ملخص
حوّل كيم جونغ أون كوريا الشمالية خلال أعوام قليلة من دولة معزولة ترزح تحت العقوبات إلى لاعب أكثر نفوذاً، مستفيداً من احتدام التنافس بين القوى الكبرى والحرب في أوكرانيا لتعزيز علاقاته مع الصين وروسيا وتطوير قدراته العسكرية والنووية. وبات صعود بيونغ يانغ يمنحها مساحة أوسع للمناورة والضغط على جيرانها، ويضع واشنطن أمام تحد أكثر تعقيداً في نظام دولي تتراجع فيه قدرتها على التعاون مع بكين وموسكو لكبح كوريا الشمالية.
لم تكن الذكرى الـ75 لتأسيس حزب العمال الكوري، التي حلت في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، مناسبة احتفالية بالصورة التي أرادها الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. فعلى رغم الألعاب النارية وتحليق الطائرات العسكرية واستعراض الصواريخ الجديدة العابرة للقارات، بدا كيم وهو يمسح دموعه عندما اقترب من المنصة واعتذر إلى الحشود قائلاً: “لم تكن جهودي وإخلاصي كافيين لتخليص شعبنا من الصعوبات التي يواجهها في حياته”. كانت جائحة كورونا قاسية على معظم البلدان، لكنها بدت أكثر خطورة بالنسبة إلى كوريا الشمالية، التي كانت تعاني انعدام الأمن الغذائي إلى حد كبير، وتمتلك نظاماً متهالكاً للرعاية الصحية العامة، وتكافح في ظل اقتصاد منهك. وكان كيم نفسه قد خرج مهاناً ومعزولاً، في الداخل والخارج، بعدما فشل في انتزاع تخفيف للعقوبات كانت بلاده في أمس الحاجة إليه، على رغم سلسلة من القمم البارزة مع قادة الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والصين وروسيا، ويمكن القول إن تلك كانت أدنى نقطة بلغتها جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في تاريخها الممتد 78 عاماً.
لكن بعد خمس سنوات فقط، في سبتمبر (أيلول) 2025، كان كيم يبتسم في عرض عسكري مختلف تماماً، هذه المرة في بكين، واقفاً إلى جانب الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكان جنود كوريون شماليون يقاتلون إلى جانب القوات الروسية في أوكرانيا، فيما عادت تجارة كوريا الشمالية مع الصين لمستوياتها الجيدة التي سبقت الجائحة، وانضم كيم إلى مجموعة متماسكة من القادة الذين يتصدون للنفوذ الأميركي والغربي. وفي انقلاب مذهل في حظوظها، أصبحت كوريا الشمالية اليوم في موقع صاعد على نحو لم يكن حتى أكثر المحللين خيالاً ليتوقعه. أما كيم، الذي لم تكن قبضته على السلطة أقوى مما هي عليه الآن، فقد تحول في وقت قياسي من منبوذ دولي إلى لاعب مؤثر في الساحة العالمية.
وجاء هذا التحول نتيجة تضافر الظروف والمهارة. فبزوغ عصر جديد من التنافس بين القوى العظمى لم يكن تطوراً مواتياً لكثير من الدول الصغيرة والقوى المتوسطة، لكن كوريا الشمالية خرجت منه بحال أفضل من معظمها، بعدما وظفت ترسانتها النووية لتجنب أن تسحقها القوى الأكبر. وأثبت كيم أيضاً براعة استثنائية في اقتناص الفرص والمناورة في خضم هذا المشهد الجيوسياسي الجديد. وفي إدارته علاقاته مع الصين وروسيا، أقدم على مجازفات غير متوقعة، مثل خوض حرب في أوروبا وتسريع تطوير الأسلحة النووية، وقد أتت هذه المجازفات بثمارها.
ونتيجة لذلك، بات كيم أقدر من أي وقت مضى على التأثير في مسار التطورات الإقليمية. ففي الماضي، استطاعت واشنطن التعاون مع بكين وموسكو، ولو بقدر محدود، لكبح جماح كوريا الشمالية وتفادي مواجهة عسكرية. أما اليوم، فقد أصبح التعامل مع كوريا الشمالية تحدياً أشد وأطول أمداً. فالتوتر بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية في أوكرانيا، وتنامي شكوك حلفاء واشنطن في نواياها ومدى التزامها تجاههم، اجتمعت لتنتج وضعاً عالمياً متقلباً يصعب التنبؤ بمساره. وبذلك، تقدم كوريا الشمالية لمحة مبكرة عن العقبات التي ستواجهها الولايات المتحدة مع تشكل هذا النظام الجديد.
رجل الصواريخ
عندما تولى كيم السلطة عام 2011، كان شاباً في الـ27 من عمره، فيما كان اقتصاد كوريا الشمالية المتهالك يعتمد إلى حد كبير على المساعدات الخارجية والتجارة مع الصين. وكانت منظمات الإغاثة الدولية تفيد منذ سنوات بأن أكثر من 40 في المئة من سكان البلاد، البالغ عددهم 26 مليون نسمة، يعانون سوء التغذية، في وقت كانت نخبة بيونغ يانغ تنعم بالمطاعم ومراكز التسوق. وتوقع مسؤولون ومحللون أميركيون آنذاك أن يفشل الخليفة الشاب، الذي لم تكن لديه خبرة عسكرية أو قيادية معروفة، وأن يزيحه كبار رجالات النظام سريعاً أو يهمشوه ليصبح مجرد واجهة للحكم.
