الصديقة التي أدماني رحيلها في 17/3/2026: الدكتورة هالة أحمد فؤاد، تكرمت بإهدائي كتاب “النقد البيئي ونظرية الأدب: دراسة في نماذج روائية عربية معاصرة”، من تأليف عبير جودت عبد الحافظ.
كان ذلك قبل الرحيل الفاجع بسنة. وهالة هي صديقة، فزوجة الكبير جابر عصفور. وكنت قد رافقت مسيرة هالة العلمية منذ أهلّ القرن الواحد والعشرون، وبخاصة بعدما أقرأتني الكتابة الأولى لدراستها رواية نجيب محفوظ “الطريق”، والتي ستصدر في كتاب مع دراسة لرواية “الحرافيش”. أما إعدادها، فكتابتها عن أبي حيان التوحيدي، فحديث شجي وثري آخر، ويطول. وقد أسفر مشروعها هذا عن كتابين: “التوحيدي: الغفلة الانتباه”، و”المثقف بين السلطة والعامة: نموذج القرن الرابع الهجري ــ أبو حيان التوحيدي”.
تأخرت في قراءة كتاب “النقد البيئي ونظرية الأدب…”. وعندما أنجزتها أرسلت إلى هالة نسخة إلكترونية من روايتي “مجاز العشق”، والتي كانت قد صدرت عام 1998. وسرعان ما ردت برسالة مطولة، منها أنها كانت قد بدأت بقراءة الرواية من مكتبة جابر قبل ربع قرن، ولأمر ما لم تكمل القراءة يومئذٍ. ولأنها سيدة النباهة واليقظة كتبت أنها وقد أكملت القراءة هذه المرة، تصنف الرواية في ما بات يعرف بالروايات الخضراء، أو الروايات الإيكولوجية، وسألتني عما إذا لم يكن هذا ما جعلني أرسل النسخة الإلكترونية من الرواية، فرأيتني مكشوفًا، وخجلت مما قد يكون نرجسيةً، أو سذاجة. لكنّ ما تلا من رسالة هالة هوّن عليّ، إذ فصّلت في اشتغال الرواية على حرب المياه، وعلى السدود والأنهار والعطش والتصحّر…
وختمت الرسالة بهذا المقتطف من الرواية، وعَنْوَنته بـ “غزة ــ إيكولوجيا ــ رواية”:
“كان الواحد يحفر في غزة شبرين فتطلع الماء ما شاء الله: اليوم وبفضل ولاد عمنا دوْر على المواصي وما تدورْ: ما بقي مصدر للماء في غزة غير الخزان الجوفي: الاحتياطي الذي لا يتجدد سرقوه: الخوف اليوم من تسرب البحر إلى الخزان وخدوا ميّة مالحة: أما الحل اليهودي: مثلكم مثل الضفة: لا تضخوا زيادة: فتشوا عن مصدر خارجي: استوردوا من اليرموك، من الليطاني، من النيل، من تركيا: سنغافورة كلها أربعماية وخمسين كيلومتر مربع، وفيها بقدر ما في غزة مرتين وثلاثة: فيها مليونين ونص: سنغافورة تشتري مياهها من دولة جوهر التابعة لماليزيا: هونغ كونغ يا دوب ثمانية وسبعين كيلومتر مربع، وفيها ضعفكم مرة واتنين وثلاثة: نصف مياهها تشتريه من الصين بالأنابيب: وحياتك يا فؤاد كنت أتذكر روايتك كلما سمعت بهذا الكلام: ’إسرائيل سرقت اللي فوق الأرض واللي تحت الأرض’”.
وختمت هالة رسالتها ممازحة، أو ساخرة: “اطلب من صاحبك فؤاد بطل الرواية، أو قل للكاتب أن يصحح مساحة وعدد سكان سنغافورة وهونغ كونغ، ولا تتعللا بتاريخ الإحصاء، أو كتابة الرواية.
