ترجمة وتقديم: عماد فؤاد.. ضفة ثالثة
تقديم
بعد عامين كاملين من صدور كتابه الأخير “سكين” (2024)، والذي كتبه بعد نجاته بأعجوبة من محاولة اغتياله الشهيرة في نيويورك عام 2022، يعود الكاتب البريطاني ذو الأصل الهندي سلمان رشدي من جديد إلى الكتابة الإبداعية، حيث صدرت مؤخرًا مجموعته القصصية الجديدة “الساعة الحادية عشرة” في عدد من اللغات الأوروبية، من بينها الفرنسية والألمانية والهولندية. وقد ظهر رشدي في عدد من وسائل الإعلام الأوروبية للترويج لكتابه الجديد.
تأتي المجموعة الأحدث للكاتب البالغ من العمر 78 عامًا لتكون أول كتاب إبداعي يكتبه بعد أربع سنوات من الهجوم عليه بالسكين، والذي كلفه ضياع إحدى عينيه وشهورًا طويلة من النقاهة. تضم المجموعة الجديدة خمس قصص قصيرة عن الأشباح، وروابط صداقة تمتد من بومباي إلى حرم جامعة أكسفورد. ويوضح رشدي في لقائه الإذاعي: “تجدون قصصًا هندية وإنكليزية وأميركية، وكأنها صورة مصغرة لحياتي ككاتب”. ويحيل عنوان المجموعة إلى تعبير مفاده “ما يمكن فعله قبل اللحظات الأخيرة”، ومن بين الموضوعات التي تتخلل هذه القصص القصيرة تجربتي الشيخوخة والموت. وقد أعرب رشدي عن سعادته بالعودة إلى الكتابة عبر إذاعة “فرانس إنتر” قائلًا: “لقد عدت مرة أخرى الراوي الذي كنت عليه”.
كما أعرب سلمان رشدي عن أن وفاة علي خامنئي مؤخرًا لا تشكل مشكلة. ولكنه في المقابل يجد أن: “ما تفعله أميركا منذ سنوات هو المشكلة الأكبر، لأننا الآن في وضع فوضوي لم يتم التفكير فيه بوضوح”.
كان رشدي قد تعرض لمحاولة اغتيال بالسكين في 12 أغسطس/ آب 2022 على يد الأميركي- اللبناني هادي مطر، بينما كان يستعد لإلقاء كلمة في مؤتمر بولاية نيويورك. وأسفر الاعتداء عن إصابة رشدي بـ 17 طعنة في الصدر والعنق والعين، وحكمت المحكمة الأميركية على المعتدي بالسجن لمدة 25 عامًا، وهي العقوبة القصوى، بعد إدانته بتهمتي الشروع في القتل والاعتداء.
احتفى الكاتب والناقد البلجيكي فيليب روجرز على صفحات “ده ستاندارد”، كبرى الصحف البلجيكيّة، بالكاتب عبر إجراء هذا اللقاء الطويل معه.
| “الساعة الحادية عشرة” و”سكين” |
“استغرق الأمر 6 أشهر بعد الهجوم عليَّ، قبل أن أشعر بالرّغبة في الجلوس خلف هذه الطاولة من جديد”.
هنا صومعة الكتابة الخاصة بالكاتب البريطاني ذو الأصول الهندية سلمان رشدي في مدينة نيويورك. أراني الغرفة عبر شاشة “Zoom” لأتمكّن من تخيّل محتوياتها من مكاني في بروكسل، تبدو صغيرة ومريحة ومعتمة؛ لا أرى أيّ نوافذ. هناك عدد من أرفف الكتب تظهر مكدّسة خلفه، ليست بالقليلة ولا بالكثيرة. يبدو أن الكُتَّاب عندما يكتبون لا يقبلون إلّا بوجود أفضل الكتب جوارهم.