لكن كيم تحرك منذ البداية بحزم، فنفذ عمليات تطهير ممنهجة لإرغام النخبة على إظهار الولاء المطلق له، وقتل عمه النافذ بصورة علنية واغتال أخاه غير الشقيق. وفي الوقت نفسه، سرع وتيرة برنامج الأسلحة النووية للبلاد، فأجرى أكثر من 100 اختبار صاروخي بين عامي 2012 و2019، أي أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الاختبارات التي أشرف عليها والده وجده مجتمعين، كما أجرى أربعاً من التجارب النووية الست التي نفذتها كوريا الشمالية، بينها تجربة لقنبلة هيدروجينية في سبتمبر 2017 قدرت قوتها بما بين 100 و150 كيلوطن. وللمقارنة، قدرت قوة القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما بنحو 15 كيلوطن. وبحلول نهاية عام 2017، كان كيم قد نجح أيضاً، للمرة الأولى في تاريخ كوريا الشمالية، في اختبار صاروخ باليستي عابر للقارات.
وهكذا بلغ التوتر ذروته في خريف عام 2017، فقد تبادل كيم والرئيس الأميركي دونالد ترمب الإهانات، فوصف ترمب الزعيم الكوري الشمالي بأنه “رجل الصواريخ الصغير”، فيما وصف كيم ترمب بأنه “مختل عقلياً”. وحذر الرئيس الأميركي من أن قوات بلاده “على أهبة الاستعداد”، بينما تعهد وزير الدفاع آنذاك جيمس ماتيس بـ”رد عسكري هائل” على أي تهديدات أخرى من كوريا الشمالية، وتحدث مستشار الأمن القومي إتش آر ماكماستر عن احتمال شن “حرب وقائية” عليها، واشتد التوتر إلى حد دفع حتى الصين وروسيا إلى تأييد فرض عقوبات أممية أكثر صرامة على بيونغ يانغ.
لكن كيم يجيد قراءة المواقف واستشعار اللحظة المناسبة للتحرك. ففي يناير (كانون الثاني) 2018، أبدى اهتماماً بالمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية، مما أتاح ما وصفته الباحثة في التاريخ الكوري شيلا ميوشي جاغر بأنه “هدنة مطمئنة في لعبة عالمية مرعبة لاختبار من سيتراجع أولاً”. وبينما تنفس العالم الصعداء، تراجع كيم وترمب عن حافة المواجهة، وعقدا في يونيو (حزيران) من العام نفسه قمة غير مسبوقة في سنغافورة، بوساطة من الرئيس الكوري الجنوبي آنذاك مون جاي إن، وعلى رغم إعلان ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنه “لم يعد هناك تهديد نووي من كوريا الشمالية”، لم تحقق القمة سوى القليل، وظلت المفاوضات تراوح مكانها خلال الأشهر التالية، قبل أن تنتهي بقمة ثانية فاشلة في هانوي في فبراير (شباط) 2019.
وبحلول ذلك الوقت، كانت الصعوبات التي يواجهها اقتصاد كوريا الشمالية قد أصبحت واضحة. فقد أفاد البنك المركزي الكوري الجنوبي بأن اقتصاد الشمال انكمش بنسبة تراوحت بين أربعة وخمسة في المئة عام 2018. وخلال المفاوضات، عرض كيم إغلاق جزء من منشأة قديمة للأبحاث النووية، في مقابل رفع العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة عامي 2016 و2017، التي حظرت صادرات كوريا الشمالية من المنسوجات والمأكولات البحرية والفحم وخام الحديد والعمالة، وقيدت وارداتها من المنتجات النفطية المكررة. لكن الولايات المتحدة رفضت العرض، بعدما خلصت إلى أن كيم سيعيد توجيه الإيرادات التي سيستعيدها لبرنامجه النووي، فعاد لبيونغ يانغ خائباً.
ثم ازدادت الأوضاع سوءاً، إذ هدد جفاف قياسي محاصيل كوريا الشمالية، قبل أن تضرب البلاد أعاصير عدة، لذلك كان السكان في وضع بالغ الهشاشة أصلاً عندما تفشت الجائحة في يناير 2020. ومع إغلاق الحدود، هوت التجارة مع الصين، التي تمثل شريان الحياة الاقتصادي لكوريا الشمالية، بأكثر من 80 في المئة، فيما ازدادت التوقعات في شأن مستقبل البلاد قتامة.
الإغلاقات وحملات القمع
لكن كيم أثبت أنه يعرف كيف يستفيد من الأزمات، فقد منحته الجائحة مجالاً أوسع لإحكام قبضته على السلطة، كما وفرت له ذريعة ملموسة لعدم تحقيق النتائج الاقتصادية التي كان يتوقعها منه شعبه. ومع تحول الاحتكاك بالعالم الخارجي فجأة من أمر محفوف بالأخطار إلى تهديد قد يكون قاتلاً، استغل كيم الجائحة لطرد الدبلوماسيين الأجانب وعمال الإغاثة وتشديد الإجراءات الأمنية على حدود البلاد. وفي الوقت نفسه، نشطت آلته الدعائية بقوة، مستغلة انتشار “كوفيد-19” لتصوير التأثير القادم من الخارج باعتباره بدوره نوعاً من العدوى.
