استعادت العاصمة السورية بعضًا من زخمها الثقافي والحضاري في “مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي” الذي أُقيم على مدار ستة أيام في دار الأوبرا في آب/ أغسطس الحالي. وتم تخصيصه للمرة الأولى بشكل كامل ومستقل ليكون مظلة للشعر العربي الفصيح والنبطي.
أُقيم المهرجان تحت عنوان “الشعر يبدأ من دمشق”، رغم أن الشعر العربي انطلق تاريخيًا من البادية في شبه الجزيرة العربية، على شكل أصوات قصيرة مثل السجع، ثم تطوّر تدريجيًا حتى اكتملت بنيته على أيدي شعراء الجاهلية قبل الإسلام. لكن ربما يحق لهذه المدينة التي “محت ألوف الوجوه وما زال وجهها واحدًا، وانحنت لدفن الضحايا وما زال صدرها صاعدًا” أن تكون ولو مجازًا بداية الشعر ومنزل الشعراء ومقصِدهم.
شارك في الدورة الأولى نحو 55 شاعرًا وأديبًا ومحاضرًا يمثلون 16 دولة عربية، ضمّ أمسيات شعرية وغنائية وندوات حوارية و”بودكاست” وعروضًا لمشاريع ثقافية وتكريمًا للمبدعين، إضافة إلى معارض للفنون الجميلة والكتاب، وحفلات توقيع لإصدارات جديدة وأنشطة تراثية متنوعة، وجولات سياحية لعدد من المعالم الأثرية والتاريخية في درعا وصيدنايا ومعلولا ودمشق وريفها، ومن بينها زيارة خاصة لمنزل الشاعر نزار قباني الذي انساب صوته داخل بيته القديم من تسجيلات له خلالها، كما ارتجل عدد من الزائرين أبياتًا من قصائده حفظوها عن ظهر قلب.
تجاوز دور المهرجان المنبر الأدبي إلى بناء جسور للتواصل والحوار بين التجارب العربية، لا سيما وأنه استقبل شعراء وشاعرات وباحثين من سورية وقطر والأردن والسودان واليمن والعراق والكويت وليبيا والسعودية ولبنان. ومثّل لبنان الشاعر شوقي بزيع، وألقى في افتتاح المهرجان قصيدته العمودية الوحيدة خلال تجربته الشعرية الطويلة “جبل الباروك” التي كتبها في رثاء زعيم المختارة كمال جنبلاط، صاحب المشروع الوطني الإصلاحي الذي اغتيل في آذار/ مارس عام 1977 على يد نظام الأسد الأب، كما تقول التقارير الاستقصائية والوثائق والأدلة.
خُصص المهرجان بالكامل للشعر العمودي والنبطي باستثناء قصائد غير عمودية للشاعرين عمر إدلبي ومحمد حاج بكري. واستضاف عددًا كبيرًا من شعراء القصيدة العمودية الفصيحة ومنهم: مشعل الزعبي- خليفة بن عربي- وليد الصراف- ابتسام تريتر- أنس الدغيم- صفية الدغيم وغيرهم. كما استضاف شعراء القصيدة النبطية منهم ثامر الفاعوري (سورية)، وعبد العزيز بن سالم (السعودية)، وأحمد العماش (البحرين). وكانت للشاعر ناصر المالكي من نيجيريا مشاركة هامة ألقى خلالها قصائد بعربية بالغة الفصاحة ونبرة توحي وكأنه عاش في حارات دمشق القديمة وأزقتها، ليتساءل البعض إن كانت هذه المشاركة الوحيدة كافية لتجعل المهرجان دوليًا.
