حاوره / علاء المفرجي….جريدة المدى
يكتب الروائي والكاتب العراقي نعيم عبد مهلهل مُنجَزه الإبداعي سردًا وشعرًا وأبحاثًا نقدية أو طوبوغرافية من بابٍ يسميه «باب الإبهار». فهو يعتني بالصورة وإحساسها، وبالبطل وأحلامه، وباللغة وبهرجتها. يُعرَف عنه أنه يحترف الرواية وفاز بالكثير من جوائزها، لكنه يمتلك أيضًا ثمانية دواوين شعرية، وهو أكثر كاتب عراقي كتب عن بيئة الأهوار وعن الهاجس الروحي في الديانة المندائية التي تركنا الحديث عنها لحوارٍ منفصل. لعبد مهلهل أكثر من أربعيم مؤلفا في الرواية والشعر والدراسة. وهنا يكاشف المدى في حوارات الحياة والكتابة الحقيقية التي طريقها الشمس وليس العتمة.
حدِّثنا عن المصادر والمراجع (حيوات، أمكنة، أحداث، شخصيات) التي أسهمت في إدراكك للكتابة والأدب؟
في خندقٍ شقيٍّ بحربٍ ما، وقبل سنوات بعيدة، وصلنا في حقيبة جندي مجاز كتاب «جماليات المكان» لغاستون باشلار من ترجمة غالب هلسا. ومتى استعرته وقرأته بلذةٍ غريبة اكتشفتُ أن المكان هو بوصلة الاتجاه لجهةٍ ما تود الكتابة عنها. كنت وقتها في بدايات الكتابة، وأغلبها خواطر الخوف من موت الحرب. ولكن كتاب «جماليات المكان» أصبح توراةً لمعرفة مَن تستطيع أن تذهب إليهم عبر مكانٍ أول وأسطوري هو بيتكم الذي كل جدرانه من الطين وسقفه من سعف النخل، وأجمل الشخوص فيه هم والداك وإخوتك. وبوجوههم استعنتُ في ابتكار الشخوص، وافترضتُ الحنان في وجه أمي دعاءً إلى آلهة سومر لتنجيك من الحرب.
بين البيت والخندق الشقي تمتد جغرافية الذاكرة، وكلها كانت محطات تتلون فيها البيئات والطبائع والأحلام: الشارع، وشاشات السينما، والاصطفافات المدرسية، ووجوه عمال مساطر الطين، والثورات التي عاصرتها المليئة بوجوه الصفحات الأولى من الجرائد. وجه شهرزاد وأنت تكتسب منه متعة قراءة ألف ليلة وليلة. أزمنة الأهوار حين كنت فيها معلم مدرسة ابتدائية، والكتابة عن الطقوس الروحية لجيراننا الصابئة المندائيين. محطات الاغتراب وأمكنتها التي لا تشبه دروب طفولتك. كل هذا صنع الإدراك، وكان أغلبه هاجس الحس في تطوير الموهبة التي بدأت منذ طفولتك وانتهت لتكون الرواية رقم 20 في مُنجَزي السردي.
كيف غيَّر المغترب في ألمانيا نظرتك إلى الهوية العراقية، وهل يظهر ذلك في أعمالك الأخيرة كـ”بغداد: أناشيد الحزن”؟
أظن أن المغترب، مع بقاء الانتماء الوطني فيك، لا يغير النظرة إلى صورة الوطن. فبدون تلك الصورة حتى ملامح أبنائنا تتشوه. لكن العلة فيما تراه في الوطن من تبدلات مجتمعية وأزمات اقتصادية وشكوى تسمعها من حناجر الفقراء عبر شاشات التلفاز.
الهوية لديَّ أن يبقى الوطن حرًّا والشعب سعيدًا. إنها خاطرة شيوعية تُردَّد كشعار، ولكنها منذ أن قيلت دفعت آلاف الضحايا ولم يتحقق شيء. لهذا أقلق على الهوية العراقية من تعجيمها أو تتريكها أو أمركتها، فالعراقي لا يفرط بلهجته وأغانيه وعروبته وكرديته. ولكنه يخاف من أن تذوب الوعود وتتحول إلى أرصدة مهرَّبة، وقتها لا نستطيع أن نبني مصنعًا ولا مشفى ولا مدرسة، ولا نستطيع طبع روايات ودواوين ومسرحيات مبدعينا.