وأتاحت الجائحة لكوريا الشمالية أيضاً فرصة اقتصادية غير معتادة، فقد استخدمت بيونغ يانغ لسنوات عمليات إلكترونية خبيثة لتخفيف أثر العقوبات وتأمين إيرادات للنظام، ولم تفرق في عمليات السرقة بين صديق وخصم. ووفق لجنة خبراء الأمم المتحدة، التي أنشئت عام 2009 للتحقيق في تهرب بيونغ يانغ من العقوبات، جمع قراصنة كوريون شماليون ما يقدر بـ3 مليارات دولار بين عامي 2017 و2023. وخلال الجائحة، تكثفت هذه الأنشطة غير القانونية بصورة كبيرة، إذ رافق انتقال العالم الواسع إلى الإنترنت ارتفاع في عمليات الاحتيال والخداع والاختراقات الأمنية الإلكترونية، وكان كوريون شماليون وراء كثير منها. بل إن بعضهم حصل على وظائف في شركات مشروعة داخل الولايات المتحدة، منتحلين صفة متخصصين في تكنولوجيا المعلومات يعملون عن بعد، وبرواتب وصلت إلى 300 ألف دولار سنوياً.
وحرص كيم على توجيه هذه الأموال نحو أولوياته، فعلى رغم أزمة الصحة العامة، لم يتراجع عن إعطاء برنامج الأسلحة النووية الأولوية، وكشف في يناير 2021 عن خطة دفاعية طموحة لخمس سنوات لتطوير أسلحة نووية تكتيكية و”رؤوس حربية نووية فائقة الضخامة” ومركبات انزلاقية فرط صوتية وغواصات تعمل بالطاقة النووية ومركبات مسيرة تحت الماء ومسيرات استطلاع. وقد أثمرت هذه الجهود، ففي أبريل (نيسان) 2025 قال قائد القيادة الشمالية الأميركية، وهو جنرال في سلاح الجو، أمام الكونغرس إن كوريا الشمالية اختبرت صاروخاً باليستياً جديداً عابراً للقارات يعمل بالوقود الصلب، ويرجح أنه قادر على “إيصال حمولة نووية إلى أهداف في جميع أنحاء أميركا الشمالية”.
منبر بكين للترهيب
مع بلوغ نظامه ذروة قوته في الداخل، بدأ كيم يستكشف الفرص المتاحة له في الخارج. ففي ذلك الوقت، كان التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين يتصاعد، وكانت بيونغ يانغ تدرك جيداً قلق بكين، ولا سيما مع سعي إدارة بايدن، بعد توليها السلطة مطلع عام 2021، إلى توثيق علاقاتها بحلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولم يكن ميل بيونغ يانغ إلى بكين أكثر من واشنطن أمراً مستغرباً، لكن اللافت أن كيم بدأ يعبر عن تأييده للصين بحماسة أكبر من السابق، ويتخذ مواقف من خطوات أميركية لا صلة مباشرة لها بكوريا الشمالية.
ففي مارس (آذار) 2021، كتب كيم إلى شي جينبينغ متحدثاً عن حاجتهما المشتركة إلى “التصدي للتحديات الشاملة والتحركات المعرقلة للقوى المعادية”، في إشارة إلى سياسة إدارة بايدن الجديدة الرامية إلى تعزيز التعاون مع الحلفاء والشركاء لمواجهة ممارسات بكين القسرية في آسيا وخارجها. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، انتقدت بيونغ يانغ الولايات المتحدة بشدة واتهمـها بتأجيج التوتر العسكري في مضيق تايوان من خلال ما يعرف بعمليات “حرية الملاحة” وتزويد تايوان بالأسلحة. وهكذا، بدأت بيونغ يانغ، للمرة الأولى منذ عقود، تصدر بيانات تؤيد مواقف بكين من تايوان. وفي أغسطس (آب) 2022، ندد متحدث باسم وزارة الخارجية الكورية الشمالية بزيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي آنذاك نانسي بيلوسي إلى تايوان، قائلاً إن الجزيرة “جزء لا يتجزأ من الصين”، وإن الولايات المتحدة هي “السبب الجذري وراء اضطراب السلام والأمن في المنطقة”.
كما دانت بيونغ يانغ إنشاء تحالف “أوكوس” بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، الذي تزود واشنطن بموجبه أستراليا بغواصات تعمل بالطاقة النووية، ووصفته بأنه “عمل بالغ الخطورة”. وانتقدت كذلك القمة الثلاثية التي عقدتها واشنطن عام 2022 مع اليابان وكوريا الجنوبية، وهي الأولى من نوعها منذ خمس سنوات، معتبرة أنها “مقدمة خطرة لإنشاء نسخة آسيوية من ’الناتو’”. أما حلف شمال الأطلسي نفسه، فوصفته بيونغ يانغ بأنه “تحالف صدامي” يسعى إلى إقامة “حصار عبر المحيط الهادئ لاحتواء الصين وعزلها”.
