تثير التفاعلات المتصلة برسالة تضامن مفتوحة مع المعتقلين السياسيين في إيران، نشرت في الغارديان البريطانية يوم 20 آب الماضي، ووقع عليها أكاديميون وكتاب من عدة بلدان، انفعالات من الحيرة والحزن في نفس المتضامن. تعرض هذه السطور فحوى الرسالة، ثم تنظر في ثلاثة من التفاعلات المعنية. أولها سحب أربعة من الموقعين العرب توقيعاتهم في الأيام اللاحقة لنشر الرسالة، وثانيها هجمة الإرهاب الرقمي الواسعة التي أعقبت نشر الرسالة وكانت فيما يبدو الدافع الأقوى وراء سحب بعض التوقيعات، وثالثها ردود مناضلين ومناضلات إيرانيات على الهجمات الإرهابية.
الرسالة تعلن تضامن الموقعين مع «زملائنا من النشطاء والطلاب والمفكرين والعمال والفنانين وغيرهم من المعتقلين السياسيين في إيران، الواقعين اليوم بين شفرتي مقص حكومة الجمهورية الإسلامية والعدوان الإمبريالي والصهيوني على إيران». تقول الرسالة لمخاطبيها: «إنكم تواجهون من جهة الجمهورية الإسلامية التي فرضت منذ بدايتها تحكماً اجتماعياً وسياسياً مطلقاً، قائماً على إيديولوجية استبعادية. هذا نظام يزعم مواجهة القوة الإمبريالية لكنه يستخدم منطقها ذاته في السيطرة وأنظمة الاعتقال والتقييد والتعذيب والإعدام. ومن جهة أخرى تواجهون عدوان وعنف القوى الإمبريالية الصهيونية ذاتها التي تقول الجمهورية الإسلامية إنها تقف ضدها. لقد أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً وحشية، تدمر البنى التحتية المدنية وتقتل طالبات المدارس البريئات، وتعاملكم كأضرار جانبية، وهذا في إطار سعي هاتين القوتين إلى السيطرة الإقليمية». ليس هناك لبس في إدانة الرسالة للعدوان الأمريكي الإسرائيلي، وينبغي أن يكون المرء متهاوناً في إطلاق الأحكام العدائية بقدر حميد دباشي حتى يستطيع القول تعليقا على الرسالة بأنها تدعو إلى تدخل إنساني لتحرير المعتقلين الإيرانيين.
صورة شفرتي المقص استخدمها معتقلون سياسيون إيرانيون لوصف وضعهم، مثلما قالت الرسالة نفسها، ومثلما أكدت فرح مختاريزاده في مقالة مطولة تعلق فيها على تفاعلات الرسالة، ثم مثلما ذكرت فاطمة شمس في مقالة أحدث. لكن يبدو أن هذه الصورة فسرت بأنها تقيم تناظراً أو مساواة بين الحكومة الإيرانية والمعتدين الأمريكيين والإسرائيليين، وهي نقطة تكررت في التهجمات على الرسالة، وأوردها أحد المنسحبين العرب في تبرير سحب توقيعه. لكن من أي موقع يمكن فهم ذلك كتناظر؟ لو كنا في سياق تحليل جيوسياسي للحرب لربما كان ذلك وجيهاً، لكن من موقع ضحايا النظام الإيراني من المعتقلين السياسيين الذين تتضامن معهم الرسالة ليس الأمر كذلك بحال. هل ينتظر بالفعل من المعتقلين السياسيين الإيرانيين وأولئك المحكومين بالإعدام أن يحيدوا موقفهم من النظام الذي يعتقلهم ويعذبهم ويحاكمهم محاكمات صورية ويقتلهم لأنه يتعرض لعدوان خارجي؟ أليس من الأولى أن يقال هذا الكلام للنظام، وليس لمن وقعوا تضامنا مع معتقليه؟ أن يقال مثلاً إن إيران ستكون في موقع أعدل في مواجهة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بإطلاق المعتقلين السياسيين وتطوير نظام حقوقي عادل؟ ومن موقع التضامن مع الضحايا بالذات كتبت الرسالة، وليس من موقع السياسات العليا التي لا يبدو أن الهجمات المسعورة على الرسالة تنشغل بغيره. يثير هذا الوضع سؤالاً قلما نوقش في أوساط اليسار العالمي: من هو العدو؟ الإجابة الكسولة المستقرة هي: الرأسمالية ومشتقاتها من امبريالية واستعمار وما إليها. لكن ماذا عمن يعذب ويقتل ويرتكب المجازر ويرفع شعارات مناهضة الإمبريالية؟ لماذا يفترض بضحايا المجازر أن يقفوا إلى جانب جلاديهم حين يحدث أن ينفجر صراع بين الإمبريالية وتلك الامبرياليات الفرعية؟
بالمناسبة حتى من وجهة نظر جيوسياسية، إيران قوة تدخل امبريالية، اعتمدت سياسة التفريق الطائفي في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وتتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن كساح هذه البلدان الأربعة. فيجاي براشاد، وهو من أكثر من ساقوا في فرضية التناظر استناداً إلى صورة شفرتي المقص، لا يظهر إلا الكثير من قلة الحساسية لمعاناة السوريين واللبنانيين والعراقيين واليمنيين حين يتكلم على استخدام إيران دروعاً أمنية واقية لأمنها في البلدان الأربعة المذكورة، كأن هذا من طبائع الأمور المرغوبة، كأنه ليس هناك مجتمعات وحيوات بشرية في هذه البلدان. كأن الضحايا لا يستحقون التضامن إلا حين يكون القتلة هم العدو الرسمي.
