بيروت- صعّدت وسائل إعلام إيرانية محافظة انتقاداتها للرئيس اللبناني جوزيف عون، عقب تصريحات اتهم فيها إيران باستخدام لبنان كورقة في حساباتها الإقليمية، ما فتح فصلاً جديدا من التوتر الإعلامي والسياسي بين بيروت وطهران.
وأفردت صحف إيرانية بارزة تغطيات واسعة للرد على تصريحات عون، حيث اتهمته بتبني مواقف تتوافق مع الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية تجاه إيران وحزب الله، كما دافعت عن دور الحزب في المشهد اللبناني واعتبرته جزءا أساسيا من منظومة الردع والدفاع في البلاد.
وأثار مقال نشرته صحيفة “فرهيختغان” الإيرانية موجة عارمة من الجدل السياسي والإعلامي، بعد توجيهها انتقادات حادة وهجوما مباشرا على الرئيس اللبناني.
وتناولت الصحيفة تصريحات عون بنبرة ساخرة، معتبرة أنه وجّه انتقادات إلى طهران خلال المقابلة، وقدّمته بصورة تهكمية على أنه “مدير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بيروت”.
وتُعد “فرهيختغان” صحيفة يومية إيرانية تصدر في العاصمة طهران، وتُصنّف ضمن وسائل الإعلام المحسوبة على التيار الأصولي المحافظ، ما يعكس طبيعة الموقف السياسي الذي عبّرت عنه في تعليقها على تصريحات الرئيس اللبناني.
واعتبرت أوساط مراقبة هذا الهجوم بمثابة حملة منسقة تهدف إلى الضغط السياسي على الرئاسة اللبنانية، خاصة بعد المواقف الأخيرة التي أطلقها الرئيس بشأن السيادة الوطنية والقرارات الإقليمية.
جاء هذا التصعيد الإعلامي الإيراني كرد فعل مباشر على تصريحات علنية انتقد فيها الرئيس اللبناني التدخلات الخارجية في شؤون بلاده، معتبرا في مقابلة مع شبكة “سي.إن.إن” أن استخدام الساحة اللبنانية كـ”ورقة مساومة” يضر بالمصالح الوطنية العليا.
ولم يقتصر الرد على المنصات الصحفية التابعة للمحافظين في طهران، بل تزامن مع تصريحات رسمية من وزارة الخارجية الإيرانية تعكس استياءً واضحا من المسار السياسي الحالي في بيروت.
في المقابل قوبل الهجوم الإيراني بإدانات واسعة داخل لبنان من قِبل قوى سياسية وشعبية رأت في لغة الصحيفة مساسا بكرامة الرئاسة اللبنانية وسيادة الدولة.
وأعادت هذه الحادثة فتح النقاش حول حدود النفوذ الإقليمي في لبنان، وسط تحذيرات من انعكاس هذه التوترات الإعلامية على الاستقرار السياسي الداخلي والعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
تُحلل التقارير الإعلامية الهجوم المنسق للصحافة المحافظة في طهران، ولاسيما استخدامها للغة التخوين الساخرة، كأداة ضغط سياسي تهدف مباشرة إلى إضعاف الموقف التفاوضي لعون؛ حيث تسعى هذه الحملات الإيرانية إلى تقويض هيبة موقع الرئاسة اللبنانية محليا ودوليا، وتصوير العهد الجديد كطرف غير محايد، وهو ما يقلل من قدرته على فرض شروطه في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بسيادة لبنان وترسيم توازناته الداخلية.
وفي البُعد الإستراتيجي يهدف هذا الهجوم الإعلامي العنيف إلى فرض قيود وضغوط غير مباشرة على محاولات الرئيس عون الرامية إلى بسط سلطة الدولة الشرعية وحصر السلاح في يد المؤسسات العسكرية الرسمية؛ إذ تحاول طهران من خلال هذا التصعيد وضع خطوط حمراء افتراضية أمام العهد الجديد، لمنعه من اتخاذ قرارات سيادية جريئة قد تؤدي إلى تفكيك الدويلة أو إنهاء المظاهر المسلحة غير الشرعية التي دامت لعقود.
ويُنظر إلى هذه الحملة الممنهجة كرسالة تحذيرية شديدة اللهجة من مغبة المضي قدما في تغيير التوازنات العسكرية والأمنية التقليدية في جنوب لبنان، خاصة بعد اتفاقات وقف إطلاق النار؛ وتريد إيران التأكيد على أن أي محاولة لتعديل قواعد الاشتباك لصالح الجيش اللبناني وحده، أو إقصاء نفوذ حلفائها هناك، ستجابه بضغط سياسي وإعلامي حاد، مما يضع قدرة العهد على التغيير في اختبار حقيقي أمام الإملاءات الإقليمية.