نجيب مبارك…. ضفة ثالثة
ثمة مخرجون يصنعون أفلامًا، وثمة مخرجون يغيّرون الطريقة التي ننظر بها إلى العالم. وينتمي فيديريكو فيلليني إلى الفئة الثانية. فمنذ أن دخلت شخصياته وأحلامه وشوارعه وكرنفالاته ووجوهه الغريبة إلى تاريخ السينما، لم تعد روما مجرد مدينة، ولم تعد الذاكرة مجرد مستودع للماضي، ولم يعد الحلم نقيضًا للواقع. صار الواقع نفسه قابلًا لأن يُرى كما لو كان حلمًا، وصار الحلم إحدى الطرق الممكنة للوصول إلى حقيقة الإنسان.
من هذه الفكرة ينطلق باتريس لاجوس في كتابه الصادر مؤخرًا “فيديريكو فيلليني: العرّاف الكبير للخيال” (لارماتان، 2026)، وهو كتاب لا يطمح إلى تقديم سيرة تقليدية للمخرج الإيطالي، ولا إلى ترتيب أفلامه زمنيًا وشرحها فيلمًا بعد فيلم، وإنما يقترح رحلة داخل العالم الفيلليني نفسه؛ رحلة تتداخل فيها السيرة بالذاكرة، والسينما بالطفولة، وروما بالحلم، والواقع بالخيال. ويكشف تنظيم الكتاب عن هذه الرغبة منذ البداية: فبعد مقدمة جان- ماكس ميجان، يأتي القسم الأول تحت عنوان “فيديريكو فيلليني أو الرؤية المشتركة”، ويضم فصولًا عن الطفولة والأسفار والواقع الحالم والشاشة الداخلية وروما والظلال والانعكاسات والحنين واللحظة. ثم يتبع ذلك قسم ثانٍ وشهادات وملحقات تتناول السينما والحلم والموسيقى وعلاقة فيلليني بمخرجين آخرين. ليست هذه بنية كتاب يريد أن يقول لنا من كان فيلليني بقدر ما يريد أن يجعلنا نراه.
فيلليني بوصفه عالمًا لا مُجرّد مخرج
منذ الصفحات الأولى، يختار لاجوس أن يدخل إلى عالم فيلليني من بوابة السفر. قطار يصل إلى محطة روما تيرميني، وشاب ينزل من القطار وسط وجوه كثيرة، وكأن الوصول إلى روما ليس نهاية رحلة، بل بدايتها الحقيقية. إنها صورة تأسيسية: المدينة هنا ليست مكانًا جغرافيًا فحسب، وإنما عتبة إلى عالم تخييلي.
هذه الطريقة في الدخول إلى الكتاب تكشف منهجه كله. لاجوس لا يريد أن يفصل “فيلليني الفنان” عن “فيلليني الإنسان”. فالأفلام، في نظره، تنبت من الذاكرة الشخصية، ومن الأماكن الأولى، ومن الأحلام والرغبات والوجوه التي ظلت عالقة في الداخل. ولهذا تبدو طفولة المخرج، في فصل “طفولة الفن”، أشبه بالمادة الخام التي سيعاد تشكيلها لاحقًا في السينما.
فالطفولة عند لاجوس ليست مجرد مرحلة زمنية انتهت. إنها منطقة داخلية يعود إليها الإنسان باستمرار. القرية والبيت والطريق والحديقة والصيف والأصوات والروائح تتحول إلى صور تحفظها الذاكرة، ثم تعود إلى الظهور في الفن. ومن هنا يمكن فهم جانب أساسي من سينما فيلليني: الماضي عنده لا يُستعاد كما حدث، بل كما بقي في المخيلة.
ربما تكمن إحدى أهم أفكار الكتاب في العلاقة بين الذاكرة والسينما. فالذاكرة ليست أرشيفًا محايدًا، وإنما قوة تعيد تركيب ما عاشه الإنسان. وحين يدخل الماضي إلى السينما، فإنه لا يعود ماضيًا خالصًا؛ إنه يصبح مزيجًا من الواقع والتذكر والتخيل.
