حنان زبيس – صحافية تونسية.. موقع درج
على الرغم من محاولات المعارضة السياسية الاستثمار في فشل النظام التونسي ولمّ شملها من جديد بعدما أُضعفت إلى أقصى الحدود عبر الإيقافات والمحاكمات غير العادلة والتضييقات البوليسية، وحملات التشويه المتواصلة على منصات التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الرسمي، إلا أنها لم تستطع زعزعة عرش السلطة وضمان انخراط شعبي في المطالبة بتغييرها.
لماذا لا يثور التونسيون؟ سؤال نطرحه على أنفسنا يومياً، فكل شيء يحثّنا على ذلك: الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي والمياه في ظل درجة حرارة قياسية تُقارب الخمسين، النقص الفادح في المياه المعدنية إلى درجة أنه أصبح مسموحاً لكل مواطن أن يشتري قارورة واحدة في اليوم، النقص في البنزين بعد الإضراب المفاجئ في قطاع المحروقات الأسبوع الماضي ليُسفر عن طوابير طويلة أمام محطات البنزين، الحرائق المتكررة التي دمّرت أكثر من 12 ألف هكتار من الغابات ومعها مصدر عائلات فقيرة كثيرة تعيش على تخومها. وختامها مسك: فاجعة حلّت منذ أيام بمنطقة بن قردان الحدودية مع ليبيا بعد غرق مركب هجرة غير نظامية كان يقل 15 شخصاً، معظمهم من العائلة والحي نفسيهما. وأسفرت العملية عن موت 14 منهم، في حين تداولت مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات مؤلمة للعائلات المكلومة كان أكثرها وجعاً، فيديو لأخ عثر على جثة أخيه في البحر، أثناء بحثه عنه مع بقية المفقودين. وعند خروج الأهالي في بن قردان، المدينة الحدودية المُهمّشة منذ عشرات السنين، للتنديد بالأزمة الاقتصادية الخانقة وتواصل الفقر والبطالة، واجهتهم الشرطة بالملاحقات والغاز المسيل للدموع والإيقافات.
كل هذه الأحداث المتلاحقة حصلت خلال شهرين من الصيف القائظ، صيف سيظل في أذهان كل التونسيين، ليس فقط بسبب الحرارة غير المعتادة وإنما بسبب تواتر المشاكل والفواجع من دون وجود حلول لتخفيف أثرها على الشعب.
في الأثناء، تتراوح مواقف السلطة بين التجاهل أحياناً والتظاهر بإيجاد حلول ترقيعية أحياناً أخرى، عبر زيارات مفاجئة لرئيس الدولة الى بعض المناطق المنكوبة وتقديم الوعود الجوفاء بتقديم حلول من دون أن يحصل شيء على مستوى الواقع. وما يزيد الطينة بلة، أن السلطة الفاشلة لا تنفك تُبرر تقصيرها وعجزها عن حل الأزمات المتراكمة، بالخطاب الشعبوي المعتاد حول نظرية المؤامرة “والخونة” و”الفاسدين” و”أنصار المنظومة السابقة” من الإسلاميين الذين “يريدون تأجيج الأوضاع” لإسقاط النظام الحالي.
لكن حتى هذا الخطاب الذي كان يجد صدى كبيراً لدى شرائح واسعة من الشعب التونسي، لم يعد مقنعاً بالنسبة إليه، بما أنه فهم بعدما زُجّ بمعظم وجوه المعارضة من السياسيين وقياديي حركة النهضة في السجن، أن المشكلة لا تكمن في سوء الإدارة السابقة للبلاد، وإنما في عجز الإدارة الحالية عن رسم رؤية واضحة للخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة والمتواصلة.
وعلى الرغم من محاولات المعارضة السياسية الاستثمار في فشل النظام ولمّ شملها من جديد بعدما أُضعفت إلى أقصى الحدود عبر الإيقافات والمحاكمات غير العادلة والتضييقات البوليسية، وحملات التشويه المتواصلة على منصات التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الرسمي، إلا أنها لم تستطع زعزعة عرش السلطة وضمان انخراط شعبي في المطالبة بتغييرها.
عبثاً، حاولت حشد الدعم الشعبي لمطالبها باحترام الحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية وتنفيذ الوعود بالرخاء الاقتصادي، عبر تنظيم مسيرات دورية للتنديد بعجز السلطة والمطالبة برحيلها من خلال إطلاق شعارات قوية مثل “ارحل” و”جاك الدور يا قيس يا دكتاتور”، إلا أنها لم تتمكن من أن تُوسع دائرتها إلى أكثر من منخرطيها ومتابعيها التقليديين.
انقساماتها المتواصلة، وغياب الرؤية الواضحة لديها لتقديم بدائل للسلطة الحالية، بالإضافة إلى وجود أهم رموزها في السجون أو في المنفى، ذلك كله حال دون تحسين صورتها لدى الرأي العام التونسي، الذي يعتبرها “أصل الداء”، والسبب في فساد المنظومة السابقة التي دفعت بالبلاد إلى الوضع الحالي. كما أن البروباغندا المضادة التي يُغذّيها النظام وأنصاره ضد كل الأجسام الوسيطة من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني، لا تساعد أبداً في تجاوز هذا الوضع.
مع ذلك، لا يمكن أن ننفي وجود بعض المحاولات اليوم لتقريب وجهات النظر في ما بينها وتوحيد الساحات السياسية، على غرار ما تقوم به حركة “نفس”، وهي مكوّنة من مجموعة من الأحزاب والجمعيات، عبر تنظيم مسيرات تجمع في الوقت نفسه “الإسلاميين” و”الدساترة” (أنصار الحزب الحر الدستوري برئاسة عبير موسي التي تقبع منذ 3 سنوات في السجن) وأحزاب اليسار و”القوميين”، ولكن هذه المسيرات لا تحظى بتأييد شعبي، بما أن هناك خوفاً متأصلاً لدى قطاع واسع من الرأي العام من أن تكون هذه المحاولات ذريعة لتبييض المنظومة القديمة المتكونة سواء من الإسلاميين أو من أنصار بن علي.
على الجهة المقابلة، تتواصل وتتكثّف الاحتجاجات الشعبية للمطالبة بالحقوق الأساسية للشعب التونسي مثل الحق في الماء والكهرباء والبيئة النظيفة والصحة والشغل. وقد بلغت رقماً قياسياً في شهر تموز/ يوليو الماضي بمعدل 1101 تحرك احتجاجي وفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو معدل يُعدّ الأعلى منذ 10 سنوات. تحركات في معظمها عفوية، تأتي لتعبر عن الغضب الشعبي والتململ من غياب الحلول وانسداد الآفاق. وعلى الرغم من حرص القائمين عليها على ألا تحمل أية شعارات سياسية، حتى لا تُحتسب على أية جهة حزبية، ما قد يُضعف من مصداقية مطالبها الاجتماعية، إلا أن السلطة تتصدى لها غالباً بالقوة والعنف.
أبرز مثال على ذلك، ما حصل في منطقة “برج الرأس” من ولاية المهدية أخيراً، حين قُبض على العشرات من الشباب القصّر الذين خرجوا في تظاهرات بسبب انقطاع الماء في منطقتهم لمدة شهر كامل في حرارة تتجاوز الـ 45 درجة.
مع كل هذه التعقيدات، وفي ظل توافر كل عناصر اشتعال الأزمة والأسباب المقنعة والمُحفّزة لإحداث تغيير في السلطة، يبقى السؤال المطروح: لماذا لا يحدث هذا التغيير؟ ولماذا لا يثور التونسيون؟ ولماذا لا تأخذ الاحتجاجات الشعبية المتكررة طابعاً سياسياً وطنياً يؤسس لتونس ما بعد النظام الحالي؟
يمكن تفسير ذلك بأسباب عدة:
أولاً: القطيعة الحالية بين النخب السياسية والشعب، والتي غذّاها النظام، لا تزال موجودة بقوة، لأن فشل هذه الأخيرة في إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي، وتورّطها في مُفاقمة الفساد عبر اقتسام السلطة وغنائمها على حساب الاستجابة لمطالب التونسيين من شغل وحرية وكرامة، لا يزالان حاضرين في الأذهان. فمثلاً، اليوم، لا أحد يرغب في عودة الإسلاميين إلى الحكم بعدما ثبت تورطهم في تغذية الإرهاب وتمويله وعدم كفاءتهم في إدارة شؤون الدولة.
ثانياً: ضعف واهتراء الأجسام الوسيطة من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، إذ أثبتت التجربة هشاشتها وعدم قدرتها على بناء مشروع مجتمعي جديد يُوحّد كل أطياف الشعب التونسي وُيمهّد لبناء تونس الجديدة التي حلمنا بها بعد الثورة: تونس حرة، ديمقراطية، تتسع للجميع وتتحقق فيها التنمية والرخاء لكل أبنائها عبر منوال تنموي يخلق الثروة ويوزعها على كل الجهات بطريقة عادلة.
ثالثاً: تواصل وجود “إدارة عميقة” تتحكم بمعظم مفاصل الدولة وتمنعها من أن تأخذ منحى جديداً قد يخرجها من الأزمات المتراكمة، وتُفضل التصدي للمشاكل المتفاقمة بأدوات بالية وبحلول أثبتت عدم جدواها في التصدي للتحديات الراهنة سواء كانت اقتصادية أو بيئية أو اجتماعية، فكما تقول العبارة الفرنسية الشهيرة ” لا يُصنع جديد من قديم”.
تحجّر الإدارة ورفضها مواكبة التطورات العالمية واستخدام أساليب جديدة في التصدي للأزمات وإصرارها على اعتماد مقاربات كانت ناجعة في الثمانينات والتسعينات، يمنع من إدخال أي نفس جديد أو رؤية مختلفة. وبالتالي، وللتغطية على فشلها وعجزها، تقمع كل صوت مخالف وتفضل الحلول الأمنية والعنف على الانفتاح والحوار مع بقية مكونات المجتمع لإيجاد مقاربات جديدة.
رابعاً: الخوف من الديمقراطية كتجربة بعدما حُمِّلت تداعيات فشل كل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة في تحقيق مطالب الشعب التونسي بالحرية والكرامة، ما جعل أطيافاً كبيرة منه، تُفضّل العودة إلى تجربة الحكم الواحد والدكتاتورية على تحمّل عناء البناء والفشل وإعادة البناء من جديد، لتُفسح المجال للخطاب الشعبوي لاكتساح العقول وشيطنة تجربة “الانتقال الديمقراطي” من دون اقتراح بدائل مقنعة.
خامساً: في غياب معارضة قوية وموحّدة ووجود أجسام وسيطة فاعلة قادرة على التعبئة الشعبية على غرار الدور الذي كان يضطلع به الاتحاد العام التونسي للشغل، يصعب توحيد المطالب التي تطرحها الاحتجاجات الشعبية في مختلف أنحاء البلاد لتحويلها الى قوى ضغط سياسية تُجبر الدولة على إيجاد حلول حقيقية للأزمات أو على إحداث تغيير على رأس السلطة.
إن خوف القائمين على الاحتجاجات الشعبية في الجهات من تسييس مطالبهم، إلى جانب عدم قدرة المعارضة السياسية، بما تبقّى لها من وجوه، على استيعاب المطالب الشعبية بالحقوق الأساسية، يجعل من الصعب التقاء هذين الجسمين لتشكيل نواة لزخم شعبي يمكن أن يمتد من الجهات الداخلية إلى المدن الكبرى، ويفرض تغييرًا سياسيًا جذريًا.
يستفيد النظام الحالي من كل هذه العوامل للبقاء، من دون أن يجد نفسه مضطرًا إلى تقديم حلول جذرية للأزمات أو مراجعة سياساته. لكن تفاقم الأوضاع على جميع الأصعدة واحتداد وتيرة الاحتجاجات لا يمكن أن يسمحا باستمرار الوضع على ما هو عليه، وربما يؤذنان بانفجار شعبي قد لا تُحمد عقباه.