وكانت تلك كلها مواقف خطابية لا تكلف كوريا الشمالية الكثير ولا تنطوي على أخطار تذكر، لكنها تتيح لها إظهار دعمها للصين. فهي، في نهاية المطاف، دولة صغيرة وفقيرة لا تملك كثيراً لتقدمه إلى جارتها العملاقة. لكن مع تدهور علاقات كيم بواشنطن وسيول، كان حريصاً على ضمان بقاء شي إلى جانبه. وكما حدث في السابق، كان كيم يأمل على الأرجح في أن تدفع علاقته الوثيقة بالرئيس الصيني بكين إلى التراخي في تطبيق عقوبات الأمم المتحدة، وأن تعرقل أي تنسيق محتمل بينها وبين واشنطن في شأن نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية.
وقد لبت بكين ما كان يأمله، فعلى رغم موافقة الصين على عقوبات الأمم المتحدة، قدمت إلى بيونغ يانغ عام 2020 دعماً ساعدها في مواجهة الضغوط، وشمل، بحسب تقارير للاستخبارات الأميركية والأمم المتحدة، 32 حالة تهريب للوقود، و555 حالة نقلت فيها سفن سلعاً محظورة بموجب عقوبات الأمم المتحدة من كوريا الشمالية إلى الصين، فضلاً عن 155 حالة أبحرت فيها سفن لنقل الفحم ترفع العلم الصيني إلى كوريا الشمالية ثم عادت للصين بشحنات غير مشروعة. وكانت بكين، التي كثيراً ما وضعت الاستقرار على حدودها في مقدم أولوياتها، قلقة على الأرجح من تداعيات الجائحة على الوضع الداخلي في بيونغ يانغ، فيما كان شي حريصاً على إبقاء كيم ضمن دائرة نفوذه ومراقبته عن كثب.
واستفاد كيم أيضاً من تراجع التعاون بين الولايات المتحدة والصين مع احتدام المنافسة الاستراتيجية بينهما، فقد دأب المسؤولون الصينيون على دعوة واشنطن إلى ممارسة “ضبط النفس”، والتأكيد أن لكوريا الشمالية مخاوف أمنية “مشروعة”، وتحميل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مسؤولية تأجيج التوتر بسبب مناوراتهما العسكرية المشتركة في المنطقة، وكان هذا كله يصب تماماً في مصلحة كيم.
التحول نحو بوتين
على رغم محاولاته استمالة بكين، كثيراً ما أبدى كيم، شأنه شأن والده من قبله، انزعاجاً من اعتماد بلاده المفرط على الصين. وتزداد هذه العلاقة تعقيداً وحساسية نظراً إلى أن بكين تفضل الحفاظ على الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، وقد استخدمت نفوذها الاقتصادي لكبح جماح استفزازات نظام كوريا الشمالية. فعلى سبيل المثال، قطعت الصين إمدادات النفط عن كوريا الشمالية لمدة ثلاثة أيام عام 2003، عقب إطلاق بيونغ يانغ صاروخاً تجريبياً باتجاه المياه الواقعة بين شبه الجزيرة الكورية واليابان.
لكن كيم لم يتردد في إظهار أنه غير مدين لأحد، حتى لشي جينبينغ. ففي مايو (أيار) 2017، استفز الزعيم الصيني بإجراء تجارب على صواريخ باليستية قرب الحدود مع الصين، قبيل استضافة شي “منتدى الحزام والطريق”. وحتى عندما كان كيم يسعى إلى كسب ود بكين ويعلن دعمه لها في بداية الجائحة، كان يبحث في الوقت نفسه عن سبل للحفاظ على استقلاليته.
وعندما شنت روسيا حربها غير القانونية على أوكرانيا عام 2022، وجد كيم في تطورات الحرب فرصة مواتية أحسن استغلالها. فقد ظلت علاقات بيونغ يانغ بموسكو فاترة منذ نهاية الحرب الباردة، لكن كلا الطرفين رأى فائدة في الحفاظ عليها. فمن جهة أراد بوتين أن يكون له دور في شمال شرقي آسيا، ومن جهة أخرى رأى كيم دائماً في علاقته به وسيلة لتحقيق التوازن في علاقاته مع الصين وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. ومع حاجة روسيا الماسة إلى الدعم العسكري في حربها على أوكرانيا، تهيأت لكيم ظروف مواتية بصورة غير مسبوقة لإثبات أهميته لموسكو.
وفي سبتمبر (أيلول) 2022، بعد سبعة أشهر من بدء الحرب، كشفت واشنطن عن معلومات استخبارية رفعت عنها السرية تفيد بأن روسيا تسعى إلى شراء ملايين القذائف المدفعية والصواريخ من كوريا الشمالية، في مؤشر إلى أن العقوبات الدولية فرضت على موسكو ضغوطاً شديدة إلى درجة دفعت بوتين إلى طلب مساعدة بيونغ يانغ. وبحلول صيف وخريف 2023، كانت كوريا الشمالية قد أرسلت إلى روسيا، بحسب تقديرات عسكرية واستخبارية كورية جنوبية، صواريخ باليستية قصيرة المدى وصواريخ مضادة للدبابات وأخرى محمولة مضادة للطائرات، إضافة إلى أكثر من مليون قذيفة مدفعية.