حبًّا بالهوية أغلبنا يذهب إلى تساؤلاته الحزينة والمرتبكة، فبعضنا حتى وهو في آخر الأرض يراقب بلاده جيدًا.
تعددت اهتماماتك في الشعر والرواية والقصة والمقال والدراسة وحتى كتابة السيناريو.. ما الخيط الذي يجمع كل هذه الاهتمامات، وهل هي أقنعة لوجهٍ واحد؟
سؤال لا أعرف أين أجد الإجابة له. وإن أردتُ، فأول مَن أدين له بالفضل هو وجه أبي وهو يحمل الخبز إلينا بأصابع مرتعشة. وثانيًا المكتبة المدرسية في مدرسة الكاظمي الابتدائية. وهذان الهاجسان تطورهما ما يمنحك الله من موهبة. والموهبة مهما كانت لامعة فإنها تحتاج إلى التجارب والقراءات والتأملات والمكملات، وأحيانًا ما لا تتمناه أن يكون لك قدرًا ينمي كثيرًا من موهبتك، فلا تكتفي فيها أن تكون كاتب خواطر بل تتحول إلى سارد وشاعر وكاتب رسائل رائع، وأقصد الحرب.
لكني كلما أهضم عامًا من عمري وأصل عند الستينيات تسكنني تلك القناعة القدرية التي اكتشفتها من رؤى الصوفيين ورحلاتي وغربتي وما يصل إليَّ من مديح النقد على قلته لمُنتَجي. أصل إلى حقيقة أن كل هذا هبة من السماء. السماء التي يجلس الله على عرشها. فما أنتجته اليوم من كتب بشتى تنويعات الأدب وانشغالاته وصل إلى 100 كتاب.
بعض مؤلفاتك تمردت على التجنيس، والبعض الآخر اتخذ عناوين فنتازية وغريبة، مثل “الفياغرا وشهية الجلوس مع باولو كويلو”، و”عراق رومي شنايدر”، وغيرها.. كيف تقرأ لنا ذلك؟
هو ليس تمردًا بل متعة الغرابة في جعل العناوين بابًا لإغراء قراءة الكتاب، فلقد ذهب زمن العناوين الجاهزة التي كانت تعتمد على الرومانسيات المستهلكة. وأتذكر أن صاحب دار نشر أخبرني أنه في عامٍ واحد وصلته ثلاثة مخطوطات بعنوان واحد هو «رسائل إلى حبيبتي».
العنوان بالنسبة لي هو أول خطوات الماراثون في بناء النص. فأنا لا أبدأ بكتابة الرواية مثلًا إلا عندما أختار عنوانها. وربما عكس الجميع، فالعنوان هو مَن يحفزني في الكتابة، ولاحقًا أختار فصول العنوان، وبقدرية عجيبة ينطبق هذا العنوان على أزمنة وأمكنة معاشة، وخصوصًا عناوين قصص الأهوار.
أنا لا أكتب وفق تصور “كل ممنوع مرغوب”. أنا أكتب بقناعة أن يكون العنوان غريبًا وجميلًا في الوقت نفسه، مثيرًا. وإغراء القارئ يبدأ من العنوان وجمالية تصميم غلافه واسم مؤلفه.
كتبتَ بعض السيناريوهات. كيف ترى دور الأدب العراقي في نقد الاستبداد والحروب، مقارنةً بالسينما السياسية، كما في أعمال محمد شكري جميل أو كريم مطر؟
أشعر أن السيناريو هو رواية سينمائية لكن بناؤها مختلف. وأعرف أنك حرفيٌّ في هذا المجال، وأنك تمتلك تصورًا مهنيًّا عن السيناريو أفضل مني، لكنني أمتلك محاولات قليلة شجعني عليها النقاد حيث ذكروا أن روح السينما والمشاهد المرئية والمتحركة في رواياتي تجعل لغتي السينمائية جيدة.
