
تسجل هذه المرويات عن بنت جبيل وجوهًا من أحوال مجتمعها، تقلّباته وتحولاته ومنعطفاته، في القرن العشرين. فبعد حلقة أولى عن حوادث وصور من عقد الستينيات في البلدة العاملية في أقصى جنوب لبنان، وثانية عن سوقها الأسبوعية وحرفها وصلتها بفلسطين، وثالثة عن عمليات التهريب الحدودي وتجارته منها ومن شبعا، بعد إنشاء دول في لبنان وسوريا وفلسطين، وإقامة حدود بينها، ورابعة عن الحرف التقليدية وتحولها صناعة ناشطة، قبل أن تندثر وتصير حكاية، هنا حلقة خامسة عن نشأة حزبيات محدثة في بنت جبيل والقرى التي تجاورها.
بائع الكشّة والشيوعية
روى أبو علي المولود في العام 1943 بقرية عيترون العاملية أن والده العيتروني كان من عامة الفلاحين الفقراء في قريته التي يملك فيها قطعة أرض صغيرة، لم تكن غلّتها الشحيحة تكفي لإطعام أولاده الصغار. وبعدما نشأت دولة إسرائيل في العام 1948، وانقطعت بين البلاد العاملية والفلسطينية صلات العمل والتبادل التجاري، لجأ الفلاح العيتروني ورجال من أمثاله في قريته إلى التعيُّش من عمليات تهريب حدودي إلى فلسطين. وحدث أن قبض رجالُ “شرطة الحدود” اللبنانية في مخافر الدرك على والد أبو علي واثنين من أقرانه المهربين، فخسروا ما كانوا يهرِّبونه من سلع صادرها رجال الدرك.
ولمّا تفاقم انسداد أبواب الرزق في وجوههم، بعدما كانت مفتوحة ومشرّعة على البلاد الفلسطينية قبل 1948، هَشَلَ أولئك الرجال شمالًا إلى العاصمة اللبنانية بيروت، باحثين عن باب للرزق فيها. ومثل معظم اللبنانيين والعامليين المهاجرين من بنت جبيل في نهايات القرن التاسع عشر إلى أميركا، عمل والد أبو علي في مطلع خمسينيات القرن العشرين تاجر كشة في بلدات جبل لبنان وقراه. أي بائع قماش يشتريه من بيروت، ويحمله على كتفه أو ظهره، أو على حماره، ويدور به راجلًا لبيعه من أهالي تلك البلدات والقرى العامرة والنامية في منطقة المتن أعالي وادي لامارتين بين جبلي الكنيسة وصنين: بحمدون، حمانا، فالوغا، قرنايل، المتين، المروج.. وصولًا إلى بتغرين وبعبدات والخنشارة في المقلب الشمالي الغربي من المتن. وكانت جولات باعة الأقمشة وسواها من السلع الخفيفة المحمولة، تستغرق الواحدة منها أكثر من أسبوع، يعود منها البائع الجوّال إلى بيروت، ثم إلى أهله وقريته العاملية الجنوبية.
وروى أبو علي أن والده احتكَّ في جولاته تلك برجال في قرى جبل لبنان وبلداته التي كان يبيع فيها بضاعته، فحدثوه عن أفكار مذهبهم الاشتراكي الشيوعي، فتأثر بها هو الذي كان عامليًّا أميًّا أو شبه أمّي، يصلي ويصوم، ويوالي منذ فتوّته بالفطرة أو بالتوارث العائلي زعامة آل الأسعد الإقطاعية الواسعة النفوذ في جبل عامل. وأخذت تلك الأفكار التي سمعها بالمشافهة تجول وتتفاعل وتثير أسئلة في ذهنه ووعيه، فجعل يقيسها أو يسقطها على الأحوال البائسة التي يعيشها وأمثاله في قريته العاملية.
والأرجح أن الفلاح العيتروني الفقير، وبائع الكشة لتحصيل قوت أسرته في جولاته الطويلة المضنية على دروب بلدات جبل لبنان، شاهد عمرانها وحياة أهلها المختلفة و”الأرقى” بكثير من تلك التي في قرى جبل عامل، فأخذ يعي أو يتمثَّل على نحو جديد غضبه الأليم من مظالم الوجهاء والملّاك الإقطاعيين الذين يشغِّلون الفلاحين المعدمين، سخرةً أو مجانًا في أرضهم بجبل عامل.