في البداية، أنكرت بيونغ يانغ تورطها، ربما لتعزيز أوراقها في التعامل مع موسكو والحفاظ على أكبر قدر ممكن من المرونة في خطواتها التالية. لكن الدعم المادي الذي قدمته كوريا الشمالية إلى روسيا سرعان ما اكتسب أهمية كبيرة بالنسبة إلى كيم، في وقت كان يسعى إلى وضع بلاده ضمن كتلة أوسع من القوى التي تصف نفسها بأنها مناهضة للغرب والإمبريالية. وفي سبتمبر 2023، قام كيم بأول رحلة له خارج البلاد منذ بداية الجائحة، متوجهاً إلى منشأة لإطلاق المركبات الفضائية في أقصى الشرق الروسي. وأمضى كيم وبوتين أربع ساعات في الأقل معاً، وفق وكالة أنباء روسية رسمية، عرض خلالها بوتين مساعدة تكنولوجية في مجال الأقمار الاصطناعية وإمكانات للتعاون العسكري، فيما أعلن كيم تأييده لـ”العملية الخاصة” الروسية في أوكرانيا و”النضال ضد الإمبريالية”.
وفي يونيو (حزيران) 2024، زار بوتين بيونغ يانغ، حيث رفع الزعيمان مستوى علاقاتهما إلى “شراكة استراتيجية شاملة”، وتعهدا بأنه إذا دخل أي من البلدين حرباً بعد تعرضه للغزو، فإن الآخر سيقدم له المساعدة العسكرية. وكان هذا الاتفاق اللافت، الذي تردد فيه صدى صياغات وردت في اتفاق أبرمه الاتحاد السوفياتي وكوريا الشمالية عام 1961، بمثابة فتح الباب أمام تدفق الدعم الكوري الشمالي إلى روسيا. وبحلول نهاية عام 2024، كانت بيونغ يانغ قد أرسلت 11 ألف جندي إلى روسيا للقتال في أوكرانيا، وأكثر من 20 ألف حاوية شحن محملة بالذخائر، بينها ما لا يقل عن 6 ملايين قذيفة مدفعية ثقيلة و100 صاروخ باليستي، وفق عمليات رصد أجرتها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
وفي المقابل، كان بوتين، إلى جانب دفع مقابل الأسلحة والقوات التي قدمتها كوريا الشمالية، يزودها على الأرجح بالنفط ودقيق القمح والسكر والأسماك وفول الصويا، ويساعدها في الوصول إلى النظام المالي العالمي ودفع أجور عمالها، في انتهاك لعقوبات الأمم المتحدة. وبحلول نهاية عام 2024، كان البلدان قد تبادلا أيضاً وفوداً في مجالات الذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية والاستخبارات والعلوم والتكنولوجيا والرياضة والزراعة والثقافة.
ولم يعترف كيم علناً بإرسال قوات إلى روسيا إلا في أبريل (نيسان) 2025، قائلاً إن مهمتها كانت “إبادة المحتلين الأوكرانيين النازيين الجدد والقضاء عليهم”. ويرجح أن هذا الاعتراف جاء بعدما أصبح من الصعب إخفاء الخسائر الكورية الشمالية في الحرب، التي قدرت بنحو 6 آلاف، إلى جانب النجاحات الروسية – الكورية الشمالية في ساحة المعركة، مما وفر لكيم فرصة دعائية كبيرة أخرى.
كون صداقات جديدة وحافظ على القديمة
كان التحالف مع بوتين إنجازاً كبيراً بالنسبة إلى كيم، الذي ظل طويلاً زعيماً لدولة مارقة ينظر إليه باستخفاف. كما أن قدرته على تقديم كوريا الشمالية باعتبارها طرفاً مساهماً في مشروع مناهض للغرب أكسبته قدراً من الشرعية الأيديولوجية، سواء في أوساط شعبه أم على المستوى الدولي، إذ أصبحت بلاده تحظى بدعم عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي. وجلب ذلك فوائد ملموسة. ففي عام 2022، عرقلت روسيا والصين جهود مجلس الأمن الرامية إلى تشديد العقوبات على بيونغ يانغ. وفي عام 2024، تعاونتا أيضاً على إنهاء عمل لجنة خبراء الأمم المتحدة، باستخدام حق النقض ضد قرار في مجلس الأمن لتمديد ولايتها.
ومع أن بوتين وشي جينبينغ قالا إن صداقتهما “بلا حدود”، يرجح أن بكين شعرت بالانزعاج من التقارب الجديد بين كوريا الشمالية وروسيا. وحتى لا تتفوق عليها موسكو، ولتذكير بيونغ يانغ بأن الصين تظل مركز ثقلها الاقتصادي، زادت بكين حجم تجارتها مع كوريا الشمالية بأكثر من 25 في المئة بين عامي 2024 و2025. كذلك دعا شي كيم إلى حضور العرض العسكري عام 2025 ومنحه حضوراً بارزاً في مراسمه، في خطوة هدفت إلى تأكيد نفوذ بكين على جيرانها. وأسهمت هذه البادرة بدرجة كبيرة في تخفيف عزلة كيم الدولية، إذ لم يتضمن البيان الرسمي الصيني عن اجتماعهما الثنائي الخاص أي ذكر لنزع السلاح النووي، على خلاف البيانات الصينية السابقة، مما يوحي بأن الصين باتت مستعدة لقبول كوريا الشمالية كقوة نووية.
