تواصل “بوكر” أداء هذا الدور بفوز الكاتبة التايوانية يانغ شوانغ- تسي ومترجمتها التايوانية الأميركية لين كينغ بجائزة هذا العام البالغة خمسين ألف جنيه إسترليني، عن رواية «مدونات رحلة تايوان» Taiwan Travelogue، التي حققت سابقة باعتبارها أول عمل مترجم من الصينية المندرينية يفوز بالجائزة عبر تاريخها. كما أصبحت يانغ شوانغ- تسي أول كاتبة تايوانية تنال «بوكر الدولية»، فيما تُعدّ لين كينغ أول مترجمة تايوانية أميركية تتقاسم هذا التتويج مناصفة.
بدأت يانغ شوانغ- تسي مسيرتها الأدبية بالتزامن مع الطفرة التي شهدتها الروايات الرومانسية في تايوان خلال تسعينيات القرن الماضي، وهو ما طوّر مهارتها في بناء العلاقات العاطفية والتقاط التوترات النفسية داخل السرد. غير أن تجربتها لم تتوقف عند الرواية؛ إذ امتدت إلى كتابة المانغا، وسيناريوهات ألعاب الفيديو، والمقالات النقدية، ما منحها حساسية خاصة تجاه الثقافة الشعبية وآليات الحكي الجماهيري. ومن خلال هذا التنوع، استطاعت أن تمزج بين خفة السرد الشعبي وتعقيد الأسئلة التاريخية والسياسية، من دون أن تفقد نصوصها طابعها الحميمي.
وتُعدّ «مدونات رحلة تايوان» أول أعمالها المترجمة إلى الإنكليزية، وقد سبقت “بوكر” الدولية بحصد «الجائزة الوطنية للكتاب للأدب المترجم» عام 2024، إلى جانب الجائزة الافتتاحية لـ«بايفانغ شيل للكتاب» التابعة لـ«جمعية آسيا». كما تُرجمت الرواية، أو يجري العمل على ترجمتها، إلى عدد من اللغات، بينها اليابانية والكورية والألمانية والإيطالية والهولندية والدنماركية واليونانية.
أما مترجمة الرواية، لين كينغ، فهي كاتبة ومترجمة تايوانية أميركية نشرت أعمالها القصصية في عدد من المجلات والمنصات الأدبية، وحصلت على «جائزة بن/داو للقصة القصيرة للكتّاب الناشئين»، فيما يُنتظر صدور روايتها الأولى «ويب». وقد بدا حضورها في «مدونات رحلة تايوان» أبعد من مجرد وسيط لغوي، خصوصًا مع الطبيعة المركبة للنص القائم على تعدد الأصوات والطبقات السردية.
تنطلق الرواية من خدعة أدبية محكمة؛ إذ تتخفى شوانغ- تسي خلف قناع «المحررة»، موهِمةً القارئ بأنه أمام مخطوطة تاريخية حقيقية ومذكرات سفر يابانية مفقودة، أُعيد اكتشافها وترجمتها حديثًا. ولتعزيز هذا الإيهام، تمتلئ الصفحات بالهوامش والتعليقات السفلية والإحالات التي تحاكي الكتابة الأكاديمية، بما يمنح النص كثافةً توثيقية تُربك الحدود بين الحقيقة والتخييل. وهو ما دفع ناتاشا براون، رئيسة لجنة تحكيم “بوكر” الدولية، إلى وصف الرواية بأنها عمل «يحيط قصة الحب في قلبه بطبقة ميتاسردية آسرة».
نكهات من أرض الجنوب
تنفتح رواية «مدونات رحلة تايوان» على أيار/ مايو 1938، في ذروة الاحتلال الياباني للجزيرة، حين تبدأ الرغبة في السفر بوصفها انجذابًا غامضًا إلى الجنوب:
«كانت تايوان أبعد جنوبًا، كيف يكون حالها في نوفمبر؟ تذكّرت سفن الشحن التي كانت تمر عبر ميناء موغي في كيوشو محمّلة بصناديق الموز القادمة من تايوان يومًا بعد يوم. كانت تلك الذكرى كافية لتملأ الهواء من حولي برائحة منعشة وعطرة في الوقت نفسه. نمت الفكرة في داخلي وتجذّرت: في رحلتي القادمة، سأذهب إلى تايوان».