الكتابة! هل كان الأمر بهذه السهولة؟
لا أعتقد ذلك، فبعد محاولة الاغتيال التي نجا منها رشدي بمعجزة حقيقيّة، وقع في حيرة من أمره بخصوص المشاريع التي كان يعمل عليها قبل الحادث، يقول: “لأوّل مرّة منذ خمسين عامًا أجدني في حيرة من أمري فيما يخصّ الكتابة، وتساءلت: كيف سأواصل العمل على مشاريعي السابقة، وأتجاهل محاولة الاغتيال كأنّها لم تكن؟ كانت آخر رواية لي هي “مدينة النصر” (صدرت منتصف 2023، بعد ستّة أشهر من محاولة الاغتيال في نيويورك)، وكان هناك الكثير من الملاحظات والأجزاء غير المكتملة لكتب أخرى ومشاريع محتملة على جهاز الكمبيوتر الخاص بي، لكن لم يكن من المنطقي أن أبدأ شيئًا جديدًا بدون الحديث عن محاولة الاغتيال اللعينة، فلو كتبت أيّ شيء آخر متجاهلًا إياها سيعتقد الناس أني جننت، حسنًا، محاولة الاغتيال إذًا! ولكن كيف أكتب عن هكذا حدث كنت فيه بين الحياة والموت؟ هذا هو السؤال الأصعب بالنسبة لأيّ كاتب، بمجرد تخطّي هذا السؤال ستبدأ الكتابة، كان بإمكاني مَلء 10 صفحات وربّما 30 لو تحدّثت عن فترة التّعافي التي أعقبت النجاة، ولكن يبقى السؤال الرئيس قائمًا بعد كل ذلك: ثمّ ماذا؟”.
أخيرًا جلس سلمان رشدي مرّة أخرى. وقال ساخرًا وهو يشير إلى ذراعه الأيسر: “أرأيت، لقد خدعت نفسي للتوّ، وقلت أكتب“! وارتفعت ضحكته عاليًا.
هذا صحيح! ذلك لأنّ رشدي بعد نجاته من محاولة الاغتيال صباح 12 أغسطس/ آب 2022، فقد التحكّم في أطراف يده اليسرى، بعد أن نال 17 طعنة في القفص الصدري والوجه والعنق خلال مدّة الهجوم عليه، والتي استمرت 27 ثانية، إلى درجة أن صدره صار “يشبه خريطة مترو الأنفاق” كما قال مازحًا، قبل أن تعود ابتسامته الهادئة إلى شفتيه، لتظهر أنّه فقد التحكّم قليلًا في الجانب الأيمن من وجهه، بفقدان عينه اليمنى أيضًا.
يستأنف رشدي حديثه فيقول: ثمّ بعد تردّد طويل، بدأت كتابة ما يشبه الرسالة إلى نفسي. كنت أريد أن أكتب إحساسي الحقيقي في أثناء الهجوم عليّ، عن هذه اللحظات السريعة التي كنت فيها بين الحياة والموت.
(*) أعتقد أن عملك “سكين” هو أكثر أعمالك قربًا إلى شخصيتك، والأكثر ضرورة في الوقت نفسه، أليس كذلك؟
لقد كنت في الحقيقة بحاجة إلى هذا الكتاب للعودة إلى الحياة من جديد، كان عليّ أن أستعيد السيطرة على السردية التي أحاطت بالحادث، والتي لم أتمكّن من تحمّلها كلّ هذه الشهور، وصدقني حين أقول إنني شعرت بالارتياح بعد الكتابة.
(*) هل تقصد أنّك شعرت بالتّحرّر؟ هل لا تزال هذه الكلمة تعني لك نفس ما كانت عليه قبل الهجوم؟
سؤال جيّد، لكنّه لا يعني أنّني لم أكن حرًّا قبل الهجوم عليّ، لقد انتقلت من لندن إلى نيويورك منذ عام 2000، أي ما يربو على الربع قرن الآن، وعشت هناك حياة عادية إلى حدّ ما، مملّة إلى حدّ ما، حياة رتيبة تتوزّع بين العمل والأصدقاء، ألقيت محاضرات ونشرت كتبًا وشاركت في مهرجانات، ولم يكن هناك أدنى مؤشّر إلى وجود أيّ خطر يحيق بي، فقط حين فكّرت أنني نجوت من الخطر أخيرًا، حدثت محاولة الاغتيال المشؤومة! أحيانًا أقول: لو كان هناك حدّ أدنى من الأمن في قاعة معهد تشاوتاوكاوا، حيث وقع الهجوم عليَّ في ذلك اليوم، لما حدث شيء، ما زلت أراه يقترب مني بتلك الخطوات السريعة، أربع أو خمس خطوات، متجهًا إليَّ من المكان الوحيد الذي يمكن لأيّ شخص يريد إيذائي أن يدخل من خلاله إلى القاعة، لو كانت هناك أيّة حماية من أي نوع، لم أكن لأصاب بخدش!