وفي غضون ذلك، حقق الجيش الكوري الشمالي تقدماً سريعاً بفضل استخدام روسيا صواريخه ومدفعيته وجنوده. ففي أبريل (نيسان) 2025، قال قائد القوات الأميركية في كوريا أمام الكونغرس إن الخبرة الروسية “ستتيح إحراز تقدم في برنامج [كوريا الشمالية] لأسلحة الدمار الشامل خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة المقبلة”. وعلى رغم المشكلات التي واجهتها الصواريخ الكورية الشمالية في البداية، قال رئيس الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية في أغسطس (آب) 2025 إن “دقتها، للأسف، تحسنت بعد التحديث الروسي”.
ولا تزال التقارير عن أشكال جديدة من التعاون بين الجانبين تتوالى، وإن بوتيرة متقطعة. فقد قدرت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن كوريا الشمالية تزود الجيش الروسي بما يصل إلى 40 في المئة من ذخائره. ووجد فريق بحثي بريطاني أن القوات الروسية تستخدم في طائراتها المسيرة الهجومية ذخائر عنقودية كورية شمالية لم تكن معروفة من قبل. كما يقول مسؤولون دفاعيون أوكرانيون إن القوات الكورية الشمالية باتت أكثر كفاءة في القتال. وقال قائد كتيبة هجومية أوكرانية لإذاعة “إن بي آر” العام الماضي إن الكوريين الشماليين يتعلمون الحرب الإلكترونية، وإنهم “انتقلوا من استخدام تكتيكات الحرب العالمية الثانية إلى التعامل مع ساحة المعركة باستخدام الطائرات المسيرة”.
ومع تحسن قدراتها العسكرية وتعافي اقتصادها وتوسع علاقاتها الجديدة على المستويين الإقليمي ودون الوطني، أصبحت بيونغ يانغ تتمتع بمرونة استراتيجية وتكتيكية أكبر من أي وقت مضى. وبعبارة أخرى، أصبح كيم يشكل تهديداً غير مسبوق للمنطقة.
اختبار الحدود
لا يزال من غير المرجح أن يقدم كيم على غزو شامل لكوريا الجنوبية، إذ قد يستدعي ذلك رداً من سيول وواشنطن ينهي نظامه. فكيم جريء وانتهازي، لكنه ليس انتحارياً. غير أن مكانته وقوته الجديدتين تجعلان احتمال لجوئه إلى تهديد جيرانه والضغط عليهم أكبر من السابق، وهو ما قد يضع الولايات المتحدة أمام معضلات استراتيجية.
فعلى سبيل المثال، قد ينفذ كيم عمليات عسكرية، سرية وعلنية، بهدف اختبار التحالف الأميركي – الكوري الجنوبي ومعرفة كيف سترد بكين وموسكو. وقد نفذت كوريا الشمالية عمليات من هذا النوع ضد سيول في الماضي، لكن الدعم المادي والتقني الذي تحصل عليه من موسكو، إلى جانب الانطباع بأن إدارة ترمب أصبحت أقل التزاماً بالتحالفات، زادا على الأرجح من ثقة كيم واستعداده للمخاطرة.
ولنأخذ البحر الأصفر مثالاً، فهو يضم خط الحدود الشمالي، الذي يشكل فعلياً الحدود البحرية بين الكوريتين، كما أنه غني بالثروة السمكية وقريب من موانئ رئيسة في كوريا الجنوبية، فضلاً عن مراكز سكانية كبيرة. لكن بيونغ يانغ لم تعترف قط بهذا الخط، الذي كثيراً ما أثار غضب كوريا الشمالية وشهد مواجهات متبادلة عدة بين الجانبين.
ويبدو أن كيم عازم الآن على زيادة الضغط على شرعية خط الحدود الشمالي. فقد وصفه بأنه “خط شبح”، ويبدو أنه يستلهم تحركات بكين في “المنطقة الرمادية” في بحر الصين الجنوبي لاختبار مدى تقبل سيول للتوغلات. ففي سبتمبر (أيلول) 2025، عبرت سفينة تجارية كورية شمالية الخط، مما دفع كوريا الجنوبية إلى بث تحذيرات وإطلاق طلقات تحذيرية. وبإعلان كيم أن بيونغ يانغ سترد على أي “غزو” عبر الحدود البحرية باعتباره “انتهاكاً لسيادة [الشمال] واستفزازاً مسلحاً”، أظهر استعداده لتحدي الوضع الراهن حتى مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر إشعال صراع عسكري.
وتؤكد سلسلة من التحركات والتصريحات الرسمية الكورية الشمالية تنامي استعداد كيم للمخاطرة. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أطلقت كوريا الشمالية قرابة 20 صاروخاً باليستياً من ساحليها الشرقي والغربي، في ما بدا رداً على مناورات عسكرية اعتيادية للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وسقط أحد الصواريخ في المياه الإقليمية لكوريا الجنوبية على بعد أقل من 40 ميلاً من مدينة سوكشو، وكانت تلك المرة الأولى التي تقع فيها حادثة من هذا النوع منذ الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي.
وفي المجمل، أطلق كيم نحو 70 صاروخاً عام 2022 وحده، وهو أكبر عدد تطلقه كوريا الشمالية في عام واحد في تاريخها. ثم تخلى في أواخر عام 2023 عن سياسة والده وجده الداعية إلى توحيد الكوريتين سلمياً، وأعلن أن كوريا الجنوبية “دولة معادية”.
