ إلى أمن المنطقة والصراعات الإقليميّة. لكنّ وجود قناة أميركيّة – إيرانيّة لا يعني بالضرورة أنّ واشنطن تقبل بأن تكون طهران ممثّلاً لـ”الحزب” أو للبنان في أيّ تسوية لبنانيّة.
المعادلة الأميركيّة هنا تبدو واضحة: يمكن مناقشة الملفّات الإقليميّة مع إيران، لكنّ معالجة وضع “الحزب” وسلاحه يجب أن تمرّ من وجهة النظر الأميركيّة عبر الدولة اللبنانيّة.
تناقض أم توزيع أدوار؟
لذلك قد يكون من المبالغة اعتبار التصريحين انقلاباً كاملاً في موقف بارّاك.
الأقرب إلى المنطق والواقع أنّه كشف عن مستويَين في المقاربة الأميركيّة: الأوّل واقعيّ يعترف بأنّ “الحزب” وإيران عنصران لا يمكن تجاهلهما عند البحث عن تسوية، والثاني سياسيّ وقانونيّ يرفض تحويل “الحزب” إلى شريك مباشر للولايات المتّحدة. أي أنّ واشنطن تفرّق بين من يجب أن يوافق على الحلّ ومن تجلس معه لصناعة هذا الحلّ.
قد يكون “الحزب”، وفق هذه المعادلة، ضروريّاً للأوّل، لكنّه ليس مقبولاً أميركيّاً في الثاني. على هامش كل هذه التفاصيل اعلنت الصحافية الاميركيه لورا لومر على حسابها بتطبيق x انه تم استدعاء السفير باراك الى واشنطن لاجراء مشاورات …؟
