طغت الأناقة البروتوكولية على اجتماع قادة الأطلسي في أنقرة يومَي 7 و 8 تموز/ يوليو: اثنان وثلاثون علماً، وبيانٌ ختامي، وصورة جماعية في مجمّع “بشتبه” الرئاسي. غير أنّ المشاهد المصقولة لا تحجب الحقيقة العارية: حلف 2026 غير حلف 1949. الشكل باقٍ، والجوهر يُعاد التفاوض عليه بنداً بنداً. ولا تُخفي فخامة الاحتفال سؤالَين ملحَّين: كم من الوقت تحتاج أوروبا لتعويض ما تسحبه أميركا؟ وهل يصمد شكل الحلف فيما يتبدّل جوهره؟
قام الحلف منذ تأسيسه على قسمة عملٍ مضمرة: أوروبا تقدّم الأرض والرجال والشرعية السياسية، وأميركا تقدّم البنية التمكينية — حاملات الطائرات، والذخائر الدقيقة، والنقل الجوي الاستراتيجي، والتغطية الفضائية، وعمود القيادة والسيطرة الذي يصهر جيوشاً متفرّقة في قوة واحدة.
وفي ظلّ هذا البَطَر الاستراتيجي، سرّح الأوروبيون جيوشهم، ولاعبوا التوازنات بين موسكو وواشنطن، وبنوا عقيدتهم على ثلاثة أوهام: أنّ القدرات الأميركية آتية حتماً، وأنّ القانون الدولي راسخٌ أبداً، وأنّ التجارة مع روسيا كفيلةٌ بترويضها.
في أنقرة تُصفّى هذه العقيدة تصفيةً كاملة. فاستراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2026 تُلزم الحلفاء صراحةً بالمسؤولية الأولى عن الدفاع التقليدي عن أوروبا. وقد قلّصت واشنطن وجودها الدوري في رومانيا، وسحبت خمسة آلاف جندي من ألمانيا، وألغت مناوبة لواء مدرّع في بولندا، معيدةً حضورها القتالي إلى ما قبل حرب أوكرانيا.
والأنكى أنّ وزير الحرب هيغسيث لم يرهن مستقبل القواعد والمساهمات المالية بأداء الحلفاء في الإنفاق وحسب، بل بسلوكهم خلال الحرب على إيران. وإذا كان الكونغرس قد شرّع حدّاً أدنى قوامه ستة وسبعون ألف جندي، فالحدّ الأدنى ليس سقف طموح؛ إنّه البقايا القانونية لالتزامٍ راحل. ذلك أنّ المقدرات التي تحتجزها أميركا لحربٍ محتملة في الباسيفيك هي ذاتها التي كانت عماد تماسك الحلف في أوروبا. ستبقى واشنطن عموداً من أعمدته، لكن من دون اعتمادية كاملة.
ليس هذا تفكيكاً، بل فطاماً: صياغةٌ جديدة للأطلسي تتباعد فيها الضفّتان نسبياً من غير أن تصيرا خصمَين.
وسواء أُعلن ذلك في أنقرة أم طُمر تحت لغة البيان، فستُضطرّ أوروبا إلى عقيدة عسكرية مختلفة ونمطٍ مختلف من القوة.
فهي تدرك أنّ التحوّل ليس مزاج رئيسٍ مغامر ولا نزوة إدارةٍ متشدّدة، بل إعادة هندسةٍ موضوعية لمصالح الجانبين بعد تفكّك منظومة بريتون وودز وانقضاء الحرب الباردة.
وإذ تختلف الضفّتان في ترتيب مخاطرهما، يتحوّل الحلف فضاءً تتقاطع فيه رؤيتان لا تتطابقان. تتصدّر أولوياتِ أوروبا حمايةُ منظومتها الديموقراطية الليبرالية من شعبوية الداخل وتدخّلات الخارج، وردعُ روسيا حلقةً مركزية، ثم المهمّة الأشقّ: تحويل كتلتها الاقتصادية قطباً استراتيجياً كونياً. أمّا الأولويات الأميركية فتدور في فلك الباسيفيك: الصين تهديداً مرجعياً، والدولار عرشاً يُدافَع عنه، وشرايين التجارة البحرية سيادةً لا تُشارَك. وما دامت المصالح والعقيدتان لم تفترقا جذرياً، سيبقى التحالف حيّاً فاعلاً.
