العنصرية التي يتعرض لها المواطن الهاييتي الملون على شاطئ البحر وفي المطارات وفي الشارع الكوني، والعنصرية التي يتعرض لها الفلسطيني في حياته اليومية وفي وجوده وعلى الحواجز الإسرائيلية، يعود الشاعر والروائي الهاييتي رودني سانت إيلوي والروائية والمترجمة الفلسطينية يارا الغضبان اللذان يديران معا دار نشر “ذاكرة محبرة” في كندا، في كتاب جديد مشترك بالفرنسية بعنوان “الفاشيون لم يعدوا النجوم أبدا” الذي سيخرج إلى المكتبات في سبتمبر/أيلول المقبل. مجموعة مراسلات بين الكاتبين حول ثيمة واحدة يناضلان من أجل تفكيك شراستها هي الفاشية، وذلك بعد كتابهما الأول المشترك “العنصريون لم يشاهدوا البحر أبدا”.
يحكي كل منهما قصته مع الفاشية وعدته في الحياة للتصدي لها. وهنا حقل المتعة في الكتاب، فالاستشهادات والمراجع المعرفية لكليهما تجعلنا نأنس عالمهما. يبتعد كل منهما عن الكليشيه والوعظ والندب، ويدخل في حدائق المعرفة والفن والأدب ليأتي بشواهده عن الصراع ضد الفاشية. الشعر والفلسفة والميثولوجيا والرواية والصداقات وأفق البحث عن السبيل إلى الخروج من نفق الفاشية الضيق والعميق والمطبق. يقولان ما يشجع على القول لأن القول الذي يحبط يزيد من وحشة الكون بحسب كامو.
يأتي كتاب “الفاشيون لم يعدوا النجوم أبدا” ليكمل المراسلات التي لا تنتهي بين كاتبين ينظران إلى العالم بعين جريئة ومحبة ويريان المستقبل الذي يصران على فتح دروبه الإنسانية، إلى جانب أقلام كثيرة وسرديات كثيرة في هذا العالم. ويدرجان فكرة البداية في فلسفة الكتاب: نحن لا نبدأ من جديد إنما تتجدد بدايتنا.
ليس الكتاب مانيفست يفضح الفاشية والعنصرية، ولا دليلا سلوكيا أو معرفيا أو اجتماعيا، ولا صك إدانة. إنها سرديات حقيقية معاشة وتضامن عميق مع الحياة والعدالة ونقد ورفض وموقف أخلاقي. سرديات تخوض أيضا في الذات، فندخل في حميمية البحث ونديته.
يكتب كل منهما عن تجربة شعبه مع العنصرية كي تتجنب الإنسانية الانطواء على الذات، في فترة يشهد العالم فيها صعود الفاشيات واليمين المتطرف ويشهد فيها الكثير من الانزياح الأخلاقي عن القيم من أجل الحفاظ على المكاسب المتوحشة.
يبتدئ الشاعر الهاييتي الكتاب برسالة إلى يارا يحدثها فيه عن حلمه: “في الحلم رأيت إيمي سيزير، كان وجهه مبتهجا، وكنت أبحث عن صوت يواسيني. لم أعد أعرف شيئا عن الأحلام. مع أن مهنتي هي الحلم. حين أفقت بدأت الكتابة، الحلم هو إشارة عن العالم. نحن في قلب العاصفة، قولي لي أين أجد مفتاح الكلمات في هذه الليلة الحالكة”.
فيأتيه الرد: “أفيق ويكاد هاتفي ينفجر من الصور والمراسلات والموت في غزة. في هذا الربيع من مارس/آذار 2025، وقعت إسرائيل الهدنة. وعادت ونقضت الاتفاق. الغزيون، الذين أجبروا على ترك بيوتهم يعودون إليها سيرا عن طريق البحر… الإبادة تستمر والعصافير تزقزق أيضا. سيعود الربيع أحياء كنا أم قتلى”.
يبحث الكاتبان في جذور العنف. فلسطين المبادة، وهاييتي الخراب. ينظران إلى صعود الفاشية وتراكم الكوارث، وكوارث المناخ التي تلوح. الفاشية من وجهة نظر روائية فلسطينية وشاعر هاييتي، رسائل من ارتجت بهم الأرض، تبحث في تاريخ العنف الذي شكل عنف اليوم.
ينظر كل منهما في عين الخسارات، تدريب على القول والتكرار، كمن يبدأ من جديد ما بدأه البارحة وكل يوم جديد من جديد، تمرين على قول الحقيقة. رسائل تختلط فيها الحكايات بالتجارب بالذكريات بالقراءات بالسينما والمعارض والموسيقى والأساطير والأمثال.
ويبدآن من جديد بدهشة البداية، هذه الدهشة التي تجعل المعجزة ممكنة. يبتعدان عن كل سلطة ليبقيا في منطقة احتمال حلول الجمال. هذه المرارة والدهشة والجرأة والكشف وملاطفة المصير، تجعل عقلنا وقلبنا لا يفلتان الكتاب طوال صفحاته التي تسقط فيها الفاشية صفحة وراء صفحة.