ولم يفُتْ أبو علي -وهو ورث في صباه بعيترون المذهب الشيوعي عن والده- أن يُذكّر في سياق روايته هذه، بأن شيوعيّي جبل لبنان الذين احتك والده بهم وتأثر بأفكارهم ومذهبهم، كانوا من المسيحيين الأرثوذوكس. وهذا من دون أن ينسى أن يذكر أيضًا أن ميلَ جماعات أرثوذوكسية في لبنان إلى الشيوعية وتأثرهم بها ما بين الحربين العالميتين، كانا ينطويان على نقمة منهم على الموارنة و”أمهم الحنون” فرنسا التي علّمتهم بعثاتها التبشيرية ودعمتهم، فوالوها وفصّلت لهم على مقاسهم دولة لبنان الكبير. وكان قد سبق لجماعات أرثوذوكسية في لبنان وسوريا أن مالت مذهبيًا إلى القيصرية الروسية ووالتها قبل أن تسقطها الثورة البلشفية في نهايات الحرب العالمية الأولى (1914- 1918).
لكن شيوعية أبو علي أنسته أن يذكر احتمال تأثر والده وأمثاله بالمذهب أو الحزبية السورية القومية الاجتماعية التي أسسها ابن بلدة ضهور الشوير المتنية، أنطون سعادة، لو صادف أن التقى والده بائع الكشة بمحازبين قوميين سوريين فيها. ذلك أن هؤلاء المحازبين كان لهم حضورهم بين أرثوذوكس ضهور الشوير منذ الثلاثينيات. وقد يُضعِف من هذا الاحتمال أن المذهب أو الحزبية القومية السورية تفشّت منذ نشأتها بين متعلّمين شكّلت الخطابة وفصاحتها “النخبوية” عاملًا أساسيًا فيها، إلى جانب افتقاد هذه الدعوة العنصر الطبقي الفلاحي الذي كان قوي الحضور في الدعوة الشيوعية منذ نشأتها المحلية وحتى الخمسينيات. والعنصر هذا -إلى جانب حضوره في ماضي جبل لبنان و”عامِّيّاته الفلاحية” وانتفاضتها على العائلات الإقطاعية أواسط القرن التاسع عشر- هو الذي خاطب على الأرجح حساسية والد أبوعلي، تجربته ووعيه، في قريته العاملية.
تمرّد بالفطرة
لكن زوجة أبو علي المولودة في بنت جبيل في سنة 1953، وتجمعها بزوجها صلة قرابة بعيدة، أشارت إلى أن نفور والد زوجها شبه الفطري من مظالم الإقطاعيين للفلاحين الخانعين في عيترون وبنت جبيل، أسبق زمنًا من تأثره بالشيوعية أثناء جولاته كبائع كشة في جبل لبنان.
وروت أم علي أنها من والدها علمت أن والد زوجها كانت له مواقف مشهودة في النصف الثاني من الثلاثينيات: كان يأتي مع عامة فلاحين فقراء مثله من عيترون وينضمون إلى أمثالهم في بنت جبيل، ليفلحوا فيها أرض أحد وجهائها الواسعة، وكذلك أرض المختار والسيد والشيخ من أبناء العائلات الدينية، ثم يحصدون غلالهم ويدرسونها على البيادر وينقلونها إلى بيوتهم التي غالبًا ما يكونون قد عملوا في تشييدها وإصلاحها. وهذه الأعمال كلها يقوم بها سخرةً أو بالمجان أولئك الفلاحين الفقراء، وفق أعرافٍ وتقاليد إقطاعية سارية منذ زمن مديد في جبل عامل.
لكن والد أبو علي كان يقف بين أولئك الفلاحين قائلًا لهم: ليش (لماذا) بدنا نضل نفلحلن ونزرعلن ونحصدلن ونعمر بيوتهم بالسخرة؟ ليش نحنا خَدَم عندهم أبًا عن جِدْ؟! ومواقفه هذه سبقت بسنوات تأثره بالشيوعية، وقد تكون وليدة فطرة (بذرة، قالت أم علي) في نفسه وشخصه، وهي التي دفعته إلى تمرّده على مظالم متوارثة.
نزعات اجتماعية-سياسية عامليّة جديدة
روى أبوعلي قصة والده هذه في سياق تتبعه ملابسات تكوّن بذور نزعات اجتماعية-سياسية جديدة، محدثة أو معاصرة، بين فلاحين عاميين في جبل عامل. وهي نزعات بدأت تخرج على ولاءات العامليين التقليدية المتوارثة والراسخة لزعامة آل الأسعد العشائرية الإقطاعية واسعة النفوذ على مستوى مناطق جبل عامل. ثم تليها مرتبيًا ولادة بيوتات وجهاءَ وأعيانٍ محليين جددًا من الملاّك والتجار من آل الزين، الخليل، عسيران، بزي، وبيضون. ويوالي هؤلاء أو يناوئون زعامة أل الأسعد، وبينهم توزعت ولاءات العامليين المحلية.