ولا مقارنة بين السينما والسياسة. ذلك لأن السينما تُظهر لك المعنى والقصد واضحًا على شاشة عريضة وبأداء ممثلين، أما السياسة فهي تتأرجح بين المواقف الشريفة والمواقف الخادعة. ومتى أرادت السينما أن توثق لقصة أو حياة سياسي ينبغي أن يكون السيناريو أمينًا في إظهار العيب والجيد، وهو ما فعلته الكثير من تلك السيناريوهات. فمثلًا الفيلم الذي وثَّق حياة موسوليني أظهره لنا فاشيًّا منذ أول طموحه السياسي. محاولاتي في السيناريو بسيطة وأحاول أن أوثقها بكتب أطبعها، كما في فيلمي عن الأهوار، وآخر نتعاون عليه أنا والمخرج الألماني نوزاد شيخاني وفي مراحل التحضير له حول السبي الإيزيدي، وآخر اشتغلته الآن مع المخرج السعودي الدكتور عبد الله المحيسن وهو بعنوان “الطريق إلى بيت إبراهيم” ويوثق الطرق التاريخية للحج إلى مكة.
كيف يمكن للأدب العراقي المهاجر أن يسهم في إعادة بناء الذاكرة الجماعية للعراقيين، والانتصار للهوية الواحدة في بلد متعدد الهويات الفرعية؟
الذاكرة الجماعية هي ذاكرة الأفراد المجتمعين، والذاكرة الجمعية هي ذاكرة مجتمعات في مكان واحد. هذا تفسيري الافتراضي وليس الاصطلاحي. فأفترض أن العراق هو ذاكرة جمعية، أي مجتمعات عدة تتجمع في وطن واحد لتكون فسيفساء اسمها العراق. وتعرضت هذه الفسيفساء إلى ظروف قاهرة وصعبة في التعايش والإغفاء تحت راية واحدة، فكان من نتاجها الحروب والصراعات السياسية وموجات الإرهاب وسلطة المركز المتعجرفة في عدم إعطاء بعضٍ من تلك المجتمعات حريتها وحلمها القومي، كما حدث في الصراع الحكومي مع الأكراد منذ بدء الدولة الوطنية في العراق.
في هذه الرؤية يلعب الأدب المهاجر دورًا كبيرًا في التوعية الإبداعية عبر نقل تجارب شعوب تخلصت من هاجس التفرقة المجتمعية والسعي إلى نشر مشترك بين إبداعات مختلفة الثقافات والقوميات، وحضور المنصات الوطنية بشكل جماعي من أجل ثقافة جمعية قد تتعدد فيها صفات البنية اللغوية والبيئية، ولكنها تقول لنا إنها قادمة برداء وطني يرتديه الجميع. وبهذا تنتصر ثقافة الوطن المغترب من أجل هويتها التي تتشكل داخل الجسد العراقي حتى لو كُتبت بلغات مختلفة.
في روايتك “الآلهة والجواميس في مديرية الأمن”، كيف رسمت صورة المنفى كفضاءٍ للملائكة المنكسرة، وهل تعكس تجاربك الشخصية في ألمانيا بعد 1991؟
ما أتحدثه الآن عن روح وفكرة هذه الرواية يجيبك تمامًا على سؤالك. فعندما كتبتها كان الإحساس يسكنني دائمًا أنه عندما ينتهي آخر فصل من روايتي، تبدأ معرفتي للحياة بطريقة غير التي كنت أعرفها وقت شروعي بكتابة الفصل الأول. لكنني مع آخر رواياتي التي أتحدث فيها عن غرام مجنون من طقوس المنفى والعذاب بين أخ وأخته، حملني لأُبقيَ عشقي للحياة التي كانت مسرحًا لروايتي ووظيفتي يوم كنت معلمًا لأبجدية الحلم والأمل: أن أجد امرأة تمتلك فهم شغفي للكتب التي أُعيرها إياها بعد أن تتعلم القراءة والكتابة. امرأة تعشق روزا لوكسمبورغ ونوال السعداوي وسيمون دي بوفوار، مثلما تعشق صوت الملاية زكية القادمة من ناحية الإصلاح لتقيم في كل عاشوراء مجلس عزاء «النسوان» من أول المحرم حتى انتهاء الليلة الثالثة عشرة، ليلة الوحشة بعد دفن جسد الحسين (ع)، وأخذ رأسه إلى بلاط يزيد في شآم دمشق. وأيضًا مثلما يهزها طرب صوت بنت الريم وسورية حسين ووحيدة خليل.
