بين الدولة والميليشيا.. لماذا نجحت سوريا وتعثر العراق ولبنان؟

صحفي وباحث سياسي… جريدة الثورة السورية. دمشق
بعد قرابة خمسة عشر عاماً من حرب طاحنة شنها النظام الأسدي على السوريين مزقت أوصال الجغرافيا السورية، وبروز خارطة معقدة من الفصائل والولاءات العسكرية المتباينة التي تقاسمت النفوذ في وقت من الأوقات، استطاعت الدولة السورية في فترة وجيزة لم تتجاوز العامين أن تفرض واقعاً أمنياً جديداً، تمثل ببسط سيطرتها على الغالبية العظمى من الأراضي، وإعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية الرسمية كصاحبة الحق الحصري والوحيد في حمل السلاح.
هذا التحول الدراماتيكي، الذي جاء بعد سنوات من التشكيك في قدرة الدولة على استعادة زمام المبادرة، يطرح تساؤلات جوهرية حول التباين الصارخ بين النموذج السوري في “استعادة السيادة”، والواقعين العراقي واللبناني اللذين لا يزالان يرزحان تحت وطأة “السلاح المنفلت” وتعدد مراكز القرار العسكري والأمني والسياسي، رغم مرور عقود على الأزمات البنيوية في هذين البلدين.
تكمن الخصوصية السورية في قدرة الدولة على اتباع استراتيجية حازمة لتحويل الفصائل التي نشأت خلال سنوات الثورة إلى جزء من الهيكل العسكري والأمني الرسمي، أو حلها تماماً لصالح “الجيش العربي السوري“. وقد تجلى ذلك في سياسة “مركزة القوة” التي طبقت عبر آليات “المصالحات” ودمج المجموعات المسلحة في فيالق نظامية، ما ضمن ولاء هذه القوى للقيادة المركزية بدلاً من الولاءات الخارجية أو المحلية أو الفئوية.
هذه العملية لم تستثنِ حتى الحلفاء المقربين، حيث بدأت دمشق مؤخراً بفرض ضوابط صارمة على الحدود وتحديد مهام الفصائل بدقة متناهية بما يخدم مفهوم “الدولة الوطنية” أولاً، أما الجيوب التي لا تزال تحاول التمرد على هذا المسار، كما هو الحال في بعض مناطق السويداء، فقد نجحت الدولة في عزلها سياسياً واجتماعياً عبر وضعها في إطارها القانوني الدقيق كـ “عصابات خارجة عن القانون”، ما نزع عنها أي غطاء حقوقي أو مجتمعي مزعوم، ومهد الطريق للتعامل الأمني معها كمجموعات تهدد السلم الأهلي.
هذا الوضوح في تعريف “العدو” و”الخارج عن القانون” هو ما افتقدته بغداد وبيروت، حيث لا يزال السلاح غير الشرعي يجد لنفسه مسوغات “أيديولوجية” تمنع الدولة من ممارسة حقها الطبيعي في المحاسبة. في العراق، وعلى الرغم من الجهود الحكومية المتكررة والمبادرات التي أطلقت تحت شعار “حصر السلاح بيد الدولة”، لا يزال المشهد الأمني يتسم بازدواجية قاتلة، فالمؤسسة العسكرية الرسمية، المتمثلة بالجيش وجهاز مكافحة الإرهاب، تجد نفسها في حالة تعايش قسري ومنافسة صامتة مع فصائل مسلحة تمتلك تمويلاً وتسليحاً ونفوذاً سياسياً يتجاوز أحياناً إمكانيات الوزارات السيادية.
العجز العراقي هنا ليس عجزاً في الإمكانيات المادية أو النقص في العديد البشري، بل هو عجز بنيوي ناتج عن نظام “المحاصصة الطائفية” الذي شرعن وجود بعض هذه الفصائل تحت مظلات قانونية فضفاضة، ما جعل من كل فصيل مسلح ظهيراً عسكرياً لكتلة سياسية تشارك في الحكم.
هذا التداخل بين “السلطة” و”الميليشيا” يحوْل دون قدرة الدولة على تصنيف هذه المجموعات كعصابات، بل يجعلها شريكة في القرار الأمني. إن محاولات أرشفة السلاح التي تجري حالياً في بغداد، ورغم أهميتها التقنية، تصطدم بحائط الصد السياسي الذي تفرضه فصائل ترفض التخلي عن “مكتسباتها” العسكرية، ما يبقي الدولة العراقية في حالة “السيادة المجزأة” ويجعل قرار السلم والحرب رهيناً بإرادات فئوية لا وطنية.
أما في لبنان، فإن الحالة تبدو أكثر مأساوية وتحدياً لمفهوم الدولة الحديثة، فوجود “حزب الله” بسلاحه وتشكيلاته العسكرية يمثل النموذج الأبرز لـ “الدولة الموازية” التي تبتلع الدولة الأم. هنا لا نتحدث عن سلاح منفلت بالمعنى التقليدي، بل عن منظومة عسكرية وسياسية تمتلك قراراً سيادياً مستقلاً عن الحكومة والبرلمان.
إن استمرار هذا الوضع لعقود جعل من الدولة اللبنانية جسداً بلا روح، عاجزاً عن حماية حدوده أو اتخاذ قرارات اقتصادية وسياسية كبرى دون “مباركة” السلاح. المقارنة مع سوريا توضح مفارقة هامة: فبينما كانت دمشق يوماً ساحة لنفوذ فصائل عدة، استطاعت اليوم أن تعيد رسم علاقتها مع هذه القوى من موقع “الدولة القوية” التي ترفض وجود أي سلطة تنازعها السيادة على الأرض.
التوترات الحدودية الأخيرة بين الجيش السوري وعناصر من حزب الله الإرهابي أظهرت رغبة دمشق الجادة في إنهاء ظاهرة “السيولة الأمنية” والتعامل مع لبنان كدولة ذات مؤسسات رسمية فقط، وهو توجه يضع الدولة اللبنانية أمام مرآة عجزها، حيث لا تزال تخشى مواجهة واقع السلاح غير الشرعي وتكتفي ببيانات وزارية “خشبية” تشرعن الأمر الواقع.
إن التأثيرات الكارثية لبقاء هذه الميليشيات في العراق ولبنان تمتد لتضرب عمق الأمن القومي السوري والإقليمي بأسره. فالميليشيات التي تتحرك بحرية عبر الحدود العراقية-السورية، أو اللبنانية-السورية، تخلق بيئة خصبة للتهريب، وتجارة المخدرات، وتسلل العناصر المتطرفة، ما يستنزف موارد الدولة السورية في عمليات ضبط الحدود.
في المقابل، أدى فرض السيطرة المركزية في سوريا إلى بدء مرحلة من الاستقرار النسبي الذي سمح بتفعيل المؤسسات الخدمية وإعادة إطلاق عجلة الإنتاج في مناطق كانت مدمرة تماماً. بقاء السلاح المنفلت في الجوار العراقي واللبناني يمثل “قنبلة موقوتة” تهدد بإعادة تصدير الفوضى إلى الداخل السوري، ويجعل من المنطقة بأكملها ساحة مفتوحة للتدخلات الدولية وتصفية الحسابات الإقليمية على حساب دماء الشعوب.
لكي تستطيع الدولة العراقية واللبنانية الخروج من هذا المأزق وبسط قوتهما الحقيقية، فإنهما بحاجة إلى “ثورة سيادية” تبدأ بفك الارتباط العضوي بين الأحزاب السياسية والأجنحة العسكرية والخارج. الحل يتطلب شجاعة في تعديل الدساتير والقوانين لتجريم أي نشاط مسلح خارج إطار وزارة الدفاع والداخلية، مع ضرورة تبني نموذج “الحزم القانوني” السوري في التعامل مع الجيوب المتمردة كعصابات إجرامية لا كأطراف حوار.
إن حصر السلاح يتطلب أيضاً بناء عقيدة عسكرية وطنية خالصة، وتوفير بدائل اقتصادية واجتماعية للمنخرطين في هذه الفصائل لدمجهم في الحياة المدنية أو العسكرية الرسمية، كما أن على المجتمع الدولي الكف عن التعامل مع “الكيانات الموازية” ودعم المؤسسات الشرعية حصراً، مع فرض عقوبات صارمة على الجهات التي تمول وتسلح هذه الميليشيات.
في الختام، إن استطاعت الحكومتان في بغداد وبيروت فرض سيطرتهما الكاملة وتفكيك منظومة الميليشيات، فإننا سنشهد ولادة “مشرق عربي” جديد ومستقر. سيتحول العراق من ساحة للوكلاء إلى قطب اقتصادي يربط قارات العالم، وستستعيد بيروت دورها كمنارة ثقافية واقتصادية بعد تحررها من قيود السلاح.