لكنّ الحرب على إيران أضافت درساً موجعاً: اكتشفت أميركا معنى أن تخوض حرباً وحيدةً بلا حلفاء، ولو كانت محدودةً إقليمية. وهنا العقدة الجدلية لقمّة أنقرة: واشنطن تريد الاستدارة نحو الهادئ وتخشى عزلتها؛ وأوروبا تحتاج الحلف مظلّةً استراتيجية ونووية واستخبارية لدرء مخاطر الحرب الأوكرانية، ريثما تبني بديلها. حاجتان متعاكستان تتشبّثان بالمؤسّسة الواحدة.
وقد استوعبت الأعمدة الأوروبية — ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا — دروس الولاية الأولى لترامب، فراحت تكيّف اقتصاداتها وصناعاتها وتشريعاتها ومجتمعاتها لضرورات الدفاع المستقلّ. ليس هذا كسباً للوقت فحسب، ولا انفصالاً، بل فطامٌ بلا قطيعة، وتكيّفٌ بلا تبعية.
ويبقى السؤال الوجودي: أظاهرةٌ ترامبية عابرة هي الأزمة الأطلسية أم اتجاهٌ بنيوي عميق في إعادة تعريف أميركا لدورها؟ الجواب الذي يقبله المخطّطون الأوروبيون سرّاً: الاثنان معاً — الأسلوب شخصيّ، والاتجاه بنيويّ. والقمم هي المكان الأنسب لتركيَّب التناقضات أو طمرها تحت لغة البيانات، أو أنها تصير الأمران معاً.
كشفت الحرب الأوكرانية عقباتٍ بنيوية في البناء الأوروبي: الحاجة إلى عقيدة جديدة وسلاحٍ من طراز جديد، والحاجة لتجاوز قيد الإجماع في القرار الأوروبي، ومواجهة استحالة الجمع بين دولة الرفاه الراهنة وتمويل الدفاع.
المفارقة أنّ الزمن الذي تشتريه أوروبا هو ذاته الزمن الذي تتفاقم فيه تناقضاتها.
وثمّة دوّامة مستجدة يخلقها هذا التباعد: كلّما اتّجه التسلّح الأوروبي نحو أنماط الحرب الأوكرانية، ازداد بُعده عن العقيدة الأميركية الكونية، فيتدحرج الحلف تدريجياً نحو افتراقٍ في اللغة والقيادة والعقيدة.
يصل الحلفاء إلى أنقرة بسبعين مليار يورو عتاداً ومساعدةً وتدريباً لعام 2026، دعماً لأوكرانيا وصناعتها وتقنيتها، فيما تنكفئ أميركا لتصير بائعَ سلاحٍ ومزوّدَ استخبارات.
ولقد استخلص زيلينسكي النتيجة العملية: لا تعويل على الإدارة الأميركية، بل بناء قاعدة دفاعية تكنولوجية أوروبية–أوكرانية تجعل أوكرانيا مختبرَ العقيدة الأوروبية الجديدة، واختباراً لقدرة أوروبا على سدّ غياب القيادة الأميركية ولو نسبياً أو مؤقتاً. ويا له من رهانٌ مشجّع وخطر في آن.
وكان اختيار أنقرة حجّةً بذاتها. ففي سياق حربَي أوكرانيا وإيران، انقلبت الاستقلالية التركية من معضلةٍ إلى احتواءٍ إيجابي. لقد سبقت تركيا أوروبا إلى الفطام داخل الأطلسي بعقود؛ فإذا بالتلميذ المعاقَب بالأمس يستضيف الدرسَ اليوم.
لا تُقرأ قمّة أنقرة إلا جدلياً: كان الأمن الأوروبي عطاءً أميركياً — تلك الأطروحة؛ والافتراق الراهن نقيضُها؛ والتكيّف المتبادل تركيبُها الممكن. ومن دون توافقات أنقرة كان الحلف سيمضي إلى تآكلٍ وظيفي بطيء لا يحتاج إلى قرار — إذ يكفي غيابُ القرارات لإنتاجه.
لذلك يكتفي المجتمعون بدرء الاحتمالات الكارثية: قطيعةٍ بالصدمة، أو انهيار جبهةٍ أوكرانية، أو اختبارٍ روسي لأوروبا في البلطيق — احتمالاتٌ ضعيفة لكنّها فادحة الخطر.
هكذا يوقّع التاريخ حجّته: سباقٌ أوروبي مع الزمن قبل أن تشيح أميركا أو تتعاظم اشتراطاتها. والفجوة بين هاتين السرعتين هي المكان الذي ستسكنه الحرب الأوروبية المقبلة.