تصل الروائية اليابانية الشابة «أوياما تشيزوكو» إلى الجزيرة بدعوة من الحكومة الاستعمارية، لكنها سرعان ما تُدير ظهرها للمآدب الرسمية والخطاب الإمبريالي، مفضِّلةً الانغماس في الحياة اليومية للجزيرة واكتشاف مطبخها المحلي بشغف يكاد يوازي شغفها بالكتابة. ومنذ لحظة وصولها، تبدو تايوان فضاءً حسيًا متدفقًا بالألوان والروائح والأصوات:
«شعرتُ بالدوار والانبهار معًا؛ كانت شمس مايو/أيار دائرة من ضوء حارق تجعل كل لون أشد كثافة، وكل رائحة أكثر حضورًا. رائحة النهر، والنباتات، واللحم النيئ، والأعشاب، والفاكهة؛ كل شيء كان يتدفق نحوي ويتكاثر تحت السماء الزرقاء العميقة… آه… إذًا هذه هي تايوان، أرض الجنوب!».
غير أن الرحلة لا تلبث أن تنعطف إلى مشاعر إنسانية ملغزة، مع تعيين المترجمة التايوانية الشابة «تشيزورو» لمرافقة تشيزوكو. لا يجمع المرأتين تشابه الاسمين فحسب، بل تنشأ بينهما ألفة متوترة تتشكل عبر الرحلات الطويلة، وموائد الطعام، والحوارات العابرة. وبفضل ذكاء تشيزورو وثقافتها ومهارتها الاستثنائية في الطهي، تنفتح «أرض الجنوب» أمام الكاتبة اليابانية بوصفها عالمًا كاملًا من النكهات والطبقات الاجتماعية والذاكرة الاستعمارية. ولهذا لم يكن الطعام في الرواية مجرد تفصيل جمالي، بل بنيةً أساسية للسرد، حتى إن كل فصل يحمل اسم طبق تايواني تقليدي.
ومن رحلات القطار الخلابة، وأطباق الأرز بلحم الخنزير المطهو ببطء، وأكواب شاي البطيخ الشتوي، تتولد مشاعر متزايدة لدى تشيزوكو تجاه رفيقتها، إلا أنها تصطدم دومًا بتحفظ غامض تُبديه تشيزورو، كأن ثمة حاجزًا خفيًا يفصل بينهما. ولا تدرك تشيزوكو طبيعة ذلك الحاجز إلا متأخرة، بعد فراق موجع.
ما بعد الكولونيالية
تُدرك الكاتبة أن علاقاتها داخل تايوان لم تكن بريئة من اختلالات السلطة التي فرضها الاستعمار. فهي، مهما حاولت التمرد على الخطاب الإمبريالي، تظل ابنة طبقة المستعمِر المتمتعة بامتيازات لا تراها بالكامل، بينما تنتمي مترجمتها «تشيزورو» إلى الطرف الذي يعيش محوَ الهوية والإقصاء والمهانة اليومية تحت الحكم الياباني. من هنا، يصبح الحب نفسه محاصرًا بفجوة سياسية وتاريخية يستحيل تجاوزها بسهولة، كأن العلاقة بين المرأتين تُختبر دائمًا داخل حدود غير مرئية رسمها الاستعمار مسبقًا. ولهذا رأت ناتاشا براون، رئيسة لجنة تحكيم “بوكر” الدولية، أن الرواية تحقق «إنجازًا مزدوجًا»، لأنها تنجح بوصفها «رواية رومانسية وعملًا ما بعد كولونيالي نافذًا في آنٍ واحد».