| القبض على الشاب الذي هاجم سلمان رشدي في نيويورك في آب/ أغسطس 2022 ونقل رشدي بطائرة الإسعاف بعد الاعتداء عليه |
(*) تبدأ “سكّين” باقتباس من صموئيل بيكيت يقول: “نحن مختلفون، لم نعد كما كنّا قبل كارثة الأمس”. هل أصبحت أكثر تفاؤلًا تجاه الطبيعة البشرية بعد الحادث أم العكس؟
إحدى مشكلاتي أنّني كنت دائمًا متفائلًا. أصدقائي يسخرون من تفاؤلي هذا على أيّة حال، قد يكون الوضع الذي نحياه اليوم ميئوسًا منه بالفعل، وكلمة “يأس” هي أقلّ ما يمكن قوله عن راهننا السياسي العالمي في الحقيقة، لكنّني سأظلّ دائمًا آمل في الأفضل، وأعتقد أن إيماني هذا ساهم بالتأكيد في بقائي على قيد الحياة.
(*) هل هذا التفاؤل الذي تتحدّث عنه هو السرّ في طغيان حسّ السخرية، الذي سرعان ما يتحوّل إلى كوميديا سوداء في عملك الأخير “سكين”، رغم المأساة التي يتناولها، وكذلك في قصص مجموعتك الجديدة “الساعة الحادية عشرة”؟
السخرية هنا هي صوتي ككاتب، الفكاهة تشفي وتربط بين الناس، لأنها تجعلهم يتشاركون الضحك، أليس كذلك؟ إنها تجعل الناس أقرب، هذه القدرة الهائلة على السخرية لن تجدها عند المتعصّبين، مفقودة تمامًا، لا أعرف كيف يبدو المتعصّب مرحًا. هل سنسمّيه “متعصّب مضحك”؟ هذا تناقض في المصطلحات!
(*) بالمناسبة، كيف تتعامل اليوم مع تطبيقات الأجهزة الذكية والسوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي؟
أتصرف وكأن الذكاء الاصطناعي غير موجود في الواقع، فليست لديّ هذه التطبيقات على هاتفي، ولا أستخدم ChatGPT، ولا أملك أي شيء من هذا القبيل، لا أشعر بالتهديد من التقنيات التوليدية الجديدة. أولًا لأن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى حس الفكاهة، وثانيًا إلى الأصالة، لأنه يمتص كمية هائلة من المعلومات ثم يعيد إنتاج نسخة منها.
(*) ألا ترى أن كلّ شيء أصبح أكثر وضوحًا أمام عينيك بعد محاولة الاغتيال؟ فها أنت تقول في “سكين”: “هناك نوعان من الأشخاص: أولئك الذين يقتلون كهلًا غريبًا عندما يُطلب منهم ذلك، وأولئك الذين يساعدون ذلك الكهل على الوقوف على قدميه مرّة أخرى، بدون أن يُطلب منهم ذلك”.