وصعدت كوريا الشمالية أيضاً تهديداتها النووية، ففي يوليو (تموز) 2022 قال كيم، في خطاب حاد موجه إلى الولايات المتحدة وإلى يون سوك يول، الرئيس الكوري الجنوبي الجديد آنذاك، إن البرنامج النووي للشمال “جاهز لتعبئة قوته المطلقة كما ينبغي، بدقة وسرعة”، وفق وسائل الإعلام الرسمية. وعندما وصلت حاملة طائرات أميركية تعمل بالطاقة النووية إلى كوريا الجنوبية في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 للمشاركة في مناورات بحرية ثلاثية مع اليابان، صعدت بيونغ يانغ لهجتها وهددت باستخدام الأسلحة النووية استباقياً. وبعد أن كشفت كوريا الشمالية في أبريل (نيسان) 2025 عن مدمرة بحرية جديدة، هي أكبر سفنها الحربية، وتباهى كيم بأنها قادرة على تشغيل صواريخ يمكن تزويدها برؤوس نووية، أجرت محاكاة لضربة نووية مضادة ضد القوات الأميركية والكورية الجنوبية.
وعلى مدى سنوات، شكل التفوق العسكري لكوريا الجنوبية، المدعوم بالمظلة النووية الأميركية والقوات المسلحة الأميركية المتمركزة في البلاد، رادعاً أمام أي عدوان كوري شمالي، لكن من المرجح أن القدرات المتطورة التي حصل عليها كيم من موسكو، إلى جانب التقدم الذي أحرزه في برنامجه النووي، غيرت حساباته. فقد أشار تقدير للاستخبارات الوطنية الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2023 إلى أن كيم “قد يكون مستعداً لتحمل أخطار عسكرية تقليدية أكبر، اعتقاداً منه بأن الأسلحة النووية ستردع الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية عن القيام برد قوي إلى حد غير مقبول”. كما رجح التقدير أن يصبح الزعيم الكوري الشمالي أكثر جرأة إذا كان واثقاً من أن الصين وروسيا لن تعارضا تحركاته.
عودة كيم
بات لدى كيم اليوم مجموعة جديدة من المناورات الدبلوماسية، التي يمكنه استخدامها للحد من ردود الفعل على تحركاته العسكرية الرامية إلى تغيير الوضع الراهن. ولنتصور، مثلاً، سيناريو تتصرف فيه كوريا الشمالية بعدوانية في البحر الأصفر، ربما بإرسال عدد كبير من السفن العسكرية والتجارية إلى ما وراء خط الحدود الشمالي ومضايقة قوارب الصيد الكورية الجنوبية، بينما تعلن مجدداً أن بيونغ يانغ لا تعترف بالهدنة الكورية ولا بشرعية الحدود البحرية.
وكما حدث في السابق، قد يتبادل الجانبان إطلاق النار، لكن خلافاً للاشتباكات التي وقعت في أعوام 1973 و1999 و2002 و2009 و2010، تمتلك كوريا الشمالية اليوم أسلحة أكثر تطوراً وتنوعاً. وقد يهدد كيم باستخدام أسلحة نووية تكتيكية أو يلمح إلى ذلك، مما سيعقد بدوره التنسيق بين الجيشين الكوري الجنوبي والأميركي. وبعدها، يمكنه أن يتجه إلى الحوار الدبلوماسي مع ترمب، لا في شأن نزع السلاح النووي، بل حول وضع خط الحدود الشمالي، بما قد يثير شكوكاً في كوريا الجنوبية حول التزام الولايات المتحدة بالتحالف والردع الممتد ونزع سلاح كوريا الشمالية.
أما بكين، فعادة ما تعارض أية مواجهة عسكرية من هذا النوع، لكنها سترجح على الغالب إجراء حوار بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، خصوصاً إذا كان من شأنه إضعاف تحالف واشنطن مع سيول. وهكذا قد يحقق كيم مكسباً مهماً، عبر التوغل إلى ما وراء خط الحدود الشمالي، في الوقت الذي يصرف فيه الانتباه عن برنامجه النووي.
ويمكنه أيضاً أن يستخدم أوراقه الدبلوماسية بطرق أخرى، فلإظهار أهميته لبوتين، مثلاً، قد يبدأ محادثات مع كوريا الجنوبية ويستخدمها وسيلة للضغط من أجل الحد من دعم سيول لأوكرانيا. وكانت كوريا الجنوبية قد قدمت لأوكرانيا عام 2024 نحو 400 مليون دولار لإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية، فضلاً عن تعهدها بتقديم أكثر من ملياري دولار في شكل قروض منخفضة الفائدة وتوسيع التعاون الاقتصادي. ومن المرجح أن يؤدي تقليص دعم أوكرانيا إلى توتر علاقات كوريا الجنوبية بأوروبا، لكن إذا أبدى كيم انفتاحاً تجاه سيول، فسيصعب على الإدارة الرئاسية التقدمية في كوريا الجنوبية تجاهله، إذ يفضل هذا التيار تقليدياً اتباع نهج أكثر ليونة مع بيونغ يانغ، ولا سيما أن العلاقات بين حكومتي الكوريتين مجمدة منذ عام 2019. ومن المرجح أن يرحب الرئيس لي جاي ميونغ بفرصة استئناف الدبلوماسية بين الكوريتين، بما في ذلك استئناف لقاءات الأسر التي فرقتها الحرب الكورية. وفي المقابل، قد يحصل كيم على مزيد من الوقود أو تقنيات عسكرية أكثر حساسية من روسيا، فيما يضمن بوتين تراجع الدعم المقدم إلى أوكرانيا، وسيستفيد الاثنان من إحداث شرخ بين كوريا الجنوبية وأوروبا.