تلك الرواية “الآلهة والجواميس في مديرية الأمن” أبقت فيَّ الحنين إلى تلك الأمكنة وإلى صبر الأمهات والأخوات يوم يُساق الآباء والأبناء إلى محارق الحروب أو زنزانات الاعتقال. وربما هاشمية بطلة روايتي والمرأة التي أبقت عشقها وحنينها لأخيها في غربة منفاه، وتحمَّلت بدلًا عنه سنيَّ الاعتقال في زنزانة في مديرية الأمن لتسجل بدلًا عنه موقفًا يسجله هذا المخاض العسير الذي عاشته نساء الأهوار مع دوي القنابل والتهجير وحرق القرى من قبل الأفواج القادمة لتبحث وتطارد مَن بدؤوا يحاربون الحكومة.
ما هي الرموز الرئيسية في “حارس المقبرة الإنكليزية” التي كانت في القائمة القصيرة لجائزة الإبداع العراقي هذا العام والتي ترافق سقوط بغداد، وكيف تنتقد الرواية الاحتلال الأمريكي والانهيار الاجتماعي؟
الاحتلال عند العراقيين منذ حرق أور وتخريبها قبل الميلاد يعني لعنة تصنعها الآلهة، أو يصنعها غرور وكبرياء وظلم الملوك، أو يصنعها طمع الآخر بموارد بلادك. وفي كل الحالات هو احتلال. وهناك بعض ضرورات التاريخ قد تجعله واقعًا ولكن ليس ليدوم ويطول، عندها تكون مهمة الكاتب هي صنع الكلمة المقاومة بشكلها السلمي أولًا ثم مع تحولاتها. وتوثيق ما حدث ويحدث هو أحد أشكال تعامل الرواية مع الاحتلال، وهذا ما فعلته مع روايتي «حارس المقبرة الإنكليزية» التي هي نتاج المشاهدة، حيث عرفت أن تلك المشاهدة بدون لغة واعية لن أستطيع تدوينها، وحتمًا وعي اللغة يحتاج إلى القراءة والاطلاع ومزجهما بموهبة ما تشعر أنك تمتلكه وقادر على التعبير عنه.
خصوصًا وأنت ترى في شاشات التلفاز تلك الأقدام الغريبة في بساطيلها وهي تجوب طرقات مدن بلادك.
في تلك الرواية “حارس المقبرة الإنكليزية” وجدتُ ما افتقدتُ من محاولة الوقوف على مجريات ما حدث ويحدث وسيحدث، وكان عليَّ حتى أفهم ما يجري أن أستعين بحدث التاريخ منذ البدء التوراتي وما قبله لأعرف شكل تلك القدرية التي تلوِّن ملامح هذا البلد الذي انتمى إليه أبي وأجداده. فما وسَّع الفهم في كل هذه المجريات سوى الرغبة للتعبير عن هذا الإحساس برواية. فأتيت بالبيتلز ليكونوا بعض حلول حل هذه الشفرة التي تُرمى مثل عباءة الرجل الدرويش على أكتاف أقدارنا في انتظار حلول لكل تلك الفوضى التي أفرزتها حروب تلك البلاد.
في دراستك “الرواية العراقية في المنفى”، ما هي السمات المشتركة التي حددتها بين الروائيين العراقيين في الغرب، وهل غيَّرت رأيك بعد صدور أعمالك اللاحقة؟
لناظم حكمت عبارة ساحرة تقول: «والمنفى مهنة شاقة يا حبيبتي». وأيضًا هناك مشقة في كتابة رواية المنفى والكتابة عن رواية المنفى. ذلك لأنك متى تكتب روايتك في داخل بلدك ستكون المسارات والبيئات والهواجس متقاربة لتصنع وحدة السرد مهما اختلفت هواجسه وأحلامه وشخوصه، فإنك في النهاية ستعود إلى بدء هو ذلك المكان الذي كتب فيه جميع الروائيين أحلامهم السردية. لكن في كتابة رواية المنفى أو المهجر أو النأي فإن الهواجس لا توحدها أمكنة وبيئات، بل إنها تعيش تحت وطأة الاختلاف الثقافي والنفسي والمكاني والحضاري، لهذا هي تُكتب بشكل مختلف، وكل رواية حسب هاجس وبيئة المغترب ومزاج أمكنته. ولكن هناك مَن هو بعيد عنها ويكتب وكأنه يعيش فيها تمامًا، وغائب طعمة فرمان والكثير هم نماذج لكتابة رواية وطنية وهم يحملون جنسيات أخرى.