أليست الطبيعة البشرية في الأصل هي محور الفنّ الرّوائي كله؟ إذا كرّست حياتك كلّها لذلك، سيكون لديك الوقت للتفكير في الأمر، في تلك اللحظة الدرامية، مستلقيًا وغارقًا في دمي، رأيت أفضل وأسوأ ما في البشرية، وأكثرها شرًا وكراهية في الآن عينه، لقد كانت تجربة عميقة للغاية، وما تعلّمته منها هو ما حاولت كتابته في “سكّين”. شيء آخر لاحظته بعد محاولة الاغتيال، هو أنني وجدت أن كلمة مثل “الإرادة الحرّة” اختلف معناها تمامًا لديَّ عمّا كان عليه من قبل، ذلك ببساطة لأنّ حياتك حين تصبح على المحكّ، فليس هناك أي شيء من الخصوصية أو الاستقلالية لنفسك أو لجسدك، في هذه التجربة سلّمت نفسي وجسدي للآخرين، في أي وقت من النهار أو الليل كنت أجد أشخاصًا يدخلون ويغادرون غرفتي، منهم من يسحب عيّنات من دمي، ومنهم من يقيس الضغط، وآخرون يراقبون ما يسمّونه “العلامات الحيوية” للجسد، وغيرهم ينصحونني بضبط وتنظيم أمعائي! لقد كانت سلسلة طويلة من الإهانات الصغيرة، نحن نعتبر أجسادنا جزءًا منّا سواء كنّا أصحاء أو مرضى، لكن في المستشفى، جسدك ليس ملكًا لك، بل لآخرين، وعليك فقط أن تكون ممتنًا لهم، لأنّهم يعملون لأجل إبقائك حيًا.
(*) لطالما كانت أعمالك الروائية وليمة للخيال والإبداع طوال سنوات، كتبت خلالها عن القوّة الهائلة للشِّعر والجمال والفنّ ضدّ قوى الظلام والتعصّب الديني والسياسي، لكن في مجموعتك الجديدة نجد فضحًا لفكرة هشاشتنا في مواجهة الموت، وقوّتنا أمامه أيضًا. هل كانت العودة إلى الكتابة الإبداعية بعد “سكّين” سهلة؟
استغرقت رحلة عودتي للكتابة ما يقرب من الشهور الخمسة من الحوار الداخلي الدائم، وكما أخبرتك في البداية، لقد كنت بعيدًا عن هذه الطاولة كل هذا الوقت، إلى أن وقفت في لحظة ما أمام نفسي ووجدتني أفكّر أنه من الغريب فعلًا أنني منذ 50 عامًا وأنا أكتب عن العجائب والمعجزات، في الوقت الذي أعتقد فيه أنني رجل عاقل (يضحك).
(*) ألم تؤمن بالمعجزات بعد، رغم أن نجاتك بحدّ ذاتها كانت معجزة؟
لقد كانت بالتأكيد معجزة، ولكنها معجزة علوم الطب، وهذا شيء يجعلني ممتلئًا بالامتنان والعرفان. لا أعرف شيئًا عن الطبّ، لكن قيل لي إن بعض التقنيات التي أنقذت حياتي لم تكن متاحة قبل خمس أو عشر سنوات، إذًا فهذه أيضًا معجزة! (يفكّر) لقد حدث الكثير ممّا لم أكن أعتقد أنّه ممكن في ظلّ الظروف العادية، قبل يومين من الهجوم كان لديّ شعور بأن شيئًا ما سيحدث، حسنًا، أعتقد أنّني قد أضّطر إلى التفكير في بعض الأشياء! (يضحك).
(*) ألم يرد على ذهنك يومًا خلال فترة النقاهة السؤال الذي يطرحه هارون على نفسه في كتابك “هارون وبحر القصص” حين يقول: “ما فائدة القصص التي ليست حقيقية أصلًا”؟
أعتقد أن هذه واحدة من أعمق الجمل التي كتبتها خلال نصف قرن، تقول الشخصية في “مدينة النصر” أيضًا أنه لن يبقى منّا سوى القصص، تأتي الحكومات وتذهب، وتنشأ الإمبراطوريات وتسقط، ولكن في نهاية المطاف، تظلّ الطريقة التي تؤرّخ للأحداث هي التي تحدّد بقاءها أم زوالها، مثلًا عندما أقول: “حملة نابليون الرّوسية”، فماذا يرد في ذهنك؟
(*) رواية “الحرب والسلام” لتولستوي؟
بالضّبط. لقد امتلك تولستوي القدرة على تخليد هذا التاريخ من خلال قوّة روايته، عندما كنت رئيسًا لمنظمة القلم الدّولية، كنت أقول دائمًا إن الأدب قوي وربما خالد، لكن الكتَّاب ضعفاء، وبالتالي يحتاجون إلى الحماية، لم يكن لدى غارسيا لوركا أيّ دفاع ضدّ الكتائبيّين الذين جاؤوا لقتله، لكن شعره نجا من فاشية فرانكو، أو فكّر فقط في كلّ هؤلاء الكتّاب الذين حاول الاتحاد السوفياتي إسكاتهم على مدار تاريخه الطويل، لم يكن من الممكن نشر كتاب ميخائيل بولغاكوف “المعلم ومارغريتا” (1966) في عصره، واليوم لا يزال هذا الكتاب حيًّا، في حين أن الاتحاد السوفياتي لم يعد موجودًا.