أخيرًا، إيه حكاية النقطتين المتعامدتين؟ ما فيش علامات ترقيم غير دول؟ المهم أن تتابع الخط الإيكولوجي الذي في ’مجاز العشق’. ولأنك أيضًا ناقد، فالمهم أن تتابع هذا الخط ليس فقط في رواياتك القادمة، بل في روايات غيرك، وفي كتابات النقاد والمفكرين الآخرين”.
لأسباب كثيرة، وفيها ما هو هام جدًا، تأخرت في الأخذ بوصية هالة. وإذ أفعل اليوم فليس هذا سوى بداية، أستعيد فيها أولًا ما كنت قد قرأت لإبراهيم الكوني، أعني رواية “نزيف الحجر” (1992) فهي من الروايات العربية (الإيكولوجية) المبكرة، حيث رمح التخييل في الصحراء التي يتهددها التدمير، ومنه الصيد الذي جعل الضابط الأميركي يهدي قابيل سيارة لاند روفر لكي يلاحق الغزلان التي ستفر إلى الجبال طلبًا للنجاة. وكان الصيادان قابيل آدم، ومسعود الدباشي، قد صلبا (أسّوف) ونحراه لأنه لم يرشدهما إلى مواطن التيس الجبلي (الودّان) الذي تقدمه الرواية مقدسًا سماويًا وطوطمًا. وإذا كان الصياد قابيل يفاخر بأنه أكل الغزالة الأخيرة في الصحراء، فقد كان والد وسّوف مهووسًا بصيد الودّان، حتى إذا أنقذه الودّان من وقعته المميتة، عاهده على ألاّ يصطاد ودّانًا. لكن الأب نكث العهد، فماذا لو انتقم الودان؟
وهذه ميسلون هادي في روايتها “شاي العروس” (2010). تؤبن العراقَ الأخضر، عراق دجلة والنخيل الذي آل إلى قحط ويباس. فعبر شخصية محمود ورحلته من العمى إلى استعادة البصر تصور الرواية كيف تحولت “أرض السواد” إلى أرض الغبار، جرّاء الحرب. هل تذكرون اليورانيوم المخصب؟ وكذلك الديكتاتورية التي فتكت بالأهوار فتكًا. وخلاصة الشرين (الحرب والديكتاتورية) هي بتشوّه واختفاء أقراط النخيل وبساتين التين والعنب والرمان وكروم الزيتون. وفي مكتبتي الرقمية الآن ينتظر كتاب أحمد عبد الكريم رمضان “الوعي البيئي في روايات ميسلون هادي” (2025).
مع رواية “شاي العروس” كنت قد قرأت رواية صبحي فحماوي “الإسكندرية” (2050)، والتي صدرت عام 2009، وحفلت بالمشاهد المرعبة، مثل غرق الجزر الخفيضة في أندونيسيا والفلبين، وفي الدلتا المصرية أيضًا. وإذ يطير بنا التخييل (الخيال العلمي أم هذا الجديد: الخيال المناخي) إلى سنة 2050، كما في الحوار بين المهندس وابنه، أو حوار المهندس مع المرأة الآلية، فإنه يرمينا بنبوءاته الخرابية، مثل اختفاء حقول القطن والبقول والحبوب وبساتين الحمضيات والجوافة والمانجا. إنه الاحتباس الحراري الذي رفع منسوب مياه البحر فاختفت مناطق سياحية. وتتنبأ الرواية بشراء الصين ــ لماذا الصين؟ ــ لمنطقة البحيرة، وتجفيفها وإقامة مطار فيها.
من قراءاتي الجديدة حتى الآن، عملًا بوصية الدكتورة هالة، أنوّه برواية جوزيف بانيك “الحب في زمن الاحتباس الحراري”، بترجمة عمرو شطوري. والرواية هي الأولى لصاحبها التشيكي الذي قدم من علم الوراثة إلى الرواية. وتسرد الرواية مشاركة عالم تشيكي وفتاة هندية في مؤتمر علمي حول تبدلات المناخ، وتطور علاقتهما أثناءه، والصورة الكالحة التي ترتسم للمجتمعين المتباينين اللذين يواجهان ما يعصف بالعالم كله من ارتفاع درجات الحرارة، وما يترتب عليها من الأخطار.