يرى كثير من النقاد أن قوة الرواية تنبع من هذا المزج بين الحميمي والتاريخي. فقد كتبت مارسي غيفنر في «واشنطن إندبندنت ريفيو أوف بوكس» أن الرواية «تتجاوز كونها مجرد وليمة لعشاق الطعام أو حكاية لرحّالة يكتفون بالسفر من مقاعدهم»، لتصبح رحلة داخل عالَمَي امرأتين تحاولان التوفيق بين الصداقة، وربما الحب، وبين الهوّة الهائلة التي تصنعها الفوارق الطبقية والثقافية. فيما وصفتها لورين يو- تينغ بو في «ووردز ويذاوت بوردرز» بأنها «سجل جريء لمرحلة معقدة في تاريخ تايوان»، لا لأنها تستعيد التفاصيل المادية لفترة الاستعمار الياباني فحسب، بل لأنها تكشف أيضًا القسوة الاجتماعية التي عاشها الناس وسط امتزاج متوتر بين الثقافات الصينية واليابانية وثقافات السكان الأصليين والغرب.
في حوار معها، أوضحت يانغ شوانغ- تسي أن هذا التعقيد التاريخي كان الدافع الأساسي وراء كتابة الرواية، قائلةً: «كانت كلٌّ من كوريا وتايوان مستعمرتين سابقتين للإمبراطورية اليابانية، لكن الكوريين يبدون شعورًا موحدًا بالمرارة تجاه تلك المرحلة، بينما ينظر التايوانيون إليها بمزيج أكثر تعقيدًا من النفور والحنين». وأضافت أنها أرادت، من خلال منظور تايواني معاصر، «تفكيك الظروف المعقدة التي واجهها سكان تايوان في الماضي، واستكشاف نوع المستقبل الذي ينبغي أن نسعى إليه».
خيال خارج الحدود
لم يكن فوز «مدونات رحلة تايوان» مجرد تتويج لرواية تستعيد ذاكرة استعمارية معقدة، بل بدا أيضًا احتفاءً بفكرة الترجمة كفعل عبور ثقافي وسياسي. ففي خطاب قبولها للجائزة، أكدت يانغ شوانغ- تسي أن «الأدب لا يمكن فصله عن التربة التي نما فيها، وبهذا المعنى، لا يستطيع على مستوى جوهري أن ينفصل عن السياسة»، مشيرةً إلى أن الأدب التايواني ظل طوال القرن الماضي مدفوعًا بسؤال واحد: «أي مستقبل يريده شعب تايوان؟». كما ربطت الكاتبة بين تجربتها الشخصية والترجمة، في سياق شعار الدورة الحالية «الخيال خارج الحدود»، قائلةً: «بالنسبة لشخص مثلي لا يقرأ إلا بلغة واحدة، فإن مجال رؤيتي للعالم كان سيصبح محدودًا للغاية لولا الترجمة. الأدب المترجم بمثابة زوج ثانٍ من العيون بالنسبة إليّ»، مضيفةً أن المترجمين «أدلاء أساسيون يقودون القراء عبر الطرق الوعرة في الأراضي غير المألوفة».
لم ينفصل هذا التصور عن وعي المترجمة لين كينغ، التي كشفت أن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا دفعها إلى تكريس جهودها لترجمة الأدب التايواني حصريًا، رغبةً في نقل أصوات متعددة إلى الإنكليزية كنوع من المقاومة للاختزال الثقافي. ووصفت المشهد الأدبي التايواني بأنه «ليس جوقة متناغمة، بل ضجيج متعدد الأصوات، متناقض ومتمرّد، مثل أي ديمقراطية حيّة وقوية».
جاء تتويج الرواية بعد منافسة مع خمسة أعمال ضمن القائمة القصيرة، هي: «المخرج» للكاتب الألماني دانيال كيلمان، و«الساحرة» للكاتبة الفرنسية ماري نداي، و«تلك التي تبقى» للكاتبة رينيه كاراباش، إلى جانب «على الأرض كما في الأسفل» للبرازيلية آنا باولا مايا، و«الليالي هادئة في طهران» للكاتبة الألمانية الإيرانية شيدا بازيار. وقد خضعت الأعمال المرشحة لتقييم لجنة تحكيم متعددة التخصصات ترأستها الكاتبة البريطانية ناتاشا براون، وضمّت عالم الرياضيات ماركوس دو سوتوي، والمترجمة صوفي هيوز، والكاتبَين تروي أونيانغو ونيلانجانا إس روي، وذلك لاختيار أفضل عمل مترجم إلى الإنكليزية وصادر في المملكة المتحدة أو أيرلندا بين أيار/ مايو 2025 وأبريل/ نيسان 2026.