(*) في “سكّين” يريد أحد أبنائك أيضًا أن يتحدّث عن دونالد ترامب، فتكتب: “لقد كنّا نتحدّث عن ترامب لفترة طويلة، والآن يعود هذا الكابوس”! هل يمكن أن تكون قد بدأت في تقدير ما هو شخصي على حساب العام أكثر من ذي قبل؟
بطريقة ما، نعم، لم أتمكّن أبدًا من تأليف كتاب يصف فقط الحياة الشخصية لشخصياتي، دائمًا ما تخترق تلك القصص الأحداث الواقعية والتاريخية التي نحياها، أو بكلمة أخرى: التاريخ. ولكن هذا هو العالم الذي نحيا فيه. كتبت جين أوستن جميع كتبها خلال الحروب النابليونيّة، لكنّك لن تجد أثرًا لهذه الحروب في أعمالها. نُشرت روايتها “كبرياء وهوى” في عام 1812، ومع ذلك لم ترد أيّ إشارة إلى الحرب الهائلة التي تتورّط فيها بلادها! هذا لأنه في ذلك الوقت كان بإمكانك بالفعل أن تعيش حياتك الخاصة بدون أن تدخل في صراعات العالم المحيطة بك، وهو ما لم يعد ممكنًا اليوم. يتدفّق العالم إلى غرف معيشتنا في وابل متواصل من خلال أجهزة التلفزيون والهواتف. لقد بدا لي هذا التطوّر التكنولوجي دائمًا غير صادق، زائف، مثله مثل أن أترك العالم الخارجي بعيدًا عن كتابتي! هل تشعر بالرغبة اليوم في قراءة كتاب عن زوجين عاشقين يتنزّهان على ضفاف نهر بينما العالم يحترق؟ هذا يبدو مثل الواقعية السحريّة بالنسبة لي!
| سلمان رشدي وزوجته عقب شفائه |
(*) صحيح، لذلك قلتُ للتوّ إن “سكّين” ليست مجرد مذكّرات أو تقرير بقدر ما هي سردية محبّة خالصة.
أرجو ذلك، لكن حكاية هذا الكتاب كانت موجودة بالفعل قبل الهجوم، لقد بدأت التفكير في شكل هذا الكتاب منذ سبعة أعوام أو أكثر، حتى لحظة الاغتيال التي كادت أن تقطع ذلك الخيط، لكن ها أنا أمامك، لم أمت بعد كما ترى… ولن أتعافى أبدًا كما تلاحظ. لذلك تمكنت من التقاط خيط السرد من جديد رغم كل الصعاب.
(*) تحدّثنا لمدة ساعة كاملة ولم يتم ذكر اسم “الآيات الشيطانية” أو موضوع الدين بعد، هل تريد قول شيء هنا؟
أعتقد أن نُبقي الحال كما هو. أقول دائمًا للأشخاص الذين لم يقرأوا أيّ شيء من كتبي بعد: “من فضلكم لا تقرأوا هذا الكتاب، لأن هناك الكثير من الضجة حوله، اقرأوا ’هارون وبحر القصص’ أو ’أطفال منتصف الليل’ أو ’مدينة النصر’، ففي هذه الكتب سيتعرّفون عليّ ككاتب، هناك كتب عزيزة جدًا عليّ ولم يتم الحديث عنها كثيرًا، ’الغضب’ على سبيل المثال، صدر هذا الكتاب يوم 11 سبتمبر الشهير، حين كان هناك شيء يمكن القيام به تجاه ما يحدث في العالم، واليوم، ها هو كتاب ’الغضب’ يعود ليصبح الأكثر قراءة من قبل الشباب في أميركا، وكذلك ’الأرض تحت قدميها’”.