وفق تلك الرؤى درست الكثير من نماذج روايات المنفى، وأول كتبي عنها هو أنني جعلت روايات نجم والي أنموذجها، وثاني الكتب كان عن الشعر المكتوب في منافيه عن تجربة الشاعر شوقي عبد الأمير، وأنا في الكتابة الشعرية دائمًا أحاول أن أجعل السرد موجودًا فتكون القصيدة لدي بعضًا من حكاية.
في روايتك “إيروتيكيا التماثيل والصور”، استخدمت الرموز الإيروتيكية للتماثيل والصور لاستكشاف عودة المنفي إلى بغداد، وهل ترتبط هذه الإيروتيكية بالميثولوجيا السومرية أو نقد الانهيار الاجتماعي بعد 2003، خاصة في فصل “شهية شاشات السينما” الذي يمزج بين الخيال والواقع؟
في هذه الرواية مزج سحري بين علم الآثار والسينما. إنها تقريب أحلامك الطفولية بهاجس عولمة اليوم، والإثارة فيه هو مزج عاطفة عالم الآثار الإيطالي فرانكو داغستينو والروائية الفرنسية فرانسواز ساغان والممثلة كاترين دينوف، و»شهية شاشات السينما» أظنه أجمل الفصول وأهمها. حيث اشتغلت الإيروتيكيا مع الخيال لتصنع مشهد وقائع يومية بين خيال طفولة السينما وما تمنحه لنا أور من هاجس أسطوري ممتع.
في الرواية ساغان تُشعل لدينوف سيجارتها، فيما جدتي مشتهاية بسبب كهولتها نست لف التتن الحار الذي تعودت عليه، فصارت تمضغ بدله القات اليمني وتهدي ديغول والرئيس عبد الرحمن عارف مواويل شجن عاشوري أسود، فيما الروائية والممثلة تنسجمان بشهية غرام الرصيف وتلك الموسيقى العالية الأداء التي تأتي من خلال همس القبلات بين الممثلة وكاتبة الرواية.
القراءة السيكولوجية للدخان الذي يأتينا من سيجارة دينوف هو ذاته دخان مواقد شتاءات بيوتنا الطينية ونحن نحلم معها أن نهزم البرد بخاطرة أو بنشوة منتصف الليل مع أغنية لنجاة الصغيرة.
أما فرانسواز ساغان الممتعة في أداء الرغبة في جعل المغامرة هي حبكة الغرام في نصها الممتع “قطة على صفيح ساخن”، أو تلك المحسوسات التي يتدفق فيها شعاع الشمس في الماء البارد إنما هي قراءة لنشأة هاجس رغبتنا لنعيش لحظة الهروب إلى الأماكن الأبعد بقطارات رغباتنا المراهقة وعادتها السرية.
أسألك كشاعر، هل ترى أن الشعر في العراق قد أخلى مكانه للرواية التي شهدت فورة خلال العقدين الأخيرين؟
الشعر شاهد عيان لأحاسيسنا الخفية والمكبوتة والتي ترتدي أقنعة كثيرة للظروف السياسية والمجتمعية والنفسية أيضًا. لهذا يبقى حاضرًا لأن الوعي البشري وصلة الإنسان ولذة الغرام بدأت به. ولهذا يبقى بمكانته تمثيلًا كهاجس للقلوب وأحلام العراقيين منذ مدونة ملحمة جلجامش في أوروك وإلى اليوم. ومادام لكل عصر موضة كتابية علينا أن نعترف أن السرد هو موضة هذا العصر، وأصاب الحماس خصوصًا في العراق عندما هبطت علينا رائعة ماركيز «مائة عام من العزلة».
ما برأيك موقع المثقف العراقي مما يجري الآن من إشكالات سياسية، ودور الكاتب كـ”مثقف عضوي”؟
هذه إشكالية لا تمتلك ثباتًا في موقفها بسبب تغير المواقف ومشاعر الاختلاف في الانتماء. وكمثقف عضوي عليك أن تعيش تحديات كثيرة وأن تمتلك نفسًا مقاومًا. وأظن أن الكتابة في همها الإبداعي النقي وهاجسها الوطني والإنساني لقادرة على أن تُبقي الكاتب كمثقف عضوي ومنتج. فقد قدَّ على محترف صنعة الأدب أن يكون أداة للتغيير لا أداة تُستخدم كواسطة وجسر من أجل الآخر صاحب المال والبدلة الأنيقة. أكتب لأكون معك ومَن معك، ولن أكتب لأكون معك فقط. تلك هي المهمة الحقيقية.