غابت قصيدة التفعيلة والنثر عن هذه الفعالية الثقافية لاعتذار ممثليها عن الحضور كما ذكر القائمون عليها، وسيطرت الأحادية والقصيدة العمودية على يوميات المهرجان، وهذا طرح سؤالًا متكررًا: هل تدخلت السياسة والأيديولوجيا في اختيار هذا النوع من الشعر؟ وهل تدخلت ذائقة المؤسسة الثقافية الرسمية بتفضيل شكل أدبي على آخر؟ وبالتالي التخلي عن حماية التعددية الشعرية والالتزام بذائقة المجتمع كله، وهل منحت مساحة أوسع لمدرسة بعينها على حساب مدارس أخرى لها روادها ومبدعيها وجمهورها في سورية والعالم العربي كما قال بعض النقاد، أم أنها اختارت القصيدة العمودية لاعتبارات ترتبط بإحياء التراث البلاغي والموسيقي للعربية، وإحياء تاريخ دمشق بوصفها حاضنة لكبار الشعراء عبر العصور ورمزًا للذاكرة اللغوية الأصيلة كما ذكرت إدارة المهرجان، وهذا ما اعتبره مراقبون انحيازًا للنموذج الشعري المحافظ الذي يعكس رغبة في رد الاعتبار للتراث التقليدي بعد مرحلة طويلة من الإقصاء.
ضمن فعاليات المهرجان أُعلن عن مشروع ثقافي متكامل يسعى لإعادة تشكيل المشهد الأدبي وتوثيقه، بإطلاق “جائزة البُردة الشامية” المخصصة للاحتفاء بقصائد المديح النبوي والشعر الصوفي والعرفاني تزامنًا مع الأمسيات الروحية والموسيقية. إضافة إلى جائزة “السيف الدمشقي للشعر العربي” التي تُمنح سنويًا لأفضل الدواوين والقصائد لتكون منصة تكريمية رفيعة المستوى على غرار الجوائز الثقافية العربية الكبرى.
وتم إطلاق مشاريع رقمية ثقافية كمنصة “ديوان شعراء سورية” التي ستكون أرشيفًا حيًا إلكترونيًا تفاعليًا ضخمًا يجمع ويوثق ويصنف نتاجات وسير الشعراء السوريين عبر العصور لحمايتها من الاندثار وإتاحتها للمهتمين.
واحتفى المهرجان بالشاعرة الكويتية سعاد الصباح التي دافعت بشجاعة عن حقوق المرأة وحريتها، ودعمت ماديًا ومعنويًا الأدباء الشباب عبر مؤسساتها الثقافية، والتزمت بالقضايا الوطنية والقومية الكبرى، ورفدت المكتبة العربية بدواوين متميزة وإسهامات بارزة في الشعر العربي الحديث منذ بداية الستينيات، وأُقيمت ندوة حوارية خاصة لتكريم مسيرتها الشعرية والفكرية.
كما أُقيمت ندوة نقدية بعنوان “قراءة في قضايا الحداثة والبنية الإيقاعية” تزامنًا مع توقيع كتاب “التموزية والملحمة النقيض: الحداثة الأدبية والنقدية عند العرب” للناقد والمفكر السوري د. خلدون الشمعة العائد إلى بلاده بعد غياب 50 عامًا، والذي قدّم قراءة معمقة لمسار الحداثة الأدبية في الثقافة العربية، ولظاهرة استلهام الأسطورة في الشعر العربي الحديث.
أما الروائي الفلسطيني د. أدهم الشرقاوي فقد ألقى محاضرة بدار الأوبرا بعنوان: “إن الله تكفّل بالشام” استعاد فيها حضور هذه البلاد في الوجدان العربي والإسلامي، متأملًا أسرار البلاغة النبوية وما تركته من أثر عميق في اللغة والثقافة، ومُركزًا على الأحاديث النبوية التي تناولت فضائل بلاد الشام، واختزنت دلالات روحية وتاريخية هامة.
بينما تحدث الكاتب والروائي السوري إبراهيم الجبين في محاضرة له عن “الانقلابية في الحركة الشعرية السورية” والتي أثارت زوبعة من النقاش والاختلاف بالرأي، ركز فيها على علاقة الإبداع بالسلطة والجدل الذي أثارته قصائد الشاعر نزار قباني وصولًا إلى صعود قصيدة النثر والأنظمة العسكرية ومحاربة القصيدة الكلاسيكية.