وخلافا لما تردد ثلاث مرات في مقالة دباشي الهوجاء من استبعاد المثقفين الإيرانيين من التوقيع على الرسالة وعدم عرضها على أحد منهم، فإن الرسالة إيرانية، كتبها وعمل على جمع التوقيعات عليها مثقفون إيرانيون محترمون، وهم من فضلوا أن تقتصر التوقيعات على مثقفين ومعتقلين سابقين غير إيرانيين. لا يقتصر الأمر على احترام فاعلية أو مشيئة المثقفين والمناضلين الإيرانيين، بل هو وثيق الصلة بمضمون الرسالة التي فكرت في المعتقلين في سجون إيران كناشطين ومفكرين وفنانين وعمال وغيرهم.
كان سحب أساتذة عرب واقعة مؤسفة ما كان يجب أن تحدث لأن أصحابها لم يكونوا مضطرين للتوقيع على الرسالة مثلما قد يضطر المعتقلون السياسيون في إيران وغيرها على «اعترافاتهم» المأخوذة تحت التعذيب، أو على تعبير عن الندم عن نضالهم السياسي والاجتماعي والحقوقي. مؤسفة لأنه ليس هناك غير واحد من حكمين سلبيين على ساحبي التوقيعات، فإما أنهم لم يفهموا ما وقعوا عليه واحتاجوا إلى حملة غوغائية كي تستنير بصائرهم بخصوص محتوى النص القصير الذي عرض عليهم وقرأوه، وظهرت أسماؤهم ضمن قائمة الموقعين قبل أن تسحب بعد أيام، أو أنهم تخاذلوا أمام التسفيه والتنديد العدواني، وأظهروا افتقاراً إلى الشجاعة الأخلاقية للثبات على موقفهم. الحكم الأول غير معقول لأننا حيال مفكرين وأساتذة جامعيين ومنتجي أفكار من مراتب رفيعة بالفعل. والمؤسف بعد ذلك أن واحداً منهم فقط برر سحب توقيعه (بالتناظر المزعوم)، فيما ترك للمهتمين أن يعرفوا بسحب الأخيرين تواقيعهم من المتهجمين أنفسهم، وبالطبع من اختفاء الأسماء واحداً بعد الآخر من قائمة الموقعين.
وهذا يثير أسئلة غير مريحة بخصوص المثقفين ومسؤوليتهم السياسية والأخلاقية فيما يتعدى النطاق الأكاديمي أو نطاق التخصص المحدد. هل نأخذ موقفاً فقط حين لا تترتب على المواقف عواقب سياسية أو معنوية؟ وهل نبرأ من ازدواج المعايير في موقفنا من ضحايا الاعتقال والتعذيب والمجازر بحسب صنوف المعتقلين وممارسي التعذيب ومرتكبي المجازر؟ وهل نتوقع من الضحايا أنفسهم أن يشاركونا الموقف؟ وفي حين أن المثقفين قلما يواجهون مواقف تمتحن شجاعتهم الجسدية، خلافاً للمعتقلين السياسيين الإيرانيين وغيرهم، فإن الشجاعة الأدبية من صلب مفهومهم، لا تقل أهمية عما تجهر بهم كتبهم وأعمالهم من أفكار ومعان، وكانت هي ما دفعت إلى طلب توقيعاتهم في الأساس.
