طالب عبد العزيز… جريدة المدى
مقولة(البرج العاجي) التي كانت مستعملة بشكل ملحوظ؛ وحتى وقت قريب، في نقد المثقف والثقافة بعامة، وفي الحديث عن الكِبر والترفع الصفتين، اللتين غالباً ما يوصم بهما الفلاسفة والكتاب والشعراء والفنانين والمفكرين، أولئك الذين يغلقون أبواب أفكارهم ومكاتبهم دون الناس، ويسكنون الغرف العلوية في البيت والفندق، ويسافرون كثيراً، فلا يُرى الواقع والحياة السفلية في أخيلتهم، وكتاباتهم… المقولة تلك؛ خرجت من التداول اليوم، ولم نعد نسمعها أو نقرأها، بفضل المساحة التي تتيحها وسائط التواصل الاجتماعي، والتي لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا تناولتها، وعرضتها على الجميع، بما أخرجت صاحب القلم والريشة من التهمة التي لاحقته طويلاً.
وربما نذهبُ أبعد من ذلك؛ بقولنا إنها ارتدت عليه، وأصابته في مقتل ما، حين أنزلت صورته العلوية تلك الى الحياة العامة، وجعلت منه مخلوقاً من لحم ودم، لا يختلف عن الاخرين، هذا إذا لم نقل جعلتها في مرتبة اجتماعية دنيا، حتى بات الكاتب والشاعر والفنان والمفكر آخر من يُنظر اليه بوصفه العلامة الدالة على توجيه الحياة، وصناعتها بما يجب، والنهوض بأبنائها، واحتواء المستقبل. وللإختصار سنطلق على الجماعة هذه تسمية “المُثقَّفْ” -وهي كلمة وإن كانت لا تحيط المعنى بالتمام، لكنْ- هكذا نجدها قد استعلمت في حقل المعرفة اليوم، إذنْ أصبح المثقف بيننا، واحداً منا، يقع عليه ما يقع على الجميع، وتشفّى به من كان ينظر اليه في برجه العاجي ذاك. لكنَّ السؤال الأهم من ذلك يقول: هل تنازل المثقف عن قدرته في الخلق المعرفي، وترويض حيوان الحياة، وانتهى دوره في صناعة الامل؟
الواضح بجلاء لدينا جميعاً هو اعتقاد العامة والنخب الفاعلة(سياسية-دينية- اقتصادية) بأنَّ المجتمعات لم تعد بحاجة الى المثقف، فهو برأيهم، حلقة زائدة في سلم التفكير والبناء؛ وأنَّ ما كتب ورسم وسمع من كتابات ورسوم وانغام وأفكار عبر التاريخ يغنينا اليوم عن وجود مثقفين جدد، بعد أنْ حلَّ الذهن الصناعي العقدة تلك، وصار بمقدورنا سماع وقراءة ومعاينة كلَّ ما نريده، فلا ابداع ولا مبدعين، ذلك لأنَّ العالم يحثُّ الخطى باتجاه معادلة الصفر والخوارزميات الكبرى، التي باتت قاب قوسين أو أدنى من الكمال. وهذه مقولة حقيقةٌ من حيث المبدأ، لدى العامة، إذْ ماذا يعني أن يكتب شاعر ما قصيدةً، أو يرسم فنان ما لوحةً، أو يؤلف موسيقىٌّ ما سمفونيةً… أسئلة تصعب مواجهتها مع العامة أو الإجابة عليها بحق! ترى أين يجدُ المثقف الخلاق والمفكر ومؤسس قيم الجمال موقعه بين هؤلاء على وفق المعادلة الصعبة هذه؟
لم يسلم المثقف من التهمة الازلية حين كان هناك؛ بمقولة البرج العاجي، وحين هبط، واستوى بين الناس سخر من جهده واستغنيَ عنه. هل نحن على أعتاب زمن علمي محض، يُستغنى فيه عن الشعر مثلاً؟ كانت عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) ترى بأنَّ اشتغال الانسان بالعلوم والمسائل العقلية يعطّل ملكة الشعر فيه. وربما يأتي من يقول لنا: وماذا يعني إذا تعطلت ملكة الشعر والفن والموسيقى…؟ أجدني بحاجة الى ترتيب قصة أذكر أنني شاهدتها في فيلم ربما. هناك رجل عجوز كان يتحدث ع لإبنه عن طفولته في الزقاق؛ حيث كان يسكن، فيقول بأنَّ والده أعطاه عدداً من الحجارة، ثم أنَّه رمى واحدةً، وكسر زجاجةَ النافذة، وصارت الناس ترمي زجاجات النوافذ بالحجارة، فيتهشم الزجاج، زجاج كثير تهشم.. يقول الولد بعد ذلك: أتعرفُ لماذا كنت ابكي؟ فيقول الولد: لا! فيجيب العجوز: كنتُ أفكّرُ بأنني لن استطيع ركوب دراجتى بسبب الزجاج.