لم أتفاعل مع الظلال السيرية لهذه الرواية، على العكس مما كان لي مع رواية المغربي إسماعيل غزالي “اشتباكات غابة الأرز” (2026)، ابتداءً من الظلال السيرية التي دفعت بالروائي التونسي كمال الرياحي إلى القول بالتخييل الذاتي في هذه الرواية.
ربما تركزت غواية هذه الرواية في شخصياتها المتفردة، وعلى رأسها القرد المكاك الذي يتقافز من أرزة إلى أرزة، ويتعرض إلى التعذيب على يد أحد الحلايقية الذين يشترون صغار قردة المكاكة من اللصوص الذين تتوزعهم شبكات اختصت بسرقة صغارها، وبيعها للحلايقية في ساحة جامع الفنا في مراكش، ولسواهم من الأجانب في سبتة وفي مليلة. وهذه هي العجوز الأمازيغية، والباحثة الدانماركية فلورانس، أستاذة تاريخ الفن التي شاهدت تعذيب الحلايقي للقرد المكاك. والأهم هو هذا الصحافي الذي يعمل في قناة تلفزيونية تكلفه بإنجاز فيلم وثائقي عن الشجرة المعمرة: الأرزة ذات القرون الثمانية، في غابة أزرو في جبال الأطلس.
من أسماء الأرزة المعمرة (أم غابة الأرز)، و(أرزة الجنرال غورو)، والجنرال غورو هو جدّ الباحثة فلورانس. ولست أدري ما هي حكاية الجنرال غورو مع الأرز، فهو من وضع عام 1920 صورة الأرزة وسط العلم اللبناني، فكان بذلك العلم اللبناني الأول الذي سيتم عام 1926 تثبيت الأرزة فيه في الدستور اللبناني، وستظل تتوسطه في العلم الحالي منذ عام 1943.
بالبوليسية تعري رواية “اشتباكات غابة الأرز” جرائم العصابات المنظمة التي تعمل ليلًا في (جزّ) أعناق غابة الأرز وتقطيعها. ومن أسف أن الإسمنت خنق جذور أم غابة الأرز، فأعلن موتها وإن تكن لا تزال واقفة حتى كتابة الرواية.
وإلى البوليسية تأتي تقنية اليوميات في الرواية “يوميات فلورانس ويوميات التشيكي جيلالي الغرباوي”. كذلك يأتي مشروع قاموس غابة الأرز، ورابطة أصدقاء المكاكة الأطلسي… فَحُقَّ للرواية أن يقول فيها كمال الرياحي: هي قاموس الغابة وفيلمها.
لست أدري إلى أين ستقودني وصية العزيزة الدكتورة هالة أحمد فؤاد، لكنني أبحث عن عزاء عن التقصير، ليس بما ذكرت هي عن “مجاز العشق”، بل وبما جاء في روايتي “تحولات الإنسان الذهبي” (2022) عن إبادة الحمير والمتاجرة بلحمها وجلودها من الصين إلى مصر وسواهما: لماذا لم أكتب عن ذلك لهالة؟
حسنًا: من أزمة المياه، إلى تدمير الغابات والصحراء، إلى إبادة الكائنات في البر والبحر، إلى الشركات العملاقة والأنظمة والدول التي تفتك بباطن الأرض وظاهرها، غير عابئة بإنسان، أو حيوان، أو نبات، أو بيئة، أو مناخ… من هذا وذاك إلى ذيّاك تمضي حياتنا التي تحرسها الروايات، ويحدو لها أحمد رامي في قوله: “هتفت في الربى طيور الأماني/ باكيات على النعيم الفاني”. كما يحدو لها إبراهيم ناجي في قوله: “جفا الربيع ليالينا وغادرها/ وأقفر الروض لا ظل ولا ماء”. والختام مع أمل دنقل “ويرحل المطر ويذبل الشجر/ ويغمر الغبار النقوش والصور/ وتهبط الأحزان/ فتمحي الألوان/ وينخر السوس القديم في العيدان/ وترحل الطيور الزرق/ ويرحل المطر”.