أُقيمت خلال المهرجان أيضًا جلسات حوارية تفاعلية مع الجمهور، ونقاشات ساخنة حول ذائقة التلقي الشعري وأثر الصورة الشعرية والبلاغية في القصائد على وعي ومشاعر الجمهور، إضافة إلى مناقشة تجارب مجموعة من أبرز الشعراء العرب والسوريين: نزار قباني، عمر أبو ريشة، أحمد شوقي ورياض الصالح الحسين.
وتم تكريم نخبة من أبرز الأسماء الإبداعية التي تركت أثرًا بارزًا في حركة الشعر والنقد بالعالم العربي ومنهم: الشاعران القطريان الدكتور حسن علي النعمة وعلى المسعودي، الناقد السعودي عبد الله الغُذامي، الشاعر اللبناني شوقي بزيع، والمفكر السوري الدكتور خلدون الشمعة.
حضرت الأمسيات الغنائية والموسيقية في فعاليات المهرجان وأعطته تنوعًا وغنى، حيث قدم كل من الفنانين السوريين: المُنشد والملحن مالك نور، والعازف والمختص بعلم الأصوات والموسيقى مصطفى حمدو، والفنان والمنشد هيثم الحلبي، أوبريت “سورية” وهو قصيدة ملحنة كتبها الشاعر ومدير المهرجان أنس الدغيم. كما أحيت المطربة اللبنانية ولاء الجندي حفلًا غنائيًا في اليوم الثالث من المهرجان قدمت خلاله أغنيات من التراث والطرب، ووصلة غنائية جمعت بين الشعر الكلاسيكي والأندلسي.
أما مسك الختام فقد كان مع الفنان السوري بشار زرقان الذي قدم مقطعًا غنائيًا من قصائد الشاعر محمود درويش وفاءً لإرثه الشعري الخالد، وأنشد مختارات من عيون الشعر الصوفي والعربي لكبار الشعراء وفي مقدمتهم عمر ابن الفارض حيث أدى رائعته الصوفية “روحي فداك عرفت أم لم تعرف”. وتضمنت حفلته أيضًا قصائد ومقطوعات صوفية من أشعار: الحلاّج، ابن عرب، أبو العتاهية والسهروردي، واختتمها بقصيدة أبي نواس الشهيرة: “أموت ولا تدري وأنت قتلتني. فلا أنا أُبديها ولا أنت تعلم”، بعد أن صدح صوته في دار الأوبرا بالغناء الملتزم في مزيج بين عذوبة الأنغام والمقامات الشرقية الأصيلة، وبلاغة الشعر والأداء الفلسفي المعاصر الوجداني.
اللافت في المهرجان عمومًا هو الحضور الكثيف والتفاعل الكبير من الجمهور ولا سيما فئة الشباب، حيث امتلأت قاعات دار الأوبرا التي تتسع لأكثر من 1500 شخص بالكامل، وعلى مدى ستة أيام متتالية، وهذا لا يعني بالضرورة القيمة العالية لأي شعر أو أدب أو فن، لأن معايير الأهمية الحقيقية تكمن في قدرة القصيدة على البقاء في ذاكرة الناس ووجدانهم والتأثير عليهم، وفي صورها الشعرية المبتكرة ومدى قدرتها على التعبير عن قضايا الإنسان الحقيقية ومشاعره العميقة.
بالعموم استطاع المهرجان أن يعيد إلى دمشق صلتها بالشعر والموسيقى بعد غياب قسري جائر، وأن يُحدث نقلة نوعية لصالح شعراء سوريين وأسماء جديدة، وأن يكسب جمهورًا كبيرًا جاء إليه بكامل حريته واختياره، وشعراء ومفكرين شاركوا في فعالياته وكلهم أمل بأن تبقى دمشق راعية للثقافة والأدب والفكر وأن “يُعرّش الياسمين على أصابع من يكتب عنها”.