هذه الفكرة تفسر كثيرًا من خصوصية سينما فيلليني. فالمخرج نفسه كان يعترف بأن حياته وأفلامه اختلطتا إلى حد يصعب معه التمييز بين ما حدث بالفعل وما أعيد اختراعه على الشاشة. يشير لاجوس إلى أن الشخصيات الحقيقية في ذاكرة فيلليني امتزجت بالشخصيات التي جسّدها الممثلون، حتى أصبحت ذكريات السينما جزءًا من ذكريات الحياة. وهنا يصبح الفن، في تصوّر الكتاب، ليس تسجيلًا للماضي بل وسيلة لإنقاذه من الفناء. ما نعيشه يمر، أما الصورة الفنية فتمنحه حياة ثانية. لكنها حياة لا تعيد الأصل كما كان، وإنما تمنحه معنى جديدًا.
| منذ الصفحات الأولى، يختار باتريك لاجوس أن يدخل إلى عالم فيلليني من بوابة السفر |
عندما تصبح الحياة حلمًا
العنوان الفرعي للكتاب، “العرّاف الكبير للخيال”، ليس وصفًا زخرفيًا. فالخيال عند فيلليني ليس وسيلة للهروب من الواقع، وإنما طريقة أخرى لرؤيته. ولهذا يخصص لاجوس فصلًا كاملًا لفكرة “الواقع الحالم”، مؤكدًا أن العالم الفيلليني لا يفصل بين ما هو خارجي وما هو داخلي.
في إحدى أكثر الأفكار مركزية في الكتاب، يصبح الفيلم شبيهًا بالحلم؛ فهو يعرض السلوك الخارجي للإنسان، لكنه يكشف في الوقت نفسه شيئًا من حياته الداخلية، من رغباته ومخاوفه وذكرياته وأوهامه. وهكذا يغدو الفيلم مساحة تتعانق فيها صور الحياة اليومية وصور الحياة الداخلية. وهذا ما يجعل وضع فيلليني داخل خانة “السينما الواقعية” أو “السينما الحالمة” أمرًا مضللًا. فحتى عندما ينطلق من الواقع، فإنه لا يكتفي بنقله. إنه يفتح داخله ممرًا إلى الخيال.
من هنا يمكن فهم ذلك العالم المزدحم الذي يميز أفلامه: الوجوه المبالغ فيها، الأجساد، السيرك، الموسيقى، الاستعراض، الشوارع، الشخصيات الهامشية، النساء، المهرجون، رجال الدين، الممثلون، الصحافيون، والجموع التي تبدو أحيانًا وكأنها خرجت من حلم جماعي. إن هذا الفيض لا يعني أن فيلليني يبتعد عن الواقع؛ ربما كان يريد أن يقول إن الواقع نفسه أكثر غرابة من الصورة التي نضعها له.
الحنين ليس عودة إلى الماضي
لا يمكن الحديث عن فيلليني من دون روما. لكن روما عند لاجوس ليست روما السياحية، ولا المدينة الأثرية التي تظهر في كتب الإرشاد السياحي. إنها مدينة تتراكب فيها الأزمنة. آثار الإمبراطورية الرومانية تتجاور مع السيارات الحديثة، والمنتديات القديمة مع ضجيج الشوارع، والماضي مع الحاضر في مشهد واحد.
في فصل “تيه في روما”، يتحول التجوال في المدينة إلى قراءة في سينما فيلليني. فالمؤلف لا يكتفي بوصف الأماكن، بل يضع نفسه داخل الصور التي صنعها المخرج. تصبح المدينة فضاءً تتقاطع فيه السينما والذاكرة، ويصبح المشي في روما نوعًا من إعادة مشاهدة أفلام فيلليني.
وهنا تبرز فكرة جميلة: الفنان العظيم لا يكتفي بأن يعكس المكان، بل يغيّر صورته في وعينا. بعد فيلليني، لم تعد روما هي نفسها بالنسبة إلى من شاهد أفلامه. لقد أضاف إليها طبقة من الخيال، بحيث يمكن للمرء أن يسير في أحد شوارعها وهو يرى فوق الواقع صورة سينمائية سابقة.