ولأن مصالح الصين وروسيا في شبه الجزيرة الكورية غير متطابقة، إذ تريد بكين الاستقرار بينما تريد موسكو تشتيت الانتباه، فهناك أيضاً سيناريوهات لا حصر لها يستطيع فيها كيم أن يلعب على التنافس بين شي وبوتين. ومن المهم هنا تذكر أن هذه الشراكة الثلاثية، خلف مظاهر الاستعراض والتقارب، تعتريها شكوك عميقة. فعلى سبيل المثال، حصلت صحيفة “نيويورك تايمز” على تقرير استخباري روسي وصف الصين بأنها “عدو” وحذر من التجسس الصيني.
وفي الوقت نفسه، يعرب مسؤولون وخبراء صينيون، في محادثات خاصة مع محاورين أميركيين، عن قلقهم حيال نوع التكنولوجيا العسكرية التي ربما تشاركها روسيا مع كوريا الشمالية، ومدى ما قد يمنحه ذلك كيم من جرأة لاتخاذ خطوات تصعيدية. وهم يريدون أن تعرف الولايات المتحدة أن الصين لا تؤيد تقارب روسيا المتزايد مع كوريا الشمالية. وكما قال تشو فنغ، عميد كلية العلاقات الدولية في جامعة نانجينغ، لوكالة “أسوشيتد برس”: “على رغم أن العلاقة بين روسيا وكوريا الشمالية عادت لمستوى التحالف العسكري، فإن الصين ترفض العودة لعام 1950”.
وقد يجد شي وبوتين نفسيهما، بسهولة، في موقف يجرهما إليه كيم من دون أن يكون أي منهما قد اختاره، أو أن يصب في مصلحته، فعلى رغم أنه ما لا تزال الصين تملكه من نفوذ اقتصادي كبير على كوريا الشمالية، يستطيع كيم استغلال قلق بكين من تنامي النفوذ الروسي لانتزاع مزيد من التنازلات منها. وفي المقابل، إذا شعر بأن ما يحصل عليه من روسيا من عتاد عسكري وخبرات لا يزال دون ما يريده، فقد يقلص دعمه للحرب في أوكرانيا ويقوض المجهود الحربي لبوتين. ويعزز هذا الاحتمال أن كوريا الشمالية تخترق، منذ عام 2022 في الأقل، أنظمة وزارة الخارجية الروسية وشركات الدفاع في البلاد، مما يوحي بأن كيم قد لا يكون راضياً عن مستوى الدعم الذي يتلقاه.
لم تعد المملكة المنعزلة
على نحو فاجأ الجميع، باتت كوريا الشمالية تملك عدداً لا بأس به من الأوراق. وقد أثبت كيم أنه لاعب إقليمي ماهر، وأتقن، مثل والده وجده من قبله، فن المناورة بين جيرانه الأكبر حجماً، تارة باستمالتهم وتارة بتهديدهم وإحباط مساعيهم. وبما أن الظروف الداخلية والخارجية لكوريا الشمالية تغيرت بصورة كبيرة خلال الأعوام الخمسة الماضية، باتت تحركات كيم قادرة على تحدي الوضع الراهن وإثارة الارتباك وتقويض مصالح الولايات المتحدة إلى ما هو أبعد بكثير من شبه الجزيرة الكورية.
في الماضي، عرضت واشنطن تخفيف العقوبات وتقديم مساعدات اقتصادية وإنسانية في محاولة للانخراط مع بيونغ يانغ وكبح تحركاتها. أما الآن، فإذا اختارت الولايات المتحدة استئناف الحوار، فسيتعين عليها أن تكون مستعدة لتقديم أكثر من ذلك بكثير. فلدى كيم شبكات جديدة وقدرات جديدة، كما بات هناك قبول ضمني بأن كوريا الشمالية ستظل قوة نووية. وعلى واشنطن أن تأخذ في الحسبان هذا المشهد الجيوستراتيجي الجديد، لأنه أياً تكن الوسيلة التي يختارها كيم لتحقيق أهدافه، دبلوماسية كانت أم عسكرية أم مزيجاً منهما، فإن ما يحدث في شبه الجزيرة الكورية لن تبقى تداعياته محصورة فيها.
مترجم عن “فورين أفيرز” مايو (أيار) / يونيو (حزيران) 2026، نشر في 21 أبريل (نيسان) 2026
جونغ باك زميلة مشاركة بارزة في مركز الأمن والدبلوماسية والاستراتيجية في جامعة فرييه بروكسل، وشغلت منصب نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ بين عامي 2021 و2024. وهي مؤلفة كتاب “أن تصبح كيم جونغ أون: رؤى ضابطة سابقة في وكالة الاستخبارات المركزية حول ديكتاتور كوريا الشمالية الشاب الغامض”.مايو (أيار) / يونيو (حزيران) 2026، نشر في 21 أبريل (نيسان) 2026