أما النزعات الجديدة التي خرجت على هذه الترسيمة وولاءاتها، فنشأت في الثلاثينيات وأخذت تنتشر وتتوسع في بلدات وقرى عاملية أو جنوبية في السنوات اللاحقة، حتى الستينيات والسبعينيات.
وبناء على مرويات أبو علي وزوجته وسواها من شهادات عاملية، نحاول هنا أن نرسم صوراً جزئية وموضعية عن ولادة هذه النزعات الاجتماعية- السياسية الجديدة، بتفاوتاتها وتطوراتها في بنت جبيل وعيترون وعيناتا.
ولادة الشيوعية في عيترون
نبدأ بالتيار الشيوعي الذي يرى أبو علي أن بذوره نشأت في الثلاثينيات عن تمردات طبقية محلية وموضعية على مظالم الإقطاع والأعيان والوجهاء في بيئات قروية فلاحية وعاميّة في قريته عيترون وإلى جانبها عيناتا التي لاحقًا ولدت فيها وفي بنت جبيل نزعة عروبية بعثية.
يعيد أبو علي ولادة النزعة الشيوعية وحزبيتها في عيترون وعيناتا -وتأخر حضورهما زمنًا وضعفهما في بنت جبيل قبل نموهما فيها لاحقًا في الخمسينيات والستينيات- إلى قوة التمييز الطبقي ومظالم الإقطاعيين على عامة الفلاحين الفقراء الكثيرين في عيترون وعيناتا. أما بنت جبيل فقد تميّزت بضعف الإقطاع فيها، لأنها أصلًا بلدة أعمال حرفية توسّعت ونمت إلى جانب التجارة في سوقها الأسبوعية الممتدة شبكاتها وصلاتها إلى نواحي في جبل عامل وفلسطين. وهذا ما “حرّر” فئات عاميّة واسعة فيها من ربقة الإقطاع وأثقاله، ومن الارتباط بالأرض الزراعية الضيقة أصلًا في بنت جبيل التي كانت فيها عائلات أقبلت على التعليم الديني وتوارثته كآل شرارة، قبل عزوف أجيالها الجديدة عنه في الأربعينيات والخمسينيات.
أما عيترون فظل أهلها فلاحين صغارًا تتحكم بهم العائلات والعلاقات الإقطاعية، التي أضعفتها في بنت جبيل دورة عمل وإنتاج حرفي وتجاري، متوارثين من جيل إلى جيل.
فالعامي الحرفي في بنت جبيل، كان يحرص على أن يحصّل أولاده تعليمًا ابتدائيًا، ليحملهم على ترك المدرسة والالتحاق به للعمل في الحرفة أو الصنعة. وهذه حال شقيق أم علي الأكبر مثلًا. وحتى أحد كبار تجار بنت جبيل من آل بزي، ألحق أولاده بالعمل في متجره، سوى أصغرهم الذي رفض ذلك، وقال لوالده إنه يريد أن يتابع تعلُّمه المدرسي والجامعي حتى صار طبيبًا.
الفلاح الشيوعي يثأر من الإقطاع بتعليم أولاده
على خلاف هذا كانت حال الفئات العاميّة الفلاحية في عيترون التي بكّر بعض فلاحيها في تمردهم على العلاقات الإقطاعية، شأن والد أبو علي الذي حمله تمرده المبكر واعتناقه المذهب الشيوعي على القول لابنه: بدي ياك (أريد منك) أن تتعلم وتواظب على التعليم لتصير طبيبًا. وينطوي إصرار والده ذاك على ما استدخلته الشيوعية في نفسه: تمردٌ على الإقطاع وانتقامٌ من الإقطاعيين لمظالم الفلاحين بمواظبة أبنائهم على التعليم.
وقال أبو علي أيضًا: نحن أولاد الفلاحين ورثنا الشيوعية عن آبائنا ولم نتلقَها من الخارج. أي ليس من خارج أهلنا وبيئتهم المحلية، ولا تلقيناها في المدارس التي تعلمنا فيها. ومنها مدرسة بنت جبيل المتوسطة والثانوية لاحقًا.