من جهة أخرى، قد يبدو فيلليني، للوهلة الأولى، مخرج الوفرة: وفرة الشخصيات والألوان والحركات والأجساد والأصوات والموسيقى والاستعراض. لكن لاجوس يقترح قراءة أكثر عمقًا لهذا البذخ البصري. فالفيض، في نظره، قد يكون طريقة للكشف عن الفراغ. وكل هذا الضجيج قد يخفي صمتًا عميقًا. وكل هذا الامتلاء الباروكي قد يقود في النهاية إلى مواجهة العدم والوحدة والهشاشة الإنسانية. هذه من أجمل أفكار الكتاب وأكثرها قابلية للتوسع نقديًا. فالحديث عن “فيللينية” الصورة غالبًا ما يختزل المخرج في المبالغة والغرابة والكرنفال. لكن لاجوس يذكرنا بأن فيلليني يكشف عن نفسه أيضًا في لحظات السكون، وفي الصور الحزينة، وفي الانتظار، وفي الوجوه التي لا يحدث أمامها شيء. ربما كان صخب فيلليني وسيلة لإخفاء هشاشته، وربما كان الكرنفال نفسه شكلًا من أشكال الحزن.
من المفاتيح الأخرى التي يبرزها الكتاب الحنين. لكن الحنين عند فيلليني ليس مجرد رغبة في العودة إلى زمن مضى. إنه إدراك مؤلم لاستحالة العودة. في فصل “الحنين واللحظة”، يتوقف لاجوس أمام اللحظة العابرة: ضوء بعد المطر، منظر من أعلى روما، سماء تتغيّر، تفاصيل تبدو كأنها تريد أن تتوقف عن الحركة. لكن اللحظة تفلت دائمًا. وهذا الإحساس بالفقدان حاضر بقوة في عالم فيلليني، حيث تتقاطع الذاكرة والحاضر، ويعيش الماضي داخل الحاضر بدون أن يكون من الممكن استعادته. ولهذا يبدو الحنين عنده قوة إبداعية. فكل ما ينتهي يترك وراءه رغبة في إعادة صياغته. إن الوعي بالفناء هو أحد مصادر الفن.
لا يدعي لاجوس أنه يقدم “الكتاب النهائي” عن فيلليني. إنه يكتب عن مخرج غيّر علاقته هو نفسه بالصور والسينما والمدينة والذاكرة. لذلك فإن الذاتية هنا ليست خطأ عرضيًا، بل جزءٌ من موضوع الكتاب. والشهادات المضافة في القسم الثاني، ومنها شهادات مقربين ومتعاونين مع فيلليني، تمنح الكتاب بعدًا آخر؛ إذ تنتقل صورة المخرج من رؤية المؤلف إلى ذكريات من عاشوا التجربة الفيللينية عن قرب. وتكشف هذه الشهادات أن صناعة أفلامه كانت، بالنسبة إلى المشاركين فيها، أقرب إلى حالة من اللعب الجماعي والانغماس في الخيال منها إلى عملية إنتاج سينمائي تقليدية.
فيلليني الذي لا ينتهي
تكمن قيمة كتاب باتريس لاجوس في أنه لا يحاول أن يغلق عالم فيلليني بالتفسير، وإنما يعيد فتحه. إنه يقترح علينا أن نقرأ أفلامه بوصفها مناطق تتقاطع فيها الحياة والحلم، والطفولة والشيخوخة، والواقع والخيال، والمدينة والذاكرة، والصورة والفقدان.
وبهذا المعنى، فإن “العرّاف الكبير للخيال” ليس مجرد لقب لمخرج بارع في اختراع العوالم؛ إنه تعريف لفنان كان يعرف أن الخيال لا يقف في الجهة المقابلة للواقع. الخيال هو إحدى طرائق معرفته. ولعل هذا هو السبب في أن فيلليني لا يزال حاضرًا بعد عقود من رحيله: لأن عالمه لا يطلب منا أن نصدقه، بل أن نرى من خلاله. وبعد أن نشاهد أفلامه، لا نعود إلى الواقع كما كنا. تصبح الذاكرة أكثر سينمائية، وتبدو المدن كأنها تخفي وراء شوارعها مسارح سرية، ويصبح الحلم أقل انفصالًا عن اليقظة.
لقد كان فيلليني، في النهاية، أقل اهتمامًا بتصوير العالم مما كان بتصوير الطريقة التي يعيش بها العالم داخل الإنسان. ومن هنا تأتي راهنية قراءته اليوم: في عصر تغمرنا فيه الصور من كل جهة، يصبح السؤال ليس كيف نصنع مزيدًا من الصور، وإنما كيف نستعيد قدرتنا على أن نرى؟ وهذه، ربما، هي أفضل خلاصة لكتاب لاجوس: السينما العظيمة لا تمنحنا عالمًا آخر؛ إنها تجعل العالم نفسه يبدو للمرة الأولى كما لو أننا نراه في حلم.