(*) لا يزال هناك السؤال عن الدين، حسنًا، ليكن عن السياسة؛ هل تعرف أن أحزاب اليمين المتطرفة في أوروبا بشكل عام ينظرون إليك بتقدير كبير باعتبارك رمزًا لحريّة التعبير، ضدّ كلّ ما له علاقة بالإسلام؟
(يتنهد) أنت لا تختار دائمًا “المدافعين” عنك، ليس لديّ أيّة علاقة بخطاب هؤلاء، لقد جئت من عائلة هندية مسلمة، لم يكن والداي متدينين، لكن اثنتين من أخواتي الثلاث كانتا كذلك. أقدّر أن نصف عائلتي مسلمون بإخلاص، إنها عائلتي ولن أسمح لأيّ متعصّب يميني أن يهينها، في الواقع، لا أريد الخوض في هذا الأمر، فقط اصنع لي معروفًا، ووضّح ذلك في صحيفتك، حتى تطرب آذان جميع الأحزاب اليمينية المتطرفّة: أقول لهم: أنا لست صديقكم، ولن أكون. أعيش في الولايات المتحدة منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأرى أن البلاد يحكمها طفل، طفل يعاني من زيادة الوزن، لكنه طفل. لذلك أنا ضد استغلال حرية التعبير من قبل اليمين لجعلها تعبّر عن عكس ما يتمناه مناصريهم. ما نلاحظه في إدارة ترامب هو الهجوم الشديد ضد من يختلفون معها، سواء كانوا صحافيين أو وسائل إعلام، أو حتى كوميديين على شاشات التلفزيون أو في الجامعات.
(*) بعد محاولة اغتيالك تلقّيت العديد من رسائل الدّعم والمساندة من دول العالم ورؤسائها، ومن بينها رسائل من جو بايدن وإيمانويل ماكرون وغيرهما، من المؤكد أن هذه الرسائل كانت صادقة، لكن ألا ترى أنها تخدم أيضًا أغراضًا سياسية؟
أستطيع أن أؤكّد لك: عندما تكون على جهاز التنفس الصناعي، لا يكون هناك أيّ شيء آخر في ذهنك، لا سياسة أو غيرها. لم يكن من المؤكّد بعد أنني سأنجو، كنت بالضبط على الحافة بين الحياة والموت، وفي هذه الحالة لا يملك المرء إلا أن يقدّر كلّ كلمة طيّبة.
(*) أخيرًا، وقد يكون هذا سؤالًا غير دقيق إلى حدّ ما، لكنني سأطرحه على أية حال: هل تعتقد أنه كان سيتم إنقاذك بكل هذه الرعاية الفائقة لو لم تكن سلمان رشدي؟ هل كان من الممكن استخدام مثل هذه الأجهزة الطبّية المتطوّرة، ومنها البطارية الطبّية التي أنقذت حياتك، لإنقاذ حياة شخص عادي؟
آمل أن يكون الأطبّاء أوفياء كفاية لمهنتهم ويحاولون إنقاذ حياة الجميع بذات الإخلاص والتفاني، ولو لم أكن سلمان رشدي، لما كنت جالسًا هناك على تلك المنصّة ولما كنت هدفًا لمحاولة اغتيال! أليس هذا منطقيًّا؟
(*) منطقي بالطبع!
لقد حدثت أشياء كثيرة لا تصدق، حظ صرف، فكما تعلم، لولا أن الطقس كان مشمسًا وهادئًا في ذلك اليوم، لما استطاعت الطائرة المروحية التي أقّلتني إلى المستشفى أن تهبط بالقرب من الباب الذي كنت أنزف خلفه حتى الموت، ولم أكن لأتواجد هنا بعد الآن. لكنني رغم هذا كله، فقد أنهيت مؤخرًا عملًا طويلًا إلى حد ما عن رواية “كانديد أو التفاؤل” لفولتير، آمل أن يُنشر قريبًا، لأنني أكن تقديرًا كبيرًا لهذا العمل الذي لا زلت أحتفظ بنسخته ذاتها التي قرأتها في المدرسة حين كنت في الخامسة عشرة من عمري. بعد أكثر من 250 عامًا على صدوره، لا يزال لدى هذا الكتاب الكثير ليقوله لنا اليوم.