تتجاوز استعادة فيلم “ما بعد الحرب” إطار المشاهدة الأرشيفية العابرة لتتحول إلى مساءلة نقدية لطبقات الذاكرة البصرية الفلسطينية، فالفيلم الذي أخرجه سمير حسن، وأنتجته وكالة “الأونروا” عام 1967، كتقرير بصري ميداني يوثق تداعيات النكسة، ثم أُعيدت صياغته ودبلجته باليابانية عام 1977 عبر مؤسسة “إيوانامي للإنتاج السينمائي”، بالتعاون مع جمعية النداء الاجتماعي، ومركز إعلام الأمم المتحدة، يحمل في طياته دلالة تاريخية واستثنائية، خاصة مع إعادة الاعتبار إليه ضمن مشروع “شرائط طوكيو”، الذي لا يعيد اكتشاف وثيقة بصرية نادرة فحسب، بل يضعنا أيضًا في مواجهة مباشرة مع سينما شبكات التضامن الأممي التي نقلت وجع اللجوء من غور الأردن وعمّان إلى العاصمة اليابانية طوكيو.
يبني الفيلم مضمونه الفكري على مفارقة زمنية قاسية تدمج نكبة عام 1948 بنكسة عام 1967، حيث لا تظهر الحرب كحدث عسكري خاطف ينتهي بوقف إطلاق النار، بل كزلزال وجودي مستمر يعيد إنتاج الاقتلاع البشري للمرة الثانية، إذ يتتبع الشريط تدفق أكثر من مائتي ألف فلسطيني عبر نهر الأردن وجسر “اللنبي” المدمر، معرّيًا مأساة تحوّل النهر من مساحة جغرافية متصلة وحاضنة للحياة إلى خط هدنة وحدود قسرية تفصل بين الشرق والغرب، والحرية والاحتلال.
هذا الانشطار الجغرافي الذي فرضه تحوّل مجرى النهر إلى حاجز عسكري مصطنع يوازيه في الفيلم انشطار أعمق يمس الذاكرة والهوية الجمعية؛ فالكاميرا حين ترصد خطى العابرين فوق بقايا الجسر الملتوية لا تلتقط مجرد انتقال مكاني هربًا من أهوال المدافع، بل توثق مسارًا تراجيديًا تعاود فيه الجغرافيا التآمر على أصحابها.
يتحول الجسر المهدوم وسرير النهر الموحل إلى معبر إجباري يعيد فيه الفلسطيني استرجاع نكبة آبائه عام 1948 بحذافيرها، ولكن بمرارة مضاعفة تنبع من إدراك الوعي بأن النفي لم يعد استثناءً طارئًا، بل صار بنية متكررة وممنهجة.
إن الصورة هنا تفكك وهم النجاة المؤقتة؛ فالضفة الشرقية للنهر، التي قصدها الهاربون، لم تكن تملك سوى قسوة الرمال وشظف العيش، بينما تظل أعينهم معلقة بالضفة الغربية التي باتت تبدو قريبة المنال بالعين المجردة، لكنها محرمة ومستحيلة، بفعل فوهات البنادق، وسياج الاحتلال المستجد.
| من فيلم “ما بعد الحرب” |
ويتجاوز المخرج في بنائه الفكري هذا الحدث المفصلي ليكشف كيف تعيد النكسة تدوير أدوات ومفردات النكبة، حيث تصبح الخيمة والمدرسة والبطانية و”كرت” المؤن شهودًا على استمرارية الاقتلاع لا على انقطاعه، فالفيلم يغوص وراء هذا التكرار المؤلم ليعري استراتيجية الاستعمار الاستيطاني القائمة على محو الحيز المكاني الفلسطيني وتفتيت مجتمعه، مجبرًا اللاجئ على أن يعيش حالة اغتراب مركبة؛ فهو غريب في شتاته الجديد، ومحروم من أطلاله الأولى، ومطالب في الوقت ذاته بابتكار آليات للصمود في مواجهة عراء الصحراء وبيروقراطية الإغاثة.
ومن خلال هذا الربط العضوي بين هزيمتي 48 و67، يرفع الفيلم صرخته النقدية والسياسية: إن ما جرى لم يكن هزيمة لجيوش نظامية فحسب، بل كذلك تمزيق لوحدة الجسد الفلسطيني الذي لم يعد يملك من أرضه سوى خيط ماء فاصل يحاصره من جانبيه، محولًا مفهوم الوطن من جغرافيا متصلة إلى فكرة مشتتة تبحث عن سبيل للعودة والانبعاث.