فأبو علي بدأ مرحلة تعليمه المتوسط في مدرسة بنت جبيل التكميلية الرسمية في سنة 1955 أو 1956، عندما كان فيها أكثر من 50 تلميذاً من القرى المجاورة لبنت جبيل: عيترون، عيناتا، رشيف، ميس الجبل، وبليدا. وكان أهالي هؤلاء التلامذة يستأجرون لأبنائهم في بنت جبيل مساكن جماعية مشتركة، لأن لا مدارس متوسطة في قراهم. ومدرسة بنت جبيل التكميلية أو المتوسطة التي تعلموا فيها إلى جانب تلامذة من أبنائها، سُميت باسم مؤسسها ومديرها: المربي -وهذه من صفات وألقاب قدامى المدرسين- عبداللطيف سعد، الذي كان من أوائل البنت جبيليين الذين تخرجوا أواسط الثلاثينيات من دار المعلمين في بيروت. وكان هذا المربي قاسيًا ومرهوب الجانب بين التلامذة والمدرسين، كذلك حسب المعايير الحميدة والمفضلة في ذاك الوقت. وكانت مدرسة عبد اللطيف سعد من أنجح المدارس الرسمية الجنوبية في الخمسينيات والستينيات، وفيها تلقت التعليم نخبة من متعلمي بنت جبيل وقراها المجاورة.
لكن المفارق في شهادة أبو علي هو أن تلامذة هذه المدرسة الذين توافدوا إليها من القرى المجاورة لبنت جبيل في الأربعينيات الخمسينيات، هم من نقل إلى أقرانهم وزملائهم من تلامذة بنت جبيل عدوى التحزّب المحدث، لا سيما الحزبية الشيوعية ومذهبها. وبعد أن صار كثرة من هؤلاء مدرسين في سنوات لاحقة، أي في مرحلة توسع التعليم الرسمي في العهد الشهابي (1958- 1970)، نقلوا إلى تلامذتهم وسواهم من المدرسين عدوى المذهب نفسه.
وعندما عاد أبو علي طبيبًا من إحدى جامعات روسيا الشيوعية في العام 1969، يذكر أنه أحصى 156 مدرسًا عيترونيًا منتشرين في مدارس رسمية جنوبية كثيرة، بينهم محازبون شيوعيون كثيرون، وغالبًا ما كان آباؤهم فلاحين وشيوعيين في عيترون التي كانت العلاقات الإقطاعية والولاءات العائلية فيها قد تفككت وانهارت. ومثاله على ذلك عائلته التي كانت تشكل ثلثي عدد سكان عيترون، وظلت أسعدية الولاء أو “من عضام الرقبة الأسعدية” حتى الخمسينيات، لتنفك من ولائها الأسعدي أو “تتحرر” منه تحررًا واسعًا وقويًا، بل تامًا في السبعينيات.
أما في حقبة جيل والده، عندما شهدت عيترون بدايات التنظيم الحزبي الشيوعي فيها في الأربعينيات، فكان عدد المحازبين الشيوعيين العيترونيين الأوائل نحو 30-40 شخصاً، معظمهم فلاحون، حينما كان فرج الحلو (1906- 1959) مسؤولًا عن منطقة بنت جبيل في الحزب الشيوعي اللبناني-السوري الموحد أو المشترك بعدُ. وفي هذا السياق ختم أبو علي شهادته قائلًا: يصعب أن تجد شابًا أو فتىً ينتمي إلى “حزب الله” في عيترون السنوات العشرين الأخيرة، لم يكن واحد من عائلته، عمه، والده، خاله، وأحيانًا جده، ينتمي إلى الحزب الشيوعي في الأيام الخوالي. وهذا ما ينسحب في وجه من وجوهه على قرية عيناتا التي ظهر فيها، إلى جانب المحازبين الشيوعيين، محازبون بعثيون في الخمسينيات.
وعن شيوعيي عيناتا روى الدكتور فوزي أيوب، المدرس المتقاعد في الجامعة اللبنانية، أن والده الفلاح والمزارع الذي أتقن أيضًا بناء البيوت، والمولود في العام 1892 في عيناتا والمتوفى في العام 1995، مال في شبابه إلى “الأفكار الاشتراكية”، ثم انتمى إلى الحزب الشيوعي في الأربعينيات، عندما اجتمعت في منزله بعيناتا خلية حزبية شيوعية ترأسها القائد الشيوعي فرج الله الحلو. وكان ذاك الاجتماع سريًا، وضم رجالًا خمسة من عيناتا، وقد ورّث هذا الشيوعي العتيق شيوعيته لأبنائه الذين ورّثوها بدورهم إلى أبنائهم.
وفي روايته المأسوية عن أجيال عائلته، ذكر أيوب أن 14 شخصًا منها يتوزعون على 3 أجيال، قُتلوا (استشهدوا) في الحروب الإسرائيلية على لبنان، وأحدهم قتله جنود الانتداب الفرنسي، وكان معظمهم شيوعيين. أما آخرهم، وهو فتىً صغير، فقد قتله الإسرائيليون، ونشر الدكتور أيوب صورة له على صفحته الفيسبوكية، يظهر الفتى فيها مرتديًا زي كشافة الرسالة الإسلامية التابعة لـِ “حزب الله”.
(يتبع حلقة أخيرة عن الحزبية المحدثة في بنت جبيل)