أنجيلا ديفيز، وهي من الموقعين على الرسالة، ردت على الضغوط الداعية لسحب توقيعها بكلمات بسيطة: إنها لن تفعل. المعتقلة السياسية السابقة في بلدها، أمريكا، قالت إنها مع إيران ضد العدوان الأمريكي والإسرائيلي عليها، ومع المعتقلين السياسيين في إيران ضد الحكومة الإيرانية. هذا مثال مشرق ويقتدى به.
والقضية الثانية التي تهتم هذه المناقشة بتناولها تتصل بما يمكن تسميته الإرهاب الافتراضي، حملات هوجاء من التسفيه وتشويه السمعة والإهانات والكلام البذيء، وصلت إلى اتهامات بالعمالة للناتو والمخابرات الأمريكية. وتنال هذه الحملات المسعورة المكافأة من الرضوخ لها الذي أخذ شكل التراجع عن الموقف في هذه الحالة. هذا فقط يشجع أصحاب تلك التهجمات على المزيد فيضعف موقف الجميع ويخذل من يتوقعون التضامن من ضحايا الاضطهاد والتمييز. يشبه سحب التوقيعات في هذه الحالة مسلك كاسري الإضرابات.
بعض المتهجمين هم من يطلق عليهم التانكيز «الدبابيون» الذين تحمسوا للدبابات السوفييتية وهي تسحق ربيع براغ عام 1968، وقبلها الثورة المجرية عام 1956. ويصدر أكثرهم عما يسمى النزعة المعسكرية، كامبيزم، التي تعول اليوم على إيران وأتباعها، وكان بينهم الحكم الأسدي في سوريا، أن يكونا المعسكر التحرري في وجه المعسكر الإمبريالي. أن تكون إيران قوة توسع وتمييز وقتل في إيران ذاتها، وفي عدد من البلدان العربية، أي قوة إمبريالية فرعية بالفعل، تبدو ثانوية في عين مركزيين أمريكيين، لا يعترفون بغير الصراع ضد الإمبريالية الأمريكية، يلحقون كل صراع آخر بهذا الصراع الذي لا تعرف لأكثرهم مساهمة فعلية فيه. فإذا كانت الإمبريالية هي نزعة التوسع والإلحاق على حساب بلدان ومجتمعات أخرى، فإن إلحاق جميع القضايا بقضية واحدة كبيرة، مركزية، هو ضرب من الإمبريالية الرمزية يستحق النقد الجذري، وخوض حروب رمزية للتحرر منه.
في مواجهة هجمات الدبابيين والمعسكريين كان الرد إيرانياً أساساً. عدا مقالتي فرح مختاريزادة المبكرة وفاطمة شمس قبل أيام، وجهت نسويات امرأة- حياة- حرية رسالة تقدير إلى الموقعين. ونشرت Feminists رسالة دعم للموقعين على رسالة التضامن. وبعد نحو أسبوعين من نشر رسالة التضامن مع المعتقلين الإيرانيين، نشر مائة من المثقفين والفنانين والمعتقلين السياسيين السابقين الإيرانيين، بعضهم يقيمون اليوم في إيران، رسالة تضامن، تنطق باسمهم وتتضامن مع موقعي رسالة التضامن في مواجهة التسفيه الرقمي.
وراء هذا التضامن الإيراني مع موقعي رسالة التضامن مع المعتقلين السياسيين في إيران إرادة تسمية وتأويل قضية كفاح الشعب الإيراني ضد الطغيان المحلي وضد السيطرة الاستعمارية من قبل أصحاب القضية أنفسهم.
ومع ذلك، من غير المتوقع أن يغير ذلك من المواقف شيئاً. هناك شيء متحجر فكريا ًوأخلاقياً عند الدبابيين الغربيين، الأمريكيين بخاصة، يتصل بنزعتهم الإمبريالية المعكوسة، إلحاق جميع الصراعات بصراع هائل يفترض أنهم يخوضونه هم. لا يعرض القوم حساً إشكالياً، أو يطورون تحليلات أكثر تركيباً، تتساءل مثلاً عن كيف يمكن مقاومة الإمبريالية بينما تسحق المنظمات اولعله لهذا بالذات تتناسب قلة فاعليتهم والفقر الفكري لدعاويهم مع علو أصواتهم.لسياسية المستقلة، ويضيق حتى على الأصوات الإصلاحية؟ أو تطلب الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وربما إقامة حكومة وحدة وطنية في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي.
٭ كاتب سوري