وما يمنح الفيلم عمقًا غير مسبوق في معالجة سينما اللجوء أنه ينفذ إلى ما وراء الأزمة المعيشية واللوجستية؛ فالمأساة لا تقف عند توزيع أرغفة الخبز، ونقص المياه، وبناء الخيام الإسمنتية لمواجهة زمهرير الشتاء، بل تمتد إلى الانهيار النفسي والصدمات العصبية التي تفتك بأجساد الأطفال والنساء والشيوخ، وتتجلى هذه الحقيقة في إفادة الطبيب الذي يشخص آلام الأطفال وأرق اللاجئين وصداعهم المزمن كأعراض عضوية لعلة واحدة: الوقوف على الضفة الشرقية للنهر، والتطلع إلى الأرض التي ولدوا فيها وحُرموا من حق العودة إليها.
ويتحول الجسد البشري في هذه المشاهد إلى مرآة حية لآثار الصدمة والتمزق النفسي؛ فالتقرحات التي تغزو أفواه الصغار، ونوبات البكاء المباغتة، والعيون المحدقة في الفراغ، لا تنتمي إلى قاموس الأمراض السريرية المألوفة، بل تشكل تعبيرًا جسديًا خالصًا عن رعب القصف والتهجير القسري المباغت، إذ تلتقط الكاميرا ببراعة إيماءات الوجوه وانقباضات الملامح التي تفضح عمق العصاب الجمعي، حيث يعيد اللاوعي إنتاج أهوال الحرب على هيئة كوابيس ليلية متكررة، وأرق ينهش ساعات الراحة القليلة المتاحة داخل الخيام.
| من فيلم “ما بعد الحرب” |
الفيلم يؤسس هنا لمنظور غير مسبوق في توثيق اللجوء؛ إذ ينتقل من مفهوم الضحية الإغاثية التي تحتاج فحسب إلى مأوى ووجبة طعام، إلى الإنسان المستلب روحيًا ووجدانيًا، والذي يعاني من انشطار داخلي نتيجة انتزاعه العنيف من فضائه الجغرافي والاجتماعي المألوف.
ويتعمق هذا التوصيف الإنساني حين يفكك الطبيب المعالج دلالة الألم العصبي غير المبرر، رابطًا إياه مباشرة بقرب المسافة البصرية من الوطن السليب، وعجز الجسد عن بلوغه، في آن معًا، فالتحديق اليومي في تلال الضفة الغربية وسهولها الممتدة على مرمى حجر يولد حالة مزمنة من العجز والشلل النفسي تترجمها أدمغة الكبار وأجساد الصغار إلى صداع دائم ووهن لا تنفع معه مسكنات الإغاثة الطبية، وهو ما يثبت به الفيلم أن المأساة الحقيقية للنكسة تكمن في حبس الفلسطيني داخل فضاء جغرافي برزخي؛ حيث تقع عيناه على قريته، أو مدينته وذكرياته، لكن يد الاحتلال تحول بينه وبين خطوته التالية، ما يجعل من البقاء حيًا على الضفة المقابلة شكلًا قاسيًا من أشكال العذاب اليومي الذي لا تمحوه مساعدات العالم، ولا تضامنه الرمزي.
سينوغرافيًا وتكوينيًا، يتخذ الفيلم من فضاء اللجوء مسرحًا مفتوحًا للصراع والتناقض البصري؛ إذ يرسم المخرج عبر الكاميرا تضادًا صارخًا بين أطلال مخيم أريحا القديم، الذي تأسس بعد النكبة، وأضحى مدينة أشباح موحشة لا يجوبها سوى حارس وحيد يمتطي جواده، وبين التكدس الإنساني الهائل في مخيمات عمّان الجديدة ومدارسها، وخيام وادي الضليل الصحراوية.
وتتحول البيئة المكانية، من حطام الجسور الحديدية الملتوية، والمقاعد الدراسية التي افترشتها العائلات في عطلة الصيف، وأروقة عيادات الطوارئ المزدحمة، وحتى الصحراء القاحلة ذات العواصف الرملية، إلى مفردات سينوغرافية توثق هشاشة الجسد الإنساني أمام عنف الاقتلاع. إن سينوغرافيا الفيلم لا تعتمد على ديكورات مصنعة، بل على تأطير الواقع المادي الخام، جاعلة من تفاصيل مثل طوابير الإعاشة، والخيام التي تبتلعها السيول، وتدفن أثاث اللاجئين في الطين، تجسيدًا ماديًا لبيروقراطية اللجوء، وقسوة المنفى.
على المستوى التقني والفني، يعتمد الفيلم جماليات الواقعية المباشرة، وسينما الحقيقة، من خلال تصوير غني بالتدرجات الرمادية المتباينة بالأبيض والأسود، بعدسات روبي بريدي، وبيتر ستوركن. وهنا يبتعد الإخراج عن البلاغة الإنشائية الفضفاضة، موازنًا بدقة بين اللقطات العامة والبانورامية التي تُبرز حجم الطوفان البشري وزحف الآلاف في الطرقات الصحراوية، وبين اللقطات القريبة والمقربة جدًا التي ترصد حركة الأيدي المرتجفة أثناء استلام حصص الخبز، ووجوه الأطفال المتعبة من الغبار وتقرحات الفم، والعيون الحائرة في طوابير العيادات.
يتكامل هذا التكوين البصري مع شريط صوتي متقن من تصميم سليم فاخوري، حيث يمتزج صمت الصحراء، وعويل الرياح، وأصوات بكاء الأطفال، مع موسيقى تصويرية ذات نغمات حزينة ومتقشفة من تأليف ألين هوفي، ما يعزز ثقل اللحظة الدرامية من دون استدرار عاطفي ميلودرامي مفتعل.
يصل الفيلم إلى ذروته التفكيكية في جزئه الأخير، حين ينتقل المخرج بذكاء من حيز المساعدات الإغاثية الشكلي إلى استنطاق النخب الشبابية والمثقفة من لاجئي النكسة في عمّان، إذ تواجه الكاميرا شريحة شابة، من بينهم خريج الحقوق محمد عزيز شاكر، الذي اضطر للعمل في سينما الحسين مقابل أجر زهيد، والسكرتيرة التي تشتتت عائلتها بين القدس وعمّان وباريس، وطلبة الطب والعلوم السياسية المقطوعين عن قراهم ومدنهم، مثل رام الله والخليل، مقدمًا مساحة سردية ثورية ترفض اختزال اللاجئ في رقم إحصائي، أو متلق سلبي للمساعدات الدولية، ما يكشف عن تحول جذري في الوعي؛ إذ تبرز الإرادة والتمسك بالتعليم كأداة للمقاومة واستعادة الهوية، مترافقة مع تأكيد قاطع على أن الحقوق لا تُمنح ولا تُستجدى عبر قرارات الأمم المتحدة، أو التسويات السياسية المؤقتة، بل تُنتزع بالفعل الجماعي، والوعي المقاوم.
تكتسب إعادة قراءة فيلم “ما بعد الحرب” اليوم خصوصية استثنائية واستشرافية في ظل ما يشهده الواقع الفلسطيني الراهن، فالشريط لا يقف عند حدود كونه وثيقة أرشيفية تؤرخ لماضٍ انقضى، بل يتبدى كمرآة بصرية عابرة للزمن تكشف أن منطق الإبادة والاقتلاع ليس حدثًا معزولًا، بل هو سيرورة استعمارية مستمرة ومتناسلة؛ حيث تستعيد مشاهد العائلات وهي تحمل ما تيسر من أمتعتها البسيطة تحت القصف عام 1967 ذات الصور المؤلمة التي تتكرر اليوم في غزة مع كل أمر إخلاء قسري، وكل مسير لجوء جديد على الأقدام بين الركام، مثلما تتقاطع مأساة تقطيع الأوصال والعيش في مناطق معزولة ومحاصرة مع واقع الضفة الغربية الراهن الذي تنهشه المستوطنات، وتفصل بين قراه ومدنه بوابات الحديد.
إن هذا التماثل القاسي بين خيام وادي الضليل عام النكسة، وخيام النزوح المعاصرة في مواصي غزة، يثبت أن النكبة لم تكن محطة تاريخية انتهت عام 1948، أو توقفت عام 1967، بل هي بنية قهر متواصلة تعيد إنتاج أدوات الإخضاع ذاتها، في حين تظل عين الفلسطيني، رغم الحصار والإبادة، مشدودة إلى أرضه السليبة، محولةً الصورة والذاكرة إلى سلاح اشتباك ومقاومة في وجه المحو والنسيان.