لا تبدو الأزمة الإيرانية اليوم مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية، بل أصبحت أزمة أجيال أيضاً. فخلف العناوين المرتبطة بالمفاوضات والعقوبات والصراعات داخل السلطة، يتشكل تحول اجتماعي عميق يتمثل في اتساع الفجوة بين الأجيال الجديدة والنظام الحاكم، وفي تراجع قدرة الخطاب الرسمي على التأثير في شرائح واسعة من الشباب الإيراني.
وتشير النقاشات التي تعكسها الصحف الإيرانية إلى أن جيل الشباب، وخصوصاً ما يُعرف بـ”الجيل زد”، بات يشكل تحدياً متزايداً أمام المؤسسات الرسمية. فهذا الجيل نشأ في بيئة مختلفة عن الأجيال السابقة؛ بيئة تتسم بالاتصال المستمر بالعالم الخارجي، والانفتاح على مصادر متنوعة للمعلومات، والقدرة على مقارنة الواقع الإيراني بما يجري في دول أخرى. ولهذا لم تعد الأدوات التقليدية في التعبئة والإقناع قادرة على تحقيق النتائج نفسها التي كانت تحققها في الماضي.
وتزداد أهمية هذه المسألة بسبب الطبيعة الديمغرافية للمجتمع الإيراني. فالشباب يشكلون نسبة كبيرة من السكان، كما أنهم الأكثر تأثراً بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فالبطالة، وصعوبة الحصول على السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الاستقرار، كلها عوامل تدفع قطاعات واسعة منهم إلى الشعور بالإحباط والقلق تجاه المستقبل.
لكن التحدي لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط. فالكثير من الشباب الإيرانيين باتوا ينظرون إلى القضايا المرتبطة بالحريات الفردية والحقوق المدنية والفرص الاجتماعية باعتبارها جزءاً أساسياً من تطلعاتهم. ولهذا فإن الفجوة بين المجتمع الشاب والخطاب الرسمي لا ترتبط فقط بالمطالب المعيشية، بل تمتد إلى الرؤية العامة لمستقبل البلاد وطبيعة الحياة التي يريدونها.
وتكشف بعض الدراسات والقراءات الاجتماعية المنشورة في الصحف الإيرانية عن تراجع واضح في مؤشرات الثقة والتفاؤل لدى قطاعات من الشباب. فبعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية والانقطاعات المتكررة للإنترنت والقيود المختلفة، أصبح كثيرون يشعرون بأن فرص التغيير داخل الإطار القائم محدودة للغاية. وهذا ما يفسر تنامي الرغبة في الهجرة لدى فئات واسعة من الكفاءات والطلاب والخريجين.
وفي الوقت نفسه، تواجه السلطة تحدياً يتعلق بما يسمى “التماسك الاجتماعي” أو “القدرة على التحمل”. فكلما ازدادت الضغوط الاقتصادية والمعيشية، تراجعت قدرة المجتمع على استيعاب الأزمات المتلاحقة. ومع تراكم المشكلات، يصبح أي حدث جديد قادراً على إثارة موجات واسعة من التذمر والاحتجاج.
ولعل ما يثير قلق دوائر الحكم أكثر من أي شيء آخر هو أن الأجيال الجديدة لا تحمل الذاكرة السياسية نفسها التي كانت تؤثر في الأجيال السابقة. فهي تقيم الواقع من خلال تجربتها المباشرة، ومن خلال فرص العمل والدخل والحريات ونوعية الحياة. ولهذا فإن الخطاب القائم على استحضار الماضي أو التهديد بالمخاطر الخارجية لم يعد يملك التأثير ذاته لدى قطاعات واسعة من الشباب.
ومن جهة أخرى، لعبت الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في تشكيل وعي سياسي جديد لدى الأجيال الشابة. فقد اكتسب كثير من الشباب خبرات سياسية واجتماعية مختلفة، وأصبحوا أكثر استعداداً للتعبير عن مطالبهم بصورة مباشرة، سواء عبر الفضاء الرقمي أو عبر أشكال الاحتجاج المختلفة.
كما أن استمرار نشاط وحدات المقاومة وحركات الاحتجاج المدنية والاجتماعية ساهم في إبقاء فكرة التغيير حاضرة داخل المجتمع، وخصوصاً بين الشباب الذين يبحثون عن بديل للأوضاع القائمة. فكلما ازدادت الأزمات وتعمقت الفجوة بين السلطة والمجتمع، ازدادت أهمية القوى القادرة على تقديم رؤية مختلفة للمستقبل.
وفي المحصلة، تكشف التطورات الراهنة أن النظام الإيراني لا يواجه فقط أزمة اقتصادية أو سياسية، بل يواجه أزمة ثقة متنامية مع جيل كامل من الشباب. وهذا الجيل، الذي يعيش تحت وطأة الأزمات اليومية، لا يبحث فقط عن حلول مؤقتة لمشكلاته المعيشية، بل يبحث عن أفق جديد ومستقبل مختلف.
ولهذا فإن السؤال الأهم في إيران اليوم لم يعد متعلقاً فقط بالمفاوضات أو العقوبات أو الصراعات الداخلية، بل يتعلق أيضاً بقدرة النظام على التعامل مع جيل جديد يحمل قيماً وتطلعات وأسئلة تختلف جذرياً عن تلك التي حكمت المجتمع الإيراني خلال العقود الماضية.
المصدر